ما سرّ تفاؤل واشنطن بالمفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية؟

كان لافتًا الموقف الذي صدر عن وزارة الخارجية الأميركية منذ أيام قليلة، مثنيًا على التقدم المحرز في المفاوضات التقنية بين لبنان وإسرائيل التي احتضنتها روما، ومؤكدًا أنها كانت بناءة ومثمرة، مع تحديد مطلع أيلول المقبل موعدًا لاستئناف الجولات.
وتكشف معلومات من واشنطن أن الإدارة الأميركية تقصّدت إصدار هذا البيان لقطع الطريق أمام إيران و”حزب الله” اللذين يحاولان عرقلة سير المفاوضات، وهي تدرك أن الميدان المشتعل نسبيًا في الجنوب اللبناني يشكّل فجوة بين التقدم الدبلوماسي والواقع على الأرض. فبينما تظهر مفاوضات روما التزام الطرفين بالحفاظ على قنوات التواصل، لا تزال الحوادث الأمنية المتفرقة تهدد وقف إطلاق النار الهش.
لكن كواليس دوائر القرار في واشنطن مرتاحة جدًا إلى ما أُنجز حتى الآن، إذ إن اجتماع الفريقين اللبناني والإسرائيلي وتواصلهما المباشر وطرحهما الخيارات يُعتبر بحد ذاته تغييرًا هيكليًا. كما أن المفاوضات صُممت لتتجاوز القيود السياسية والأمنية التي تواجه الجانبين، والتقدم على مراحل، بدءًا بتفعيل المناطق التجريبية، ثم توسيع نطاق التنفيذ ليشمل مناطق إضافية.
ضغوط أميركية على إسرائيل
وتشير المعلومات إلى أن الأميركيين ضغطوا على إسرائيل في الأيام الأخيرة للحد من التصعيد، كي لا يتحول إلى صراع أوسع يطيح بالمفاوضات التي تعتبرها واشنطن مكسبًا سياسيًا استراتيجيًا ويعوّل عليها الرئيس دونالد ترامب شخصيًا. وهذا ما يفسر الموقف الأميركي المتشدد حيال تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس وأوامره للجيش بالاستعداد لوجود طويل الأمد، إذ اعتبرت واشنطن أنها تتعارض مع التزامات إسرائيل وتقوّض الجهود الدبلوماسية لتثبيت الاستقرار. وفي المقابل، جددت الإدارة الأميركية التزامها دعم الجيش اللبناني وسيادة الدولة على كامل أراضيها.
وتدرك واشنطن أن مخاطر كبيرة تحدق بالمفاوضات، إلا أن المعطيات الواردة من العاصمة الأميركية تؤكد أن الجهود لن تتوقف لتسريع تنفيذ اتفاق الإطار الثلاثي. وقد صبّت زيارة رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، في هذا الاتجاه، بهدف تنسيق الآليات التنفيذية وتذليل العقبات الميدانية.
وتولي الإدارة الأميركية أهمية قصوى “لتطهير” المناطق التجريبية من عناصر حزب الله، والتحقق من إنجاز المهمات بفاعليّة وجديّة، ثم إطلاق ورش إعادة الإعمار بعد التأكد من سيطرة الجيش اللبناني وحده عليها.
في المقابل، تقول مصادر أميركية مطلعة ذات صلة بوزارة الخارجية إنه لا يمكن تجاهل هواجس إسرائيل بعد انسحابها من ثلاث قرى، هي فرون وصريفة وزوطر الغربية. إذ تعتبر إسرائيل أن الجيش اللبناني لا يبذل جهودًا كافية لمنع عودة “الحزب” إلى هذه المناطق، خصوصًا أن جناحه المدني واصل نشاطه في زوطر الغربية خلال البرنامج التجريبي. وقد رُصد وجود جمعية “التعاون فيما بيننا” التابعة لـِ “الحزب”، التي تقول إنها توفر المياه والحصص الغذائية والعلاج الطبي للنازحين، فيما تشير المعلومات الإسرائيلية إلى ارتباطها بقطاع العمل الاجتماعي في “الحزب”.
وتلفت المصادر إلى أن هذه التحركات تستنفر إسرائيل وتؤثر في المضي بالبرنامج التجريبي وتوسيعه، ما لم يُمنع تسلل “الحزب” ومؤسساته إلى المناطق التي أخليت، وهو ما يحتاج، وفق النظرة الأميركية، إلى حزم أكبر.
الجولة الخامسة لاختيار البديل عن اليونيفيل
كما تفتقر المناطق التجريبية حتى الآن إلى هيئة متفق عليها بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان للتحقق من خلوها من وجود “الحزب” العسكري والمالي والمؤسساتي. وتؤكد المصادر أن دولًا مثل بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا طُرحت للمشاركة في آلية التحقق، لكن لا اتفاق نهائيًا بعد على تركيبة الهيئة. وما إن يتم ذلك حتى يمكن إرسال مراقبين للمساعدة في أعمال التفتيش والتحقق.
وما عرفته “المدن” أن دور واشنطن سيكون أساسيًا في هذا الإطار، وربما تُخصص الجولة الثامنة من المفاوضات في إيطاليا لهذا الموضوع، على أن يكون للولايات المتحدة الدور الحاسم في اختيار الدول المشاركة.
وحدة الجيش هاجس مشروع
من جهته، يعتبر مدير مركز أبحاث أميركي معني بشؤون الشرق الأوسط أن التعويل على الجيش اللبناني لنزع سلاح “الحزب” ومنع وجوده المؤسساتي والاجتماعي في المناطق التجريبية محفوف بالمخاطر. فالسؤال لا يتعلق فقط بقدرة الجيش العسكرية، بل بالظروف السياسية والمؤسساتية والإقليمية التي تسمح له بفرض احتكار الدولة للسلاح من دون المساس بتماسكه، في ظل الضغوط المالية والتنظيمية، وغياب استراتيجية أمن وطني متفق عليها، والمعضلات المحيطة بانتشاره في الجنوب واعتماده على المساعدات الخارجية.
ويرى أن وحدة الجيش هاجس مشروع، لكن التماسك المؤسسي لا يتحقق بالحذر الدائم أو الانسحاب من المهمات الصعبة. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع الجيش أن يحل مكان التسوية السياسية المطلوبة. فما لم تُدرج مهمته ضمن استراتيجية وطنية تربط نزع السلاح بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الهجمات، والانتقال التفاوضي لمعالجة الهياكل المسلحة لـِ “الحزب”، سيبقى الجيش عالقًا بين مهمة لا يستطيع تنفيذها بالكامل والتوقعات الأميركية والإسرائيلية.
ويطرح مدير المركز أسئلة إضافية: هل حدد اتفاق الإطار أنواع الأسلحة التي يجب جمعها والجهة التي ستُنقل إليها؟ وهل يمكن إعلان اكتمال نزع السلاح مع بقاء أجزاء من الترسانة الأساسية؟ وما مصير مقاتلي “الحزب” في حال طُرحت مسألة دمجهم في المؤسسة العسكرية، وما انعكاس ذلك على التوازن الطائفي والسياسي داخل الجيش؟ كما يبرز التحدي المالي، إذ لا يمكن مطالبة الجنود بمهمات شديدة الحساسية فيما رواتبهم لا تؤمن لهم مستوى معيشيًا لائقًا. وبالتالي، على واشنطن، التي تطالب الجيش بمهمات أكبر، التفكير أيضًا في تعزيز قدراته وتحسين أوضاع عسكرييه.
ملاحظات على قائد الجيش؟
وتعوّل الإدارة الأميركية على الجيش اللبناني، إلا أن لديها ملاحظات على قائده العماد رودولف هيكل، الذي يؤيد مبدأ “الأمن بالتوافق” ويفضّل التفاوض على استخدام القوة، ويعطي الأولوية لتماسك المؤسسة. لكن الأميركيين أدركوا أن المرجعية السياسية لهذه المقاربة هي رئيس الجمهورية جوزاف عون، باعتبار أن قائد الجيش لا يتخذ القرار السياسي. لكن عون أكّد خلال زيارته واشنطن للمسؤولين الأميركيين، وفي مقدمهم الرئيس ترامب، أن مرحلة “الأمن عبر التوافق” انتهت، وأن مرحلة جديدة بدأت، وإن لم تتضح معالمها بالكامل بعد.
ومع ذلك، هناك قناعة لدى المسؤولين الأميركيين بأن الجيش يعمل في بيئة شديدة التعقيد، عالقًا بين الموقف الأمني الإسرائيلي في الجنوب ورفض “الحزب” لاتفاق الإطار. ورغم ذلك، تعتبره واشنطن شريكًا موثوقًا، ولذلك سيستمر الدعم السياسي والعسكري الأميركي له باعتبارهما شرطين أساسيين لنجاح مهمته.
اختارