أما آن لنا أن نستفيق؟

الكاتب: عباس هدلا | المصدر: نداء الوطن
14 آب 2026

في 10 كانون الثاني 2001، غيّب الموت الرئيس الثاني للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، عن 65 عامًا، إثر صراع مع مرض عضال. وبذلك، فقد لبنان والشيعة في لبنان عالمًا مجتهدًا، كان حريصًا كل الحرص على أبنائه، وساعيًا بشكل دائم إلى تجنيب أبناء الطائفة الشيعية في لبنان ويلات الأزمات والنكبات، والحفاظ على دورهم فيه، ومجسّدًا المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ساحة تلاقٍ بين اللبنانيين، ومنبرًا للحوار بين مختلف الأطياف والمشارب، للحفاظ على المصلحة الوطنية اللبنانية العليا، مصلحة اللبنانيين جميعًا من دون استثناء.

الشيخ شمس الدين في المجلس الشيعي:

في العام 1975، وبعد تمديد ولاية رئيسه السيد موسى الصدر حتى بلوغ الـ65 من العمر، انتخب المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين نائبًا للرئيس، وقاد الشيخ محمد مهدي شمس الدين بكل اقتدار الطائفة الشيعية على مدى أكثر من عشرين عامًا بعد اخفاء السيد موسى الصدر من قبل نظام القذافي في مطلع أيلول 1978، حتى وفاته في كانون الثاني 2001، محاولا حمايتها من الارتهان للمشاريع الخارجية.

اتسمت مسيرة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بالعقلانية والموضوعية والحكمة، والسعي الدائم إلى التلاقي والحوار، وكانت مسيرته الدينية والدنيوية منصبة على الاهتمام بشؤون وشجون من كان عليهم وصيًّا، أي أبناء الطائفة الشيعية في لبنان، وحرصه الدائم على الحفاظ عليهم وعدم السماح بجرّهم إلى مغامرات وسياسات تودي بهم إلى الهلاك والنكبات. وإذا كان المرجع الشيخ محمد مهدي شمس الدين تخطى الحدود اللبنانية بمقلديه ومورديه، فإنه لم يضيّع البوصلة أبدًا في توجيهه اللبنانيين الشيعة إلى الالتزام بالكيان اللبناني كالتزام أخلاقي وطني ومصلحة لهم لدرء الخطر والمهالك عنهم.

المقاومة المدنية الشاملة 

كان الشيخ شمس الدين أول من أطلق المقاومة المدنية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، وأكد لبنانيتها ووطنيتها وعدم ارتهانها لأي محور يتعدّى الأرض اللبنانية، واعتبر أن المقاومة لا تكون فقط بالسلاح، بل إن الحراك الشعبي والموقف والكلمة يمكن أن تكون أنجع وأنجح في كثير من المراحل والأوقات. كما أصدر نشرة “القرار” المتحدثة باسم المقاومة المدنية الشاملة، تحت مبدأ واحد هو الخيار الوطني اللبناني دون سواه.

الشيخ محمد مهدي شمس الدين في رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

بعد أن أضحى السيد موسى الصدر رئيسًا مؤسِّسًا مدى الحياة، دعت دوائر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أعضاء هيئته العامة إلى انتخاب رئيس ونائب له. وفي 18 آذار 1994، انتُخب الشيخ محمد مهدي شمس الدين بالإجماع رئيسًا، والمفتي الشيخ عبد الأمير قبلان نائبًا أول له. حافظ الشيخ شمس الدين على استقلالية المجلس، ولم يسمح لأحد بمصادرة القرار الحر والجامع للمجلس، فكانت سياسة المجلس خلال ولايته سياسة وطنية لبنانية صِرفة، ولم يتبنَّ المجلس خلال ولايته أي موقف يتعارض مع الوحدة الوطنية أو يقارب أي موضوع من منظور طائفي أو مذهبي ضيّق.

