“الحزب”… حين يتحوّل السلاح إلى ذريعة لبقاء الاحتلال

الكاتب: العميد جوني خلف | المصدر: نداء الوطن
14 آب 2026

في اللحظة التي يفتح فيها لبنان نافذة نادرة على مسار تفاوضي قد يقوده إلى وقف دائم للقتال، وانسحاب إسرائيلي من أراضيه، واستعادة الدولة سيادتها الكاملة، يبدو أن “حزب الله” مصرّ على إبقاء هذه النافذة موصدة.

المسألة لم تعد مجرد خلاف سياسي داخلي حول سلاح المقاومة، ولا مجرد اختلاف في تفسير الأولويات الوطنية. نحن أمام معادلة أكثر خطورة ،كلما تعثّر مسار الدولة، طال أمد الواقع العسكري في الجنوب، وكلما بقي السلاح خارج سلطة الدولة، بقيت لإسرائيل حجة أمنية للاستمرار في احتلال مواقع لبنانية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالاتفاق الإطاري الذي أُعلن في واشنطن في 26 حزيران 2026 قام على معادلة واضحة: انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، معالجة ملف سلاح “حزب الله”، وفي المقابل انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية. وقد بدأ تنفيذ هذه المعادلة عبر ما سُمّي “المناطق التجريبية” أو Pilot Zones، التي يفترض أن تكون اختبارًا عمليًا لقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها. وقد رحّبت الأمم المتحدة بهذه الخطوة، معتبرة إطلاق المناطق التجريبية تقدمًا ملموسًا في تنفيذ الإطار والقرار 1701.

لكن المشكلة أن هذه المعادلة تحتاج إلى طرف لبناني واحد يمسك بقرار السلاح والأمن، لا إلى قوة عسكرية موازية ترفض الانخراط في ترتيبات الدولة.

وقد بدأت وحدات الجيش اللبناني بالفعل الانتشار في مناطق جنوبية ضمن هذا المسار، فيما كانت الفكرة الأساسية أن يؤدي نجاح الجيش في هذه المناطق إلى توسيع نطاق الانسحاب الإسرائيلي تدريجيًا.

هنا تحديدًا يظهر التعقيد الذي يصنعه موقف “حزب الله”. فالأخير يرفض تسليم سلاحه، ويرفض التعامل مع ملف السلاح باعتباره قرارًا حصريًا للدولة، ويضع شروطًا سياسية وأمنية مرتبطة أولا بالانسحاب الإسرائيلي. وفي المقابل، تقول إسرائيل إن انسحابها مرتبط بالتأكد من أن “حزب الله” لن يعود إلى النشاط العسكري في المناطق التي تنسحب منها.

أي أننا أمام حلقة مفرغة:

إسرائيل تقول: لا انسحاب كاملا من دون ضمانات أمنية ونزع سلاح حزب الله.

و”حزب الله” يقول عمليا: لا بحث جديًا في السلاح قبل انتهاء الاحتلال والتهديد الإسرائيلي.

والدولة اللبنانية تجد نفسها بين الطرفين، فيما الجيش اللبناني مطالب بإثبات قدرته في السيطرة على الأرض.

وهذا هو أخطر ما في المعادلة. لأن استمرارها يعني أن كل طرف يستطيع استخدام رفض الطرف الآخر ذريعة للاستمرار في موقفه.

وفي جولة روما الأخيرة، التي اختتمت في 6 آب بعد ثلاثة أيام من المفاوضات، لم يحصل الاختراق المنتظر. بقيت قضية الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح “حزب الله” في صلب الخلاف، كما بقيت علامات الاستفهام حول آلية مراقبة المناطق النموذجية وحدودها وآلية التحقق من تنفيذ الالتزامات.

والأخطر أن إسرائيل بدأت تربط الانسحاب من مناطق إضافية بقدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرة كاملة عليها، الأمر الذي يجعل نجاح الجيش في المناطق التجريبية شرطًا عمليًا لتوسيع الانسحاب.

هنا يجب التوقف عند نقطة جوهرية: هل يدرك “حزب الله” أن رفضه التعاون مع الدولة لا يضعف إسرائيل، بل قد يمنحها مبررًا إضافيًا للبقاء؟

السؤال ليس افتراضيًا. فطالما أن إسرائيل تستطيع القول إن هناك سلاحًا غير شرعي أو بنية عسكرية خارج سلطة الدولة في الجنوب، فإنها تستطيع تقديم وجودها العسكري باعتباره إجراءً دفاعيًا وأمنيًا، لا احتلالا دائمًا. وفي المقابل، كل يوم يبقى فيه الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية يتيح لـ”حزب الله” إعادة إنتاج خطاب “المقاومة” وتبرير استمرار السلاح.

وهكذا يصبح الطرفان، عن قصد أو من دونه، أسرى المعادلة نفسها.

إسرائيل تحتاج إلى مبرر أمني، و”حزب الله” يحتاج إلى استمرار التهديد الإسرائيلي لتبرير استمرار السلاح. والخاسر في الحالتين هو الدولة اللبنانية.

اما الجيش اللبناني، فهو يجد نفسه أمام معادلة غير عادلة، يُطلب منه أن يثبت قدرته على بسط سلطة الدولة، فيما لا يملك وحده القرار الأمني الكامل في كل المناطق التي يفترض أن ينتشر فيها.

وهنا أيضًا يجب رفض تعميم اتهامات من نوع أن “الجيش اللبناني متعاون مع حزب الله” كحقيقة مطلقة. الجيش مؤسسة وطنية، ومهمته تنفيذ قرارات السلطة الشرعية. لكن مجرد وجود شكوك إسرائيلية أو اتهامات من هذا النوع يكشف حجم الضرر الذي يلحقه السلاح الموازي بصورة الدولة وبالثقة الدولية بالجيش. وقد ظهرت بالفعل في الخطاب الإسرائيلي تحذيرات من استمرار نشاط “حزب الله” في المناطق التي يفترض أن تكون تحت سلطة الجيش.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الجيش و”حزب الله”، ولا بين لبنان وإسرائيل فقط. إنها معركة من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان.

فإذا كان القرار للدولة، يصبح الجيش المرجعية الوحيدة على الأرض، وتصبح مهمة المجتمع الدولي مساعدة لبنان على استعادة سيادته، وتصبح مطالبة إسرائيل بالانسحاب أكثر قوة ووضوحًا.

أما إذا بقي القرار موزعًا بين الدولة وتنظيم مسلح، فإن لبنان سيبقى عاجزًا عن تقديم الضمانات التي يطلبها المجتمع الدولي، وستبقى إسرائيل قادرة على التذرع بالتهديد الأمني لتأجيل الانسحاب.

وهنا المفارقة التي يجب أن تُقال بوضوح:

من يرفض تسليم السلاح للدولة بحجة حماية لبنان، قد يكون عمليًا يساهم في إبقاء الأرض اللبنانية تحت الاحتلال.

ومن يرفض التفاوض بحجة السيادة، قد يكون عملياً يمنع الدولة من استعادة سيادتها.

ومن يرفض المناطق التجريبية بحجة أنها مؤامرة، قد يكون يرفض الاختبار الوحيد القادر على إثبات أن الجيش اللبناني يستطيع أن يحمي الأرض ويمنع عودة أي قوة مسلحة إليها.

إن نجاح المناطق التجريبية ليس انتصاراً لإسرائيل ولا للولايات المتحدة ولا لأي طرف خارجي. إذا أُديرت وفق السيادة اللبنانية، فهي اختبار للدولة اللبنانية نفسها.

فالجيش اللبناني عندما ينتشر، لا ينتشر نيابة عن إسرائيل، بل نيابة عن لبنان.

وعندما تحتكر الدولة السلاح، لا تنزع قوة لبنان، بل تستعيد القرار الذي لا يمكن أن يكون موزعًا بين مؤسسات رسمية وتنظيمات عسكرية.

أما السلام، فلا يُبنى على معادلة “لا سلاح قبل الانسحاب” ولا على معادلة “لا انسحاب قبل السلاح” إلى ما لا نهاية.

السلام يحتاج إلى مسار متزامن: الدولة تبسط سلطتها، الجيش ينتشر، السلاح ينتقل إلى كنف الشرعية، وإسرائيل تنسحب من الأراضي اللبنانية وفق آلية واضحة ومضمونة وقابلة للتحقق.

هذه هي المعادلة التي تستطيع أن تخرج لبنان من الحلقة المفرغة.

أما إبقاء السلاح خارج الدولة، ورفض الحوار معها، وتعطيل اختبار قدرتها على الانتشار، فلن يؤدي إلى تحرير الأرض. قد يؤدي فقط إلى شيء آخر ،إبقاء الاحتلال ذريعة، والسلاح ذريعة، والحرب احتمالاً، والدولة رهينة.

ولبنان لم يعد يحتمل أن يبقى رهينة هذه المعادلة.

“الحزب”… حين يتحوّل السلاح إلى ذريعة لبقاء الاحتلال

الكاتب: العميد جوني خلف | المصدر: نداء الوطن
14 آب 2026

في اللحظة التي يفتح فيها لبنان نافذة نادرة على مسار تفاوضي قد يقوده إلى وقف دائم للقتال، وانسحاب إسرائيلي من أراضيه، واستعادة الدولة سيادتها الكاملة، يبدو أن “حزب الله” مصرّ على إبقاء هذه النافذة موصدة.

المسألة لم تعد مجرد خلاف سياسي داخلي حول سلاح المقاومة، ولا مجرد اختلاف في تفسير الأولويات الوطنية. نحن أمام معادلة أكثر خطورة ،كلما تعثّر مسار الدولة، طال أمد الواقع العسكري في الجنوب، وكلما بقي السلاح خارج سلطة الدولة، بقيت لإسرائيل حجة أمنية للاستمرار في احتلال مواقع لبنانية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالاتفاق الإطاري الذي أُعلن في واشنطن في 26 حزيران 2026 قام على معادلة واضحة: انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، معالجة ملف سلاح “حزب الله”، وفي المقابل انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية. وقد بدأ تنفيذ هذه المعادلة عبر ما سُمّي “المناطق التجريبية” أو Pilot Zones، التي يفترض أن تكون اختبارًا عمليًا لقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها. وقد رحّبت الأمم المتحدة بهذه الخطوة، معتبرة إطلاق المناطق التجريبية تقدمًا ملموسًا في تنفيذ الإطار والقرار 1701.

لكن المشكلة أن هذه المعادلة تحتاج إلى طرف لبناني واحد يمسك بقرار السلاح والأمن، لا إلى قوة عسكرية موازية ترفض الانخراط في ترتيبات الدولة.

وقد بدأت وحدات الجيش اللبناني بالفعل الانتشار في مناطق جنوبية ضمن هذا المسار، فيما كانت الفكرة الأساسية أن يؤدي نجاح الجيش في هذه المناطق إلى توسيع نطاق الانسحاب الإسرائيلي تدريجيًا.

هنا تحديدًا يظهر التعقيد الذي يصنعه موقف “حزب الله”. فالأخير يرفض تسليم سلاحه، ويرفض التعامل مع ملف السلاح باعتباره قرارًا حصريًا للدولة، ويضع شروطًا سياسية وأمنية مرتبطة أولا بالانسحاب الإسرائيلي. وفي المقابل، تقول إسرائيل إن انسحابها مرتبط بالتأكد من أن “حزب الله” لن يعود إلى النشاط العسكري في المناطق التي تنسحب منها.

أي أننا أمام حلقة مفرغة:

إسرائيل تقول: لا انسحاب كاملا من دون ضمانات أمنية ونزع سلاح حزب الله.

و”حزب الله” يقول عمليا: لا بحث جديًا في السلاح قبل انتهاء الاحتلال والتهديد الإسرائيلي.

والدولة اللبنانية تجد نفسها بين الطرفين، فيما الجيش اللبناني مطالب بإثبات قدرته في السيطرة على الأرض.

وهذا هو أخطر ما في المعادلة. لأن استمرارها يعني أن كل طرف يستطيع استخدام رفض الطرف الآخر ذريعة للاستمرار في موقفه.

وفي جولة روما الأخيرة، التي اختتمت في 6 آب بعد ثلاثة أيام من المفاوضات، لم يحصل الاختراق المنتظر. بقيت قضية الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح “حزب الله” في صلب الخلاف، كما بقيت علامات الاستفهام حول آلية مراقبة المناطق النموذجية وحدودها وآلية التحقق من تنفيذ الالتزامات.

والأخطر أن إسرائيل بدأت تربط الانسحاب من مناطق إضافية بقدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرة كاملة عليها، الأمر الذي يجعل نجاح الجيش في المناطق التجريبية شرطًا عمليًا لتوسيع الانسحاب.

هنا يجب التوقف عند نقطة جوهرية: هل يدرك “حزب الله” أن رفضه التعاون مع الدولة لا يضعف إسرائيل، بل قد يمنحها مبررًا إضافيًا للبقاء؟

السؤال ليس افتراضيًا. فطالما أن إسرائيل تستطيع القول إن هناك سلاحًا غير شرعي أو بنية عسكرية خارج سلطة الدولة في الجنوب، فإنها تستطيع تقديم وجودها العسكري باعتباره إجراءً دفاعيًا وأمنيًا، لا احتلالا دائمًا. وفي المقابل، كل يوم يبقى فيه الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية يتيح لـ”حزب الله” إعادة إنتاج خطاب “المقاومة” وتبرير استمرار السلاح.

وهكذا يصبح الطرفان، عن قصد أو من دونه، أسرى المعادلة نفسها.

إسرائيل تحتاج إلى مبرر أمني، و”حزب الله” يحتاج إلى استمرار التهديد الإسرائيلي لتبرير استمرار السلاح. والخاسر في الحالتين هو الدولة اللبنانية.

اما الجيش اللبناني، فهو يجد نفسه أمام معادلة غير عادلة، يُطلب منه أن يثبت قدرته على بسط سلطة الدولة، فيما لا يملك وحده القرار الأمني الكامل في كل المناطق التي يفترض أن ينتشر فيها.

وهنا أيضًا يجب رفض تعميم اتهامات من نوع أن “الجيش اللبناني متعاون مع حزب الله” كحقيقة مطلقة. الجيش مؤسسة وطنية، ومهمته تنفيذ قرارات السلطة الشرعية. لكن مجرد وجود شكوك إسرائيلية أو اتهامات من هذا النوع يكشف حجم الضرر الذي يلحقه السلاح الموازي بصورة الدولة وبالثقة الدولية بالجيش. وقد ظهرت بالفعل في الخطاب الإسرائيلي تحذيرات من استمرار نشاط “حزب الله” في المناطق التي يفترض أن تكون تحت سلطة الجيش.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الجيش و”حزب الله”، ولا بين لبنان وإسرائيل فقط. إنها معركة من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان.

فإذا كان القرار للدولة، يصبح الجيش المرجعية الوحيدة على الأرض، وتصبح مهمة المجتمع الدولي مساعدة لبنان على استعادة سيادته، وتصبح مطالبة إسرائيل بالانسحاب أكثر قوة ووضوحًا.

أما إذا بقي القرار موزعًا بين الدولة وتنظيم مسلح، فإن لبنان سيبقى عاجزًا عن تقديم الضمانات التي يطلبها المجتمع الدولي، وستبقى إسرائيل قادرة على التذرع بالتهديد الأمني لتأجيل الانسحاب.

وهنا المفارقة التي يجب أن تُقال بوضوح:

من يرفض تسليم السلاح للدولة بحجة حماية لبنان، قد يكون عمليًا يساهم في إبقاء الأرض اللبنانية تحت الاحتلال.

ومن يرفض التفاوض بحجة السيادة، قد يكون عملياً يمنع الدولة من استعادة سيادتها.

ومن يرفض المناطق التجريبية بحجة أنها مؤامرة، قد يكون يرفض الاختبار الوحيد القادر على إثبات أن الجيش اللبناني يستطيع أن يحمي الأرض ويمنع عودة أي قوة مسلحة إليها.

إن نجاح المناطق التجريبية ليس انتصاراً لإسرائيل ولا للولايات المتحدة ولا لأي طرف خارجي. إذا أُديرت وفق السيادة اللبنانية، فهي اختبار للدولة اللبنانية نفسها.

فالجيش اللبناني عندما ينتشر، لا ينتشر نيابة عن إسرائيل، بل نيابة عن لبنان.

وعندما تحتكر الدولة السلاح، لا تنزع قوة لبنان، بل تستعيد القرار الذي لا يمكن أن يكون موزعًا بين مؤسسات رسمية وتنظيمات عسكرية.

أما السلام، فلا يُبنى على معادلة “لا سلاح قبل الانسحاب” ولا على معادلة “لا انسحاب قبل السلاح” إلى ما لا نهاية.

السلام يحتاج إلى مسار متزامن: الدولة تبسط سلطتها، الجيش ينتشر، السلاح ينتقل إلى كنف الشرعية، وإسرائيل تنسحب من الأراضي اللبنانية وفق آلية واضحة ومضمونة وقابلة للتحقق.

هذه هي المعادلة التي تستطيع أن تخرج لبنان من الحلقة المفرغة.

أما إبقاء السلاح خارج الدولة، ورفض الحوار معها، وتعطيل اختبار قدرتها على الانتشار، فلن يؤدي إلى تحرير الأرض. قد يؤدي فقط إلى شيء آخر ،إبقاء الاحتلال ذريعة، والسلاح ذريعة، والحرب احتمالاً، والدولة رهينة.

ولبنان لم يعد يحتمل أن يبقى رهينة هذه المعادلة.

مزيد من الأخبار