واشنطن تحاذر انفجار لبنان: تفاهم داخلي يفتح الطريق إلى روما؟

دخل لبنان في ما يشبه العطلة الصيفية على المستوى الدبلوماسي، لكن الجنوب لا يعرف عطلة ولا هدوءاً. هناك يستمر النزف، وتبقى كل الاحتمالات مفتوحة: من استمرار الاستنزاف على الوتيرة نفسها، إلى الانزلاق نحو تصعيد أوسع قد يمتد، وفق تقديرات سياسية، حتى تشرين الأول، موعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي.
وفي قلب هذا المشهد، يجد رئيس الجمهورية جوزاف عون نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: خطر حرب لا يمكن استبعاده، ومسار دبلوماسي يتمسّك به رغم أنه لم ينتج حتى الساعة اختراقاً فعلياً.
فالمعادلة الإسرائيلية تبدو واضحة: لا تسوية مستدامة قبل معالجة سلاح حزب الله والتقدم بالمناطق النموذجية بحسب ما أفادت أميركا الجهات الرسمية بحسب مصادر “المدن”. وتعتبر تل أبيب، بدعم أميركي، أن الوصول إلى هذا الهدف لا يمكن أن يتم بالضغط العسكري وحده، بل يحتاج إلى مسار داخلي لبناني تكون فيه مؤسسات الدولة شريكاً أساسياً. ومن هنا، يتضاعف الضغط على العهد الذي اختار منذ البداية الرهان على التفاوض، لكنه يقف اليوم أمام هامش حركة يضيق أكثر فأكثر مع استمرار الضربات الإسرائيلية وعجز المساعي الدبلوماسية عن وقفها.
عون أمام موازين قوى جديدة
لا تنفصل هذه الضغوط عن التحولات التي أصابت موازين القوى في الداخل اللبناني والمنطقة. ويشير مصدر سياسي مطلع لـ”المدن” إلى أن هذه التحولات بدأت تفرض وقائع سياسية جديدة في لبنان، مستشهداً بإقرار قانون العفو العام كأحد المؤشرات على تبدل التوازنات وطريقة مقاربة الملفات الداخلية.
لكن رغم كل ما تبدّل، يبقى حزب الله حاضراً كقوة عسكرية وسياسية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مقبلة. والمفارقة أن الحزب، المعني مباشرة بجوهر المفاوضات الدائرة حول الجنوب ومستقبل السلاح والترتيبات الأمنية، يكاد يكون خارج دائرة التواصل المرتبطة بمسار روما والاتفاقات التي يجري العمل عليها.
قطيعة بين بعبدا وحارة حريك
العلاقة بين بعبدا وحارة حريك تعكس حجم الأزمة. فلا تواصل مباشراً بين رئيس الجمهورية وحزب الله، فيما تراجعت أيضاً قنوات الاتصال عبر المستشارين إلى حد شبه القطيعة.
وتنطلق مقاربة الحزب، وفق مصادر مطلعة، من أن لا جدوى من إعادة فتح قنوات التواصل طالما أن رئيس الجمهورية مستمر في المسار نفسه، والذي تعتبر حارة حريك أنه تجاوز حدود بعض التفاهمات الداخلية السابقة، ولا سيما في ما يتعلق بمقاربة ملف السلاح والتفاوض مع إسرائيل.
وسط هذه القطيعة، يحاول المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير مرة جديدة لعب دور الوسيط، بحسب معلومات “المدن” من خلال إعادة وصل ما انقطع وفتح قنوات غير مباشرة بين الحزب وعون عبر المستشارين. إلا أن هذه المحاولات لا تزال في إطار المساعي ولم تصل بعد إلى مستوى إعادة بناء التواصل السياسي.
في المقابل، لا يبدو عون مستعداً للتراجع عن خياره. فمقاربته تقوم على سؤال يكرره أمام المعترضين: “أعطوني خياراً آخر غير التفاوض قادرين نمشي فيه”. بالنسبة إليه، لا بديل عن المسار الدبلوماسي، فيما كلفة المواجهة المفتوحة قد تكون أكبر بكثير من قدرة لبنان على الاحتمال.
وهنا، تعتبر مصادر سياسية أن الكرة انتقلت إلى ملعب حزب الله: هل يعيد النظر في مقاربته ويفتح نافذة جديدة باتجاه بعبدا، ربما عبر مستشار الرئيس أندريه رحال، في ظل الفتور الكبير الذي يطبع علاقة الحزب بالمستشار جان عزيز؟
بعض المؤشرات توحي بأن موقف الحزب بات أكثر مرونة مما كان عليه سابقاً، من دون أن يعني ذلك قبولاً بالشروط المطروحة. وقد يعود الحزب إلى طرحه المتعلق بوضع استراتيجية للأمن الوطني يتم التفاهم عليها مع رئيس الجمهورية، بما يسمح بمناقشة ملف السلاح ضمن رؤية دفاعية وأمنية أشمل، لا باعتباره بنداً منفصلاً يُفرض تحت الضغط الإسرائيلي.
وهنا يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري في الدائرة الرمادية اذ بدا واضحاً ان موقف بري يتمايز عن الحزب لجهة رفضه إسناد أي جهة ورغبته بأن يبدأ الحزب مساراً داخلياً يقضي بتسليم سلاحه. لكن بري يعلم أن ذلك لن يتحقق دون ضمانات أميركية غير متوافرة الآن. ويأتي موقف بري من منطلق بعض الرسائل العربية التي وصلته لناحية ضمان السلم الأهلي وحقوق الطائفة الشيعية والمساعدة في إعمار الجنوب. لكن هذا التمايز لا يعني أي خلاف طالماً أن بري والحزب يعلمان أن اتحادهم في هذه المرحلة ضروري لاجتياز كل المخاطر المحيطة بلبنان والمنطقة.
روما 3… جولة معلّقة بشروط إسرائيل
في موازاة العقدة الداخلية، تبدو الجولة الثالثة من مفاوضات روما بعيدة نسبياً.
إسرائيل تربط الانتقال إلى جلسة جديدة بتحقيق تقدم ملموس في تطبيق اتفاق الإطار، وفي مقدم ذلك ملف سلاح حزب الله والتقدم داخل ما يعرف بـ”المناطق النموذجية”. في المقابل، برزت داخل لبنان أصوات ترى أن لا مصلحة في الذهاب إلى جولة جديدة طالما أن إسرائيل نفسها لا تلتزم بما هو مطلوب منها وتواصل عملياتها العسكرية.
إلا أن معلومات “المدن” تشير إلى أن لبنان سيذهب إلى روما متى تحدد موعد الجولة، مهما كانت التحفظات، ولو أن الرئيس عون وفريقه يحاولون الإيحاء بغير ذلك. فالسلطة اللبنانية تدرك أنها لا تملك ترف إغلاق الباب الدبلوماسي، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية المتصاعدة وحقيقة أن لبنان يدخل أي مواجهة جديدة من موقع أضعف.
واشنطن، وفق هذه المقاربة، تدفع باتجاه إبقاء كل الخيارات التفاوضية مفتوحة، انطلاقاً من أن استمرار الجمود لا يصب في مصلحة لبنان.
لكن المشكلة أن الظروف الميدانية لا تساعد على إنضاج “روما 3”. فإسرائيل تواصل تحقيق أهدافها في الجنوب، فيما يجد الجيش اللبناني نفسه أمام مهمة أكثر تعقيداً مع اتساع رقعة الاعتداءات واستمرار العمليات العسكرية، ما يحد من قدرته على تحقيق التقدم الذي تطالب به الأطراف الخارجية في المناطق التجريبية.
ماذا بقي من اليونيفيل والقرار 1701؟
العقدة الأكثر حساسية تتصل بآلية التحقق ومن يملك حق الإشراف على تنفيذ أي اتفاق جديد. مصادر دبلوماسية تذهب إلى حد القول لـ”المدن” إن النظرة الأميركية والإسرائيلية إلى دور اليونيفيل تغيّرت جذرياً، وإن الحرب الأخيرة أضعفت عملياً الرهان على الصيغة التقليدية التي حكمت الجنوب منذ عام 2006.
وبحسب هذه القراءة، فإن حرب الستين يوماً لم تهز فقط دور اليونيفيل، بل طرحت أسئلة فعلية حول قدرة القرار 1701، بصيغته وآلياته السابقة، على إدارة المرحلة الجديدة. لذلك انتقل النقاش من سؤال “كيف نعيد تفعيل الآليات القديمة؟” إلى سؤال أكثر حساسية: من سيدير أمن الجنوب ويراقب تنفيذ أي اتفاق جديد؟
الولايات المتحدة لا تبدو في وارد إرسال قوات أميركية إلى الجنوب، خصوصاً أنها لا تريد تعريض جنودها للخطر في منطقة لا يزال حزب الله موجوداً فيها. وفي المقابل، تحاول إسرائيل منذ بداية المفاوضات تثبيت دور لها في مراقبة التنفيذ والتحقق منه.
وهنا يظهر خط أحمر لبناني واضح: لا قبول بإعطاء إسرائيل حق الإشراف المباشر على الأراضي اللبنانية أو التحقق بنفسها من تنفيذ الالتزامات.
وهذا الملف كان من بين المواضيع التي ناقشها الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، مع المسؤولين اللبنانيين، خلال زيارته التي تمتد لأيام وتشمل ملفات أخرى، من بينها الأسرى والحدود والترتيبات الميدانية.
لكن بالنسبة إلى إسرائيل، يبقى الاختبار الأساسي في مكان آخر: المناطق التجريبية ومدى قدرة الدولة اللبنانية على تحقيق تقدم فعلي فيها.
واشنطن وسلاح الحزب… الضغط من الداخل أيضاً
وبالتوازي مع المسار العسكري والتفاوضي، تتوسع الحركة الأميركية داخل لبنان، بما يعكس أن واشنطن لا تنظر إلى ملف سلاح حزب الله باعتباره قضية عسكرية فقط، بل لكونه ملفاً سياسياً وأمنياً ومؤسساتياً متكاملاً.
وفي هذا السياق، تُقرأ الحركة المكثفة للسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، ومن ضمنها زيارته إلى قصر العدل، باعتبارها جزءاً من متابعة أميركية دقيقة للملفات الداخلية اللبنانية المرتبطة بالمرحلة المقبلة.
عيسى بات، بحسب متابعين، أشبه بـ“مايسترو” الحركة الأميركية في بيروت: يتابع التفاصيل، ينقل المعطيات مباشرة إلى واشنطن، ويتحرك بين المؤسسات والمسؤولين وفق الأولويات الأميركية.
ويبقى ملف سلاح حزب الله في صدارة هذه الأولويات. إلا أن ثمة فارقاً في المقاربة بين واشنطن وتل أبيب: الأميركي يريد الوصول إلى الهدف مع الحفاظ قدر الإمكان على الاستقرار الداخلي ومنع انفجار لبنان، فيما يبدو الإسرائيلي أكثر استعداداً لاستخدام التصعيد العسكري كوسيلة لفرض الوقائع وتسريع النتائج.
لبنان بين ساعتين: ساعة التفاوض وساعة الميدان
وهكذا، يبدو لبنان عالقاً بين ساعتين لا تسيران بالإيقاع نفسه: ساعة دبلوماسية بطيئة، وساعة ميدانية إسرائيلية سريعة وارتباط بشكل أو بآخر بمسار إيران- أميركا الثابت في مكانه دون إحراز أي تقدم.
عون يتمسك بالتفاوض لأنه لا يرى بديلاً أقل كلفة، فيما ينتظر حزب الله ما ستؤول إليه الضغوط قبل أن يقرر حجم انخراطه في التسوية. أما إسرائيل فتستفيد من الوقت لتعديل الوقائع على الأرض، بينما تحاول واشنطن منع الانفجار الكبير من دون التخلي عن هدفها الأساسي المتعلق بسلاح الحزب.
وبين بعبدا وحارة حريك، وبين بيروت وروما وواشنطن وتل أبيب، يبقى السؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة: هل تنجح الضغوط في إنتاج تفاهم لبناني داخلي يعيد فتح الطريق إلى روما، أم أن الميدان سيسبق الدبلوماسية ويفرض على الجميع اتفاقاً بشروط مختلفة؟
حتى ذلك الحين، قد تكون الدبلوماسية في عطلة شبه صيفية… أما الجنوب، فلا عطلة فيه.
واشنطن تحاذر انفجار لبنان: تفاهم داخلي يفتح الطريق إلى روما؟

دخل لبنان في ما يشبه العطلة الصيفية على المستوى الدبلوماسي، لكن الجنوب لا يعرف عطلة ولا هدوءاً. هناك يستمر النزف، وتبقى كل الاحتمالات مفتوحة: من استمرار الاستنزاف على الوتيرة نفسها، إلى الانزلاق نحو تصعيد أوسع قد يمتد، وفق تقديرات سياسية، حتى تشرين الأول، موعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي.
وفي قلب هذا المشهد، يجد رئيس الجمهورية جوزاف عون نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: خطر حرب لا يمكن استبعاده، ومسار دبلوماسي يتمسّك به رغم أنه لم ينتج حتى الساعة اختراقاً فعلياً.
فالمعادلة الإسرائيلية تبدو واضحة: لا تسوية مستدامة قبل معالجة سلاح حزب الله والتقدم بالمناطق النموذجية بحسب ما أفادت أميركا الجهات الرسمية بحسب مصادر “المدن”. وتعتبر تل أبيب، بدعم أميركي، أن الوصول إلى هذا الهدف لا يمكن أن يتم بالضغط العسكري وحده، بل يحتاج إلى مسار داخلي لبناني تكون فيه مؤسسات الدولة شريكاً أساسياً. ومن هنا، يتضاعف الضغط على العهد الذي اختار منذ البداية الرهان على التفاوض، لكنه يقف اليوم أمام هامش حركة يضيق أكثر فأكثر مع استمرار الضربات الإسرائيلية وعجز المساعي الدبلوماسية عن وقفها.
عون أمام موازين قوى جديدة
لا تنفصل هذه الضغوط عن التحولات التي أصابت موازين القوى في الداخل اللبناني والمنطقة. ويشير مصدر سياسي مطلع لـ”المدن” إلى أن هذه التحولات بدأت تفرض وقائع سياسية جديدة في لبنان، مستشهداً بإقرار قانون العفو العام كأحد المؤشرات على تبدل التوازنات وطريقة مقاربة الملفات الداخلية.
لكن رغم كل ما تبدّل، يبقى حزب الله حاضراً كقوة عسكرية وسياسية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مقبلة. والمفارقة أن الحزب، المعني مباشرة بجوهر المفاوضات الدائرة حول الجنوب ومستقبل السلاح والترتيبات الأمنية، يكاد يكون خارج دائرة التواصل المرتبطة بمسار روما والاتفاقات التي يجري العمل عليها.
قطيعة بين بعبدا وحارة حريك
العلاقة بين بعبدا وحارة حريك تعكس حجم الأزمة. فلا تواصل مباشراً بين رئيس الجمهورية وحزب الله، فيما تراجعت أيضاً قنوات الاتصال عبر المستشارين إلى حد شبه القطيعة.
وتنطلق مقاربة الحزب، وفق مصادر مطلعة، من أن لا جدوى من إعادة فتح قنوات التواصل طالما أن رئيس الجمهورية مستمر في المسار نفسه، والذي تعتبر حارة حريك أنه تجاوز حدود بعض التفاهمات الداخلية السابقة، ولا سيما في ما يتعلق بمقاربة ملف السلاح والتفاوض مع إسرائيل.
وسط هذه القطيعة، يحاول المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير مرة جديدة لعب دور الوسيط، بحسب معلومات “المدن” من خلال إعادة وصل ما انقطع وفتح قنوات غير مباشرة بين الحزب وعون عبر المستشارين. إلا أن هذه المحاولات لا تزال في إطار المساعي ولم تصل بعد إلى مستوى إعادة بناء التواصل السياسي.
في المقابل، لا يبدو عون مستعداً للتراجع عن خياره. فمقاربته تقوم على سؤال يكرره أمام المعترضين: “أعطوني خياراً آخر غير التفاوض قادرين نمشي فيه”. بالنسبة إليه، لا بديل عن المسار الدبلوماسي، فيما كلفة المواجهة المفتوحة قد تكون أكبر بكثير من قدرة لبنان على الاحتمال.
وهنا، تعتبر مصادر سياسية أن الكرة انتقلت إلى ملعب حزب الله: هل يعيد النظر في مقاربته ويفتح نافذة جديدة باتجاه بعبدا، ربما عبر مستشار الرئيس أندريه رحال، في ظل الفتور الكبير الذي يطبع علاقة الحزب بالمستشار جان عزيز؟
بعض المؤشرات توحي بأن موقف الحزب بات أكثر مرونة مما كان عليه سابقاً، من دون أن يعني ذلك قبولاً بالشروط المطروحة. وقد يعود الحزب إلى طرحه المتعلق بوضع استراتيجية للأمن الوطني يتم التفاهم عليها مع رئيس الجمهورية، بما يسمح بمناقشة ملف السلاح ضمن رؤية دفاعية وأمنية أشمل، لا باعتباره بنداً منفصلاً يُفرض تحت الضغط الإسرائيلي.
وهنا يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري في الدائرة الرمادية اذ بدا واضحاً ان موقف بري يتمايز عن الحزب لجهة رفضه إسناد أي جهة ورغبته بأن يبدأ الحزب مساراً داخلياً يقضي بتسليم سلاحه. لكن بري يعلم أن ذلك لن يتحقق دون ضمانات أميركية غير متوافرة الآن. ويأتي موقف بري من منطلق بعض الرسائل العربية التي وصلته لناحية ضمان السلم الأهلي وحقوق الطائفة الشيعية والمساعدة في إعمار الجنوب. لكن هذا التمايز لا يعني أي خلاف طالماً أن بري والحزب يعلمان أن اتحادهم في هذه المرحلة ضروري لاجتياز كل المخاطر المحيطة بلبنان والمنطقة.
روما 3… جولة معلّقة بشروط إسرائيل
في موازاة العقدة الداخلية، تبدو الجولة الثالثة من مفاوضات روما بعيدة نسبياً.
إسرائيل تربط الانتقال إلى جلسة جديدة بتحقيق تقدم ملموس في تطبيق اتفاق الإطار، وفي مقدم ذلك ملف سلاح حزب الله والتقدم داخل ما يعرف بـ”المناطق النموذجية”. في المقابل، برزت داخل لبنان أصوات ترى أن لا مصلحة في الذهاب إلى جولة جديدة طالما أن إسرائيل نفسها لا تلتزم بما هو مطلوب منها وتواصل عملياتها العسكرية.
إلا أن معلومات “المدن” تشير إلى أن لبنان سيذهب إلى روما متى تحدد موعد الجولة، مهما كانت التحفظات، ولو أن الرئيس عون وفريقه يحاولون الإيحاء بغير ذلك. فالسلطة اللبنانية تدرك أنها لا تملك ترف إغلاق الباب الدبلوماسي، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية المتصاعدة وحقيقة أن لبنان يدخل أي مواجهة جديدة من موقع أضعف.
واشنطن، وفق هذه المقاربة، تدفع باتجاه إبقاء كل الخيارات التفاوضية مفتوحة، انطلاقاً من أن استمرار الجمود لا يصب في مصلحة لبنان.
لكن المشكلة أن الظروف الميدانية لا تساعد على إنضاج “روما 3”. فإسرائيل تواصل تحقيق أهدافها في الجنوب، فيما يجد الجيش اللبناني نفسه أمام مهمة أكثر تعقيداً مع اتساع رقعة الاعتداءات واستمرار العمليات العسكرية، ما يحد من قدرته على تحقيق التقدم الذي تطالب به الأطراف الخارجية في المناطق التجريبية.
ماذا بقي من اليونيفيل والقرار 1701؟
العقدة الأكثر حساسية تتصل بآلية التحقق ومن يملك حق الإشراف على تنفيذ أي اتفاق جديد. مصادر دبلوماسية تذهب إلى حد القول لـ”المدن” إن النظرة الأميركية والإسرائيلية إلى دور اليونيفيل تغيّرت جذرياً، وإن الحرب الأخيرة أضعفت عملياً الرهان على الصيغة التقليدية التي حكمت الجنوب منذ عام 2006.
وبحسب هذه القراءة، فإن حرب الستين يوماً لم تهز فقط دور اليونيفيل، بل طرحت أسئلة فعلية حول قدرة القرار 1701، بصيغته وآلياته السابقة، على إدارة المرحلة الجديدة. لذلك انتقل النقاش من سؤال “كيف نعيد تفعيل الآليات القديمة؟” إلى سؤال أكثر حساسية: من سيدير أمن الجنوب ويراقب تنفيذ أي اتفاق جديد؟
الولايات المتحدة لا تبدو في وارد إرسال قوات أميركية إلى الجنوب، خصوصاً أنها لا تريد تعريض جنودها للخطر في منطقة لا يزال حزب الله موجوداً فيها. وفي المقابل، تحاول إسرائيل منذ بداية المفاوضات تثبيت دور لها في مراقبة التنفيذ والتحقق منه.
وهنا يظهر خط أحمر لبناني واضح: لا قبول بإعطاء إسرائيل حق الإشراف المباشر على الأراضي اللبنانية أو التحقق بنفسها من تنفيذ الالتزامات.
وهذا الملف كان من بين المواضيع التي ناقشها الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، مع المسؤولين اللبنانيين، خلال زيارته التي تمتد لأيام وتشمل ملفات أخرى، من بينها الأسرى والحدود والترتيبات الميدانية.
لكن بالنسبة إلى إسرائيل، يبقى الاختبار الأساسي في مكان آخر: المناطق التجريبية ومدى قدرة الدولة اللبنانية على تحقيق تقدم فعلي فيها.
واشنطن وسلاح الحزب… الضغط من الداخل أيضاً
وبالتوازي مع المسار العسكري والتفاوضي، تتوسع الحركة الأميركية داخل لبنان، بما يعكس أن واشنطن لا تنظر إلى ملف سلاح حزب الله باعتباره قضية عسكرية فقط، بل لكونه ملفاً سياسياً وأمنياً ومؤسساتياً متكاملاً.
وفي هذا السياق، تُقرأ الحركة المكثفة للسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، ومن ضمنها زيارته إلى قصر العدل، باعتبارها جزءاً من متابعة أميركية دقيقة للملفات الداخلية اللبنانية المرتبطة بالمرحلة المقبلة.
عيسى بات، بحسب متابعين، أشبه بـ“مايسترو” الحركة الأميركية في بيروت: يتابع التفاصيل، ينقل المعطيات مباشرة إلى واشنطن، ويتحرك بين المؤسسات والمسؤولين وفق الأولويات الأميركية.
ويبقى ملف سلاح حزب الله في صدارة هذه الأولويات. إلا أن ثمة فارقاً في المقاربة بين واشنطن وتل أبيب: الأميركي يريد الوصول إلى الهدف مع الحفاظ قدر الإمكان على الاستقرار الداخلي ومنع انفجار لبنان، فيما يبدو الإسرائيلي أكثر استعداداً لاستخدام التصعيد العسكري كوسيلة لفرض الوقائع وتسريع النتائج.
لبنان بين ساعتين: ساعة التفاوض وساعة الميدان
وهكذا، يبدو لبنان عالقاً بين ساعتين لا تسيران بالإيقاع نفسه: ساعة دبلوماسية بطيئة، وساعة ميدانية إسرائيلية سريعة وارتباط بشكل أو بآخر بمسار إيران- أميركا الثابت في مكانه دون إحراز أي تقدم.
عون يتمسك بالتفاوض لأنه لا يرى بديلاً أقل كلفة، فيما ينتظر حزب الله ما ستؤول إليه الضغوط قبل أن يقرر حجم انخراطه في التسوية. أما إسرائيل فتستفيد من الوقت لتعديل الوقائع على الأرض، بينما تحاول واشنطن منع الانفجار الكبير من دون التخلي عن هدفها الأساسي المتعلق بسلاح الحزب.
وبين بعبدا وحارة حريك، وبين بيروت وروما وواشنطن وتل أبيب، يبقى السؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة: هل تنجح الضغوط في إنتاج تفاهم لبناني داخلي يعيد فتح الطريق إلى روما، أم أن الميدان سيسبق الدبلوماسية ويفرض على الجميع اتفاقاً بشروط مختلفة؟
حتى ذلك الحين، قد تكون الدبلوماسية في عطلة شبه صيفية… أما الجنوب، فلا عطلة فيه.










