بين “ساحة النجمة” و”تفاهم مار مخايل”… هل فتحت “الضرورة” بابًا جديدًا بين “التيار” و”الحزب”؟

لم يكن انسحاب نواب “التيار الوطني الحر” وكتلة “الوفاء للمقاومة” من الجلسة التشريعية الأخيرة لمجلس النواب مجرد موقف اعتراضي على عدم الإفساح في المجال أمام وزير الدفاع الوطني ميشال منسى لعرض موقف المؤسسة العسكرية. فالخطوة، على رمزيتها، أعادت إلى الواجهة سؤالًا سياسيًا ظل حاضرًا منذ اهتزاز العلاقة بين الطرفين: هل بدأت القنوات التي انقطعت بين “التيار” و“حزب الله” تجد طريقها مجددًا إلى التواصل؟
من المبكر، بطبيعة الحال، الحديث عن إحياء “تفاهم مار مخايل” أو عن عودة التحالف إلى سابق عهده. فالخلافات التي تراكمت خلال السنوات الماضية لم تكن تفصيلية، بل طالت ملفات جوهرية، من الانتخابات الرئاسية إلى مقاربة إدارة الدولة، مرورًا بالنظرة إلى المرحلة التي أعقبت الحرب الأخيرة والتوازنات الداخلية الجديدة.
لكن، في المقابل، لا يمكن التعامل مع ما جرى داخل مجلس النواب على أنه مجرد صدفة عابرة.
فالطرفان اختارا، في لحظة سياسية حساسة، أن يقفا في الخندق نفسه دفاعًا عن حق وزير الدفاع في عرض تقييم المؤسسة العسكرية، في وقت يتصدر فيه الملف الأمني والعسكري جدول الأعمال اللبناني، بالتزامن مع المفاوضات الجارية في روما والضغوطات الدولية لإعادة رسم المشهد الأمني في الجنوب.
وقد يكون هذا الموقف، في أحد وجوهه، رسالة تتجاوز البعد الإجرائي. فالجيش لم يعد مؤسسة عسكرية فحسب، بل أصبح أحد المحاور الأساسية في أي مقاربة دولية للمرحلة المقبلة، وبالتالي فإن أي نقاش يتعلق بدوره أو بصلاحياته يكتسب بعدًا سياسيًا يتجاوز حدود الجلسة التشريعية.
من هنا، رأت أوساط سياسية أن التقاطع بين “التيار” و”حزب الله” قد يعكس بداية مرحلة جديدة من التنسيق الموضعي، تفرضها استحقاقات المرحلة أكثر مما تمليها الرغبة في إعادة إنتاج التحالف القديم.
فالسياسة اللبنانية علّمت الجميع أن الخصومات ليست أبدية، كما أن التحالفات ليست ثابتة. وما يجمع القوى السياسية في محطة معينة قد يختلف كليًا عما يفرقها في محطة أخرى.
غير أن السؤال الأهم يبقى: هل يشكل هذا التقاطع بداية لمسار سياسي جديد، أم أنه مجرد التقاء ظرفي فرضته قضية محددة؟ فالمؤشرات المتوافرة حتى الآن لا تسمح بالجزم بأي من الاحتمالين.
فـ”التيار الوطني الحر” لا يزال يتمسك بخطابه الداعي إلى بناء الدولة وتعزيز دور المؤسسات، بينما يواصل “حزب الله” الدفاع عن خياراته الاستراتيجية في ما يتعلق بسلاحه ودوره الإقليمي. وهذه الملفات هي التي كانت السبب الرئيسي في تراجع العلاقة بين الطرفين، ولم يطرأ عليها، حتى الآن، أي تبدل جوهري.
في المقابل، يبدو أن المرحلة التي يدخلها لبنان قد تدفع الجميع إلى إعادة حساباتهم. فالاستحقاقات المقبلة، من تثبيت التفاهمات الأمنية في الجنوب، إلى النقاش حول مستقبل الاستراتيجية الدفاعية، مرورًا بالإصلاحات السياسية والدستورية، قد تفرض على القوى السياسية البحث عن مساحات مشتركة، ولو بقيت محدودة.
ولا يُستبعد أن يكون ما حصل في مجلس النواب أول مؤشر إلى اعتماد مقاربة جديدة تقوم على الفصل بين الخلافات الاستراتيجية وإمكان التعاون في الملفات التي تلتقي فيها المصالح السياسية أو الدستورية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن صفحة الخلاف قد طُويت.
فالعودة إلى تحالف بحجم “تفاهم مار مخايل” تحتاج إلى أكثر من موقف مشترك داخل جلسة تشريعية. إنها تحتاج إلى إعادة بناء الثقة، وإلى تفاهمات جديدة تأخذ في الاعتبار التحولات التي شهدها لبنان والمنطقة منذ توقيع التفاهم عام 2006، مرورًا بالأزمة الاقتصادية، وانفجار مرفأ بيروت، والاستحقاقات الرئاسية، وصولًا إلى الحرب الأخيرة وتداعياتها.
لذلك، قد يكون الأدق القول إن ما جرى في مجلس النواب لا يؤشر إلى عودة التحالف بقدر ما يكشف عن بداية كسر للجليد، أو عن إدراك متبادل بأن المرحلة المقبلة قد تفرض حوارًا، حتى بين القوى التي تباعدت في السنوات الأخيرة.
إلاّ أنه غالبًا ما تبدأ التحولات الكبرى بإشارة صغيرة. لكن ليس كل تقاطع عابر يتحول إلى تحالف، وليس كل موقف مشترك يؤسس لشراكة سياسية جديدة. لذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل كان الانسحاب المشترك من الجلسة مجرد موقف دفاعًا عن صلاحيات وزير الدفاع، أم أنه كان أول مشهد في إعادة رسم العلاقة بين “التيار الوطني الحر” و”حزب الله”؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لأن السياسة اللبنانية اعتادت أن تُخفي تحولات كبيرة خلف أحداث تبدو، في ظاهرها، مجرد تفاصيل.
بين “ساحة النجمة” و”تفاهم مار مخايل”… هل فتحت “الضرورة” بابًا جديدًا بين “التيار” و”الحزب”؟

لم يكن انسحاب نواب “التيار الوطني الحر” وكتلة “الوفاء للمقاومة” من الجلسة التشريعية الأخيرة لمجلس النواب مجرد موقف اعتراضي على عدم الإفساح في المجال أمام وزير الدفاع الوطني ميشال منسى لعرض موقف المؤسسة العسكرية. فالخطوة، على رمزيتها، أعادت إلى الواجهة سؤالًا سياسيًا ظل حاضرًا منذ اهتزاز العلاقة بين الطرفين: هل بدأت القنوات التي انقطعت بين “التيار” و“حزب الله” تجد طريقها مجددًا إلى التواصل؟
من المبكر، بطبيعة الحال، الحديث عن إحياء “تفاهم مار مخايل” أو عن عودة التحالف إلى سابق عهده. فالخلافات التي تراكمت خلال السنوات الماضية لم تكن تفصيلية، بل طالت ملفات جوهرية، من الانتخابات الرئاسية إلى مقاربة إدارة الدولة، مرورًا بالنظرة إلى المرحلة التي أعقبت الحرب الأخيرة والتوازنات الداخلية الجديدة.
لكن، في المقابل، لا يمكن التعامل مع ما جرى داخل مجلس النواب على أنه مجرد صدفة عابرة.
فالطرفان اختارا، في لحظة سياسية حساسة، أن يقفا في الخندق نفسه دفاعًا عن حق وزير الدفاع في عرض تقييم المؤسسة العسكرية، في وقت يتصدر فيه الملف الأمني والعسكري جدول الأعمال اللبناني، بالتزامن مع المفاوضات الجارية في روما والضغوطات الدولية لإعادة رسم المشهد الأمني في الجنوب.
وقد يكون هذا الموقف، في أحد وجوهه، رسالة تتجاوز البعد الإجرائي. فالجيش لم يعد مؤسسة عسكرية فحسب، بل أصبح أحد المحاور الأساسية في أي مقاربة دولية للمرحلة المقبلة، وبالتالي فإن أي نقاش يتعلق بدوره أو بصلاحياته يكتسب بعدًا سياسيًا يتجاوز حدود الجلسة التشريعية.
من هنا، رأت أوساط سياسية أن التقاطع بين “التيار” و”حزب الله” قد يعكس بداية مرحلة جديدة من التنسيق الموضعي، تفرضها استحقاقات المرحلة أكثر مما تمليها الرغبة في إعادة إنتاج التحالف القديم.
فالسياسة اللبنانية علّمت الجميع أن الخصومات ليست أبدية، كما أن التحالفات ليست ثابتة. وما يجمع القوى السياسية في محطة معينة قد يختلف كليًا عما يفرقها في محطة أخرى.
غير أن السؤال الأهم يبقى: هل يشكل هذا التقاطع بداية لمسار سياسي جديد، أم أنه مجرد التقاء ظرفي فرضته قضية محددة؟ فالمؤشرات المتوافرة حتى الآن لا تسمح بالجزم بأي من الاحتمالين.
فـ”التيار الوطني الحر” لا يزال يتمسك بخطابه الداعي إلى بناء الدولة وتعزيز دور المؤسسات، بينما يواصل “حزب الله” الدفاع عن خياراته الاستراتيجية في ما يتعلق بسلاحه ودوره الإقليمي. وهذه الملفات هي التي كانت السبب الرئيسي في تراجع العلاقة بين الطرفين، ولم يطرأ عليها، حتى الآن، أي تبدل جوهري.
في المقابل، يبدو أن المرحلة التي يدخلها لبنان قد تدفع الجميع إلى إعادة حساباتهم. فالاستحقاقات المقبلة، من تثبيت التفاهمات الأمنية في الجنوب، إلى النقاش حول مستقبل الاستراتيجية الدفاعية، مرورًا بالإصلاحات السياسية والدستورية، قد تفرض على القوى السياسية البحث عن مساحات مشتركة، ولو بقيت محدودة.
ولا يُستبعد أن يكون ما حصل في مجلس النواب أول مؤشر إلى اعتماد مقاربة جديدة تقوم على الفصل بين الخلافات الاستراتيجية وإمكان التعاون في الملفات التي تلتقي فيها المصالح السياسية أو الدستورية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن صفحة الخلاف قد طُويت.
فالعودة إلى تحالف بحجم “تفاهم مار مخايل” تحتاج إلى أكثر من موقف مشترك داخل جلسة تشريعية. إنها تحتاج إلى إعادة بناء الثقة، وإلى تفاهمات جديدة تأخذ في الاعتبار التحولات التي شهدها لبنان والمنطقة منذ توقيع التفاهم عام 2006، مرورًا بالأزمة الاقتصادية، وانفجار مرفأ بيروت، والاستحقاقات الرئاسية، وصولًا إلى الحرب الأخيرة وتداعياتها.
لذلك، قد يكون الأدق القول إن ما جرى في مجلس النواب لا يؤشر إلى عودة التحالف بقدر ما يكشف عن بداية كسر للجليد، أو عن إدراك متبادل بأن المرحلة المقبلة قد تفرض حوارًا، حتى بين القوى التي تباعدت في السنوات الأخيرة.
إلاّ أنه غالبًا ما تبدأ التحولات الكبرى بإشارة صغيرة. لكن ليس كل تقاطع عابر يتحول إلى تحالف، وليس كل موقف مشترك يؤسس لشراكة سياسية جديدة. لذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل كان الانسحاب المشترك من الجلسة مجرد موقف دفاعًا عن صلاحيات وزير الدفاع، أم أنه كان أول مشهد في إعادة رسم العلاقة بين “التيار الوطني الحر” و”حزب الله”؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لأن السياسة اللبنانية اعتادت أن تُخفي تحولات كبيرة خلف أحداث تبدو، في ظاهرها، مجرد تفاصيل.