واجه الشيخ شمس الدين مشروع تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية ومشروع دولة الإسلام المركزية بالكلمة والحجة، من دون أن يسمح لهذا المشروع وللانتهازيين بالتغلغل في المؤسسة الشيعية الدينية الرسمية، وحافظ عليها كمرجع جامع لكل اللبنانيين الشيعة، ومنبر للرؤية الوطنية اللبنانية دون سواها، فكانت مؤسسات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، في عهد الشيخ محمد مهدي شمس الدين، لكل أبناء الطائفة من دون تمييز.

ولاية الأمة على نفسها: الخلاص بيدكم

إضافة إلى مسيرته في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، كان الدور الفقهي والديني للشيخ المجتهد محمد مهدي شمس الدين أساسيًا ومحوريًا، ولم تكن فتواه “ولاية الأمة على نفسها”، في أيام ازدهار وانتشار “ولاية الفقيه المطلقة” من خلال مشروع تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية ومشروع الدولة الإسلامية المركزية، إلا فعلا شجاعًا وحرصًا شديدًا على مصلحة الأمة، من دون الخوف من لومة لائم. فالشيخ شمس الدين جاهر علنًا برفضه لـ”ولاية الفقيه المطلقة”، واعتبر أنها لا تملك سندًا فقهيًا وكلاميًا معتبرًا لإثباتها، بل تقوم على اعتبارات سياسية.

وبرأي الشيخ شمس الدين، أن الأمة لها الولاية على نفسها تحت سقف الشريعة الإسلامية التي أوكلت أمرها لها، وهي أي الأمة، التي تدير أمورها السياسية، وتختار في نطاق وحدة الأمة شكل نظامها السياسي الذي يناسبها، ويحاكي واقعها الخاص الزماني والمكاني “على أساس الشورى”.

وصايا الإمام: لبنان وطننا، التزموا به

في آخر أيامه، وقبل وفاته، قام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بمساعدة ابنه إبراهيم، بتسجيل مجموعة من الأحاديث على شكل وصايا تركها الشيخ لأبناء الطائفة الشيعية، ولمقلّديه في العالم، وللبنانيين، ذخيرةً ورؤيةً ودرعًا لمواجهة التقلبات السياسية والأزمات التي يمكن أن تطرأ في هذا العالم المتقلب. ولعلّه كان مدركًا لما ستحمله الأيام من مشاريع ومغامرات ومحاور وسياسات للبنانيين الشيعة، فسعى قبل وفاته إلى تقديم إرشادات نُصحية وذخائر فكرية لأبنائه الذين كان شديد الحرص عليهم، تقيهم الأفكار والأيديولوجيات والسياسات التي يتم إسقاطها عليهم وتلبيسها لبوس الإلزام والدين.

كان لبنان، في مرحلة كتابة الوصايا، يمرّ بأحداث مفصلية، من زيارة المصالحة في الجبل إلى بيان المطارنة الموارنة في أيلول 2000، فكانت هذه الوصايا مكمّلة لهذا المسار الذي بدأ منه تحرير لبنان من كل الوصايات والتطلّع إلى المصلحة الوطنية العليا، وكانت النداء الإسلامي الشيعي لحماية الوطن الذي احتضن الطائفة الشيعية وأعطاها حقوقها، وكانت التزامًا من أكبر سلطة دينية شيعية في لبنان بالحفاظ على هذا الوطن وعلى وحدته وكيانه، ومن بعد هذه الوصايا ينتهي الكلام.

إن ما تعرّض له أهالي الجنوب ولبنان من نكبات ودمار وخراب وتهجير، بسبب سياسات المحاور الإقليمية والمغامرات العسكرية التي سلكها مشروع تصدير الثورة الإسلامية في لبنان، المتمثّل بـ”حزب الله”، يوجب إعادة التمعّن في وصايا الشيخ محمد مهدي شمس الدين ونهجه وأفكاره، ويوجب إعادة السير في الاتجاهات الوطنية والإنسانية التي رسمها. فهل سيستفيق اللبنانيون الشيعة ويسيرون في درب الخلاص، أم أنه قد فات الأوان؟

من تشييع الشيخ محمد مهدي شمس الدين

أما آن لنا أن نستفيق؟

الكاتب: عباس هدلا | المصدر: نداء الوطن
14 آب 2026

في 10 كانون الثاني 2001، غيّب الموت الرئيس الثاني للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، عن 65 عامًا، إثر صراع مع مرض عضال. وبذلك، فقد لبنان والشيعة في لبنان عالمًا مجتهدًا، كان حريصًا كل الحرص على أبنائه، وساعيًا بشكل دائم إلى تجنيب أبناء الطائفة الشيعية في لبنان ويلات الأزمات والنكبات، والحفاظ على دورهم فيه، ومجسّدًا المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ساحة تلاقٍ بين اللبنانيين، ومنبرًا للحوار بين مختلف الأطياف والمشارب، للحفاظ على المصلحة الوطنية اللبنانية العليا، مصلحة اللبنانيين جميعًا من دون استثناء.

الشيخ شمس الدين في المجلس الشيعي:

في العام 1975، وبعد تمديد ولاية رئيسه السيد موسى الصدر حتى بلوغ الـ65 من العمر، انتخب المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين نائبًا للرئيس، وقاد الشيخ محمد مهدي شمس الدين بكل اقتدار الطائفة الشيعية على مدى أكثر من عشرين عامًا بعد اخفاء السيد موسى الصدر من قبل نظام القذافي في مطلع أيلول 1978، حتى وفاته في كانون الثاني 2001، محاولا حمايتها من الارتهان للمشاريع الخارجية.

اتسمت مسيرة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بالعقلانية والموضوعية والحكمة، والسعي الدائم إلى التلاقي والحوار، وكانت مسيرته الدينية والدنيوية منصبة على الاهتمام بشؤون وشجون من كان عليهم وصيًّا، أي أبناء الطائفة الشيعية في لبنان، وحرصه الدائم على الحفاظ عليهم وعدم السماح بجرّهم إلى مغامرات وسياسات تودي بهم إلى الهلاك والنكبات. وإذا كان المرجع الشيخ محمد مهدي شمس الدين تخطى الحدود اللبنانية بمقلديه ومورديه، فإنه لم يضيّع البوصلة أبدًا في توجيهه اللبنانيين الشيعة إلى الالتزام بالكيان اللبناني كالتزام أخلاقي وطني ومصلحة لهم لدرء الخطر والمهالك عنهم.

المقاومة المدنية الشاملة 

كان الشيخ شمس الدين أول من أطلق المقاومة المدنية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، وأكد لبنانيتها ووطنيتها وعدم ارتهانها لأي محور يتعدّى الأرض اللبنانية، واعتبر أن المقاومة لا تكون فقط بالسلاح، بل إن الحراك الشعبي والموقف والكلمة يمكن أن تكون أنجع وأنجح في كثير من المراحل والأوقات. كما أصدر نشرة “القرار” المتحدثة باسم المقاومة المدنية الشاملة، تحت مبدأ واحد هو الخيار الوطني اللبناني دون سواه.

الشيخ محمد مهدي شمس الدين في رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

بعد أن أضحى السيد موسى الصدر رئيسًا مؤسِّسًا مدى الحياة، دعت دوائر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أعضاء هيئته العامة إلى انتخاب رئيس ونائب له. وفي 18 آذار 1994، انتُخب الشيخ محمد مهدي شمس الدين بالإجماع رئيسًا، والمفتي الشيخ عبد الأمير قبلان نائبًا أول له. حافظ الشيخ شمس الدين على استقلالية المجلس، ولم يسمح لأحد بمصادرة القرار الحر والجامع للمجلس، فكانت سياسة المجلس خلال ولايته سياسة وطنية لبنانية صِرفة، ولم يتبنَّ المجلس خلال ولايته أي موقف يتعارض مع الوحدة الوطنية أو يقارب أي موضوع من منظور طائفي أو مذهبي ضيّق.

واجه الشيخ شمس الدين مشروع تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية ومشروع دولة الإسلام المركزية بالكلمة والحجة، من دون أن يسمح لهذا المشروع وللانتهازيين بالتغلغل في المؤسسة الشيعية الدينية الرسمية، وحافظ عليها كمرجع جامع لكل اللبنانيين الشيعة، ومنبر للرؤية الوطنية اللبنانية دون سواها، فكانت مؤسسات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، في عهد الشيخ محمد مهدي شمس الدين، لكل أبناء الطائفة من دون تمييز.

ولاية الأمة على نفسها: الخلاص بيدكم

إضافة إلى مسيرته في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، كان الدور الفقهي والديني للشيخ المجتهد محمد مهدي شمس الدين أساسيًا ومحوريًا، ولم تكن فتواه “ولاية الأمة على نفسها”، في أيام ازدهار وانتشار “ولاية الفقيه المطلقة” من خلال مشروع تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية ومشروع الدولة الإسلامية المركزية، إلا فعلا شجاعًا وحرصًا شديدًا على مصلحة الأمة، من دون الخوف من لومة لائم. فالشيخ شمس الدين جاهر علنًا برفضه لـ”ولاية الفقيه المطلقة”، واعتبر أنها لا تملك سندًا فقهيًا وكلاميًا معتبرًا لإثباتها، بل تقوم على اعتبارات سياسية.

وبرأي الشيخ شمس الدين، أن الأمة لها الولاية على نفسها تحت سقف الشريعة الإسلامية التي أوكلت أمرها لها، وهي أي الأمة، التي تدير أمورها السياسية، وتختار في نطاق وحدة الأمة شكل نظامها السياسي الذي يناسبها، ويحاكي واقعها الخاص الزماني والمكاني “على أساس الشورى”.

وصايا الإمام: لبنان وطننا، التزموا به

في آخر أيامه، وقبل وفاته، قام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بمساعدة ابنه إبراهيم، بتسجيل مجموعة من الأحاديث على شكل وصايا تركها الشيخ لأبناء الطائفة الشيعية، ولمقلّديه في العالم، وللبنانيين، ذخيرةً ورؤيةً ودرعًا لمواجهة التقلبات السياسية والأزمات التي يمكن أن تطرأ في هذا العالم المتقلب. ولعلّه كان مدركًا لما ستحمله الأيام من مشاريع ومغامرات ومحاور وسياسات للبنانيين الشيعة، فسعى قبل وفاته إلى تقديم إرشادات نُصحية وذخائر فكرية لأبنائه الذين كان شديد الحرص عليهم، تقيهم الأفكار والأيديولوجيات والسياسات التي يتم إسقاطها عليهم وتلبيسها لبوس الإلزام والدين.

كان لبنان، في مرحلة كتابة الوصايا، يمرّ بأحداث مفصلية، من زيارة المصالحة في الجبل إلى بيان المطارنة الموارنة في أيلول 2000، فكانت هذه الوصايا مكمّلة لهذا المسار الذي بدأ منه تحرير لبنان من كل الوصايات والتطلّع إلى المصلحة الوطنية العليا، وكانت النداء الإسلامي الشيعي لحماية الوطن الذي احتضن الطائفة الشيعية وأعطاها حقوقها، وكانت التزامًا من أكبر سلطة دينية شيعية في لبنان بالحفاظ على هذا الوطن وعلى وحدته وكيانه، ومن بعد هذه الوصايا ينتهي الكلام.

إن ما تعرّض له أهالي الجنوب ولبنان من نكبات ودمار وخراب وتهجير، بسبب سياسات المحاور الإقليمية والمغامرات العسكرية التي سلكها مشروع تصدير الثورة الإسلامية في لبنان، المتمثّل بـ”حزب الله”، يوجب إعادة التمعّن في وصايا الشيخ محمد مهدي شمس الدين ونهجه وأفكاره، ويوجب إعادة السير في الاتجاهات الوطنية والإنسانية التي رسمها. فهل سيستفيق اللبنانيون الشيعة ويسيرون في درب الخلاص، أم أنه قد فات الأوان؟

من تشييع الشيخ محمد مهدي شمس الدين

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار