مضيق هرمز: إيران تطلق النار على قدميها!

الكاتب: علي حمادة | المصدر: النهار
14 آب 2026

يبدّد النظام الإيراني رأسمالاً ثميناً للغاية، بحيث إنه سينتهي به المطاف إلى عزلة واقعية وعميقة تمارس ضدّه بأسلوب دول الخليج الهادئ البعيد عن الضجيج…

قبل الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، كان مضيق هرمز مفتوحاً ويعمل بشكل طبيعي لمصلحة جميع الدول المشاطئة للخليج العربي.

إيران كانت مستفيدة ومثلها كانت الدول العربية التي تمتد على كامل الشاطئ الغربي للخليج. لكن النظام الإيراني، بدل أن يفاوض بجدية على البنود الأربعة التي طرحها الأميركيون في بداية الحرب، وهي البرنامج النووي، وبرنامجا الصواريخ الباليستية والمسيّرات المتطورة، والأذرع الإيرانية في المنطقة، والقمع في الداخل، اختار أن يفتعل أزمة موازية تنسي الأميركيين والإسرائيليين البنود الأربعة الآنفة الذكر، فأقحموا مضيق هرمز في الأزمة من خلال تهديد أمن الملاحة فيه باستهداف السفن التجارية، والادعاء أن المضيق خلافاً لقانون البحار والمضائق الطبيعية جزء من المياه الإقليمية الإيرانية ويجب أن يندرج تحت السيادة الإيرانية.

وبالفعل فإن المضيق بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية كان الممر الأكثر كفاءة لأن تصدير النفط عبره كان أمراً بسيطاً للغاية وسريعاً، وبتكلفة منخفضة جداً. لكن الضربات الإيرانية غيّرت من المعادلة، وزادتها تعقيداً بما خفض من مرور ناقلات النفط والغاز إلى حد كبير.

حسب “نيويورك تايمز” دفع هذا الواقع دول المنطقة إلى التفكير بطرق أخرى لتصدير نفطها، وخصوصاً أن استخدام إيران “سلاح” العبور في مضيق هرمز، وإمعان طهران في استخدام هذه الورقة أقنعا دول المنطقة بأنه لا بد من التفكير بالتخلي ولو مرحلياً عن المضيق وإيجاد طرق أخرى للالتفاف حوله من أجل التصدير. وهذا ما يُعتبر تغييراً جوهرياً في قطاع النفط في المنطقة. ففي ظل وجود دولة تعتدي على جيرانها وتهدد قطاعاتهم الاقتصادية الرئيسية، لن يكون من الحكمة مواصلة الرهان على مضيق هرمز كممر آمن لدول المنطقة.

أكثر من ذلك، وعلى افتراض أن الحرب انتهت، لن يكون من الحكمة بمكان التعويل على حسن النيّات الإيرانية، أو وعود النظام الحالي بعدم تهديد العبور في مضيق هرمز. ولذلك تتصرف كل دولة على قاعدة أن المضيق لن يعود إلى سابق عهده، لأن دول الخليج العربي لن تبني حساباتها الجيو سياسية على قاعدة العودة إلى الاعتماد على مضيق هرمز كالسابق. ولذلك فهذه الدول المنتجة للنفط مستعدة لتكبّد كلفة أعلى من السابق لقاء تصدير النفط بحرية وبسلاسة وأمان.

هذه هي فلسفة التوجه السعودي غرباً إلى شواطئ البحر الأحمر، ومثلها فلسفة التوجّه الإماراتي إلى شاطئ بحر عمان عند نقطة الفجيرة، فضلاً عن التوجه إلى إحياء خطوط الأنابيب القديمة في بلاد الشام من العراق إلى سوريا وتركيا ومن السعودية إلى سوريا، وربما لاحقاً لبنان متى تم نزع سلاح “الحزب”.

ومن هنا تبدو المنطقة في حالة غليان كبير لتغيير معادلة الممر البحري في مضيق هرمز الذي لن يعود إلى سابق عهده. وببساطة كلما مر الوقت تراجعت أهمية الورقة التي تمسك بها طهران من خلال تهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز، وجزئياً في باب المندب من خلال اعتداءات جماعة الحوثي.

ومع أن الاستغناء الكامل عن مضيق هرمز  ليس مطروحاً الآن، غير أن الاعتماد عليه كما كان سابقاً لم يعد بدوره مطروحاً بشكل واقعي؛ لأن النظام الإيراني حتى لو أفلت من خطر السقوط، يستحيل التعامل معه على قاعدة أنه سيتغير. فالحاجة إلى مضيق هرمز تبقى على الطاولة، لكن البحث عن البدائل الواقعية والآمنة بات السياسة الراسخة للعقدين المقبلين. ولذلك يمكن توقع تزايد المشاريع التي تربط بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول الهلال الخصيب بما فيها مصر وإسرائيل لاحقاً، وسيكون على جدول أعمال جميع دول الإقليم ناقصاً إيران.

بذلك تكون إيران لعبت ورقة مضيق هرمز بأسلوب “شمشون” بمعنى أنها تهدم الهيكل فوق رؤوس الجميع بمن فيهم رأسها، إذ إن دول المنطقة ستكثف في الأعوام المقبلة المشاريع للتخفيف من الاعتماد على مضيق هرمز، وصولاً إلى خفض نسبة العبور فيه خلال أيام السلم والاستقرار بشكل دراماتيكي. وهذا سيحوّل إيران إلى دولة منبوذة بالفعل، غير أهل بثقة دول الجوار.

ما سبق هو عنصر إضافي يسجل على النظام الإيراني الذي يبدد رأسمالاً ثميناً للغاية، بحيث إنه سينتهي به المطاف إلى عزلة واقعية وعميقة تمارس ضده بأسلوب دول الخليج الهادئ البعيد عن الضجيج… وفي الجزء الآخر من الإقليم أي بلاد الشام ستكون مرحلة مختلفة عما سبق إن أحسنت دولها اقتناص الفرصة التاريخية.

خلاصة القول نذكر بالمثل القديم: “إن إيران أطلقت النار على قدميها”!

مضيق هرمز: إيران تطلق النار على قدميها!

الكاتب: علي حمادة | المصدر: النهار
14 آب 2026

يبدّد النظام الإيراني رأسمالاً ثميناً للغاية، بحيث إنه سينتهي به المطاف إلى عزلة واقعية وعميقة تمارس ضدّه بأسلوب دول الخليج الهادئ البعيد عن الضجيج…

قبل الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، كان مضيق هرمز مفتوحاً ويعمل بشكل طبيعي لمصلحة جميع الدول المشاطئة للخليج العربي.

إيران كانت مستفيدة ومثلها كانت الدول العربية التي تمتد على كامل الشاطئ الغربي للخليج. لكن النظام الإيراني، بدل أن يفاوض بجدية على البنود الأربعة التي طرحها الأميركيون في بداية الحرب، وهي البرنامج النووي، وبرنامجا الصواريخ الباليستية والمسيّرات المتطورة، والأذرع الإيرانية في المنطقة، والقمع في الداخل، اختار أن يفتعل أزمة موازية تنسي الأميركيين والإسرائيليين البنود الأربعة الآنفة الذكر، فأقحموا مضيق هرمز في الأزمة من خلال تهديد أمن الملاحة فيه باستهداف السفن التجارية، والادعاء أن المضيق خلافاً لقانون البحار والمضائق الطبيعية جزء من المياه الإقليمية الإيرانية ويجب أن يندرج تحت السيادة الإيرانية.

وبالفعل فإن المضيق بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية كان الممر الأكثر كفاءة لأن تصدير النفط عبره كان أمراً بسيطاً للغاية وسريعاً، وبتكلفة منخفضة جداً. لكن الضربات الإيرانية غيّرت من المعادلة، وزادتها تعقيداً بما خفض من مرور ناقلات النفط والغاز إلى حد كبير.

حسب “نيويورك تايمز” دفع هذا الواقع دول المنطقة إلى التفكير بطرق أخرى لتصدير نفطها، وخصوصاً أن استخدام إيران “سلاح” العبور في مضيق هرمز، وإمعان طهران في استخدام هذه الورقة أقنعا دول المنطقة بأنه لا بد من التفكير بالتخلي ولو مرحلياً عن المضيق وإيجاد طرق أخرى للالتفاف حوله من أجل التصدير. وهذا ما يُعتبر تغييراً جوهرياً في قطاع النفط في المنطقة. ففي ظل وجود دولة تعتدي على جيرانها وتهدد قطاعاتهم الاقتصادية الرئيسية، لن يكون من الحكمة مواصلة الرهان على مضيق هرمز كممر آمن لدول المنطقة.

أكثر من ذلك، وعلى افتراض أن الحرب انتهت، لن يكون من الحكمة بمكان التعويل على حسن النيّات الإيرانية، أو وعود النظام الحالي بعدم تهديد العبور في مضيق هرمز. ولذلك تتصرف كل دولة على قاعدة أن المضيق لن يعود إلى سابق عهده، لأن دول الخليج العربي لن تبني حساباتها الجيو سياسية على قاعدة العودة إلى الاعتماد على مضيق هرمز كالسابق. ولذلك فهذه الدول المنتجة للنفط مستعدة لتكبّد كلفة أعلى من السابق لقاء تصدير النفط بحرية وبسلاسة وأمان.

هذه هي فلسفة التوجه السعودي غرباً إلى شواطئ البحر الأحمر، ومثلها فلسفة التوجّه الإماراتي إلى شاطئ بحر عمان عند نقطة الفجيرة، فضلاً عن التوجه إلى إحياء خطوط الأنابيب القديمة في بلاد الشام من العراق إلى سوريا وتركيا ومن السعودية إلى سوريا، وربما لاحقاً لبنان متى تم نزع سلاح “الحزب”.

ومن هنا تبدو المنطقة في حالة غليان كبير لتغيير معادلة الممر البحري في مضيق هرمز الذي لن يعود إلى سابق عهده. وببساطة كلما مر الوقت تراجعت أهمية الورقة التي تمسك بها طهران من خلال تهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز، وجزئياً في باب المندب من خلال اعتداءات جماعة الحوثي.

ومع أن الاستغناء الكامل عن مضيق هرمز  ليس مطروحاً الآن، غير أن الاعتماد عليه كما كان سابقاً لم يعد بدوره مطروحاً بشكل واقعي؛ لأن النظام الإيراني حتى لو أفلت من خطر السقوط، يستحيل التعامل معه على قاعدة أنه سيتغير. فالحاجة إلى مضيق هرمز تبقى على الطاولة، لكن البحث عن البدائل الواقعية والآمنة بات السياسة الراسخة للعقدين المقبلين. ولذلك يمكن توقع تزايد المشاريع التي تربط بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول الهلال الخصيب بما فيها مصر وإسرائيل لاحقاً، وسيكون على جدول أعمال جميع دول الإقليم ناقصاً إيران.

بذلك تكون إيران لعبت ورقة مضيق هرمز بأسلوب “شمشون” بمعنى أنها تهدم الهيكل فوق رؤوس الجميع بمن فيهم رأسها، إذ إن دول المنطقة ستكثف في الأعوام المقبلة المشاريع للتخفيف من الاعتماد على مضيق هرمز، وصولاً إلى خفض نسبة العبور فيه خلال أيام السلم والاستقرار بشكل دراماتيكي. وهذا سيحوّل إيران إلى دولة منبوذة بالفعل، غير أهل بثقة دول الجوار.

ما سبق هو عنصر إضافي يسجل على النظام الإيراني الذي يبدد رأسمالاً ثميناً للغاية، بحيث إنه سينتهي به المطاف إلى عزلة واقعية وعميقة تمارس ضده بأسلوب دول الخليج الهادئ البعيد عن الضجيج… وفي الجزء الآخر من الإقليم أي بلاد الشام ستكون مرحلة مختلفة عما سبق إن أحسنت دولها اقتناص الفرصة التاريخية.

خلاصة القول نذكر بالمثل القديم: “إن إيران أطلقت النار على قدميها”!

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار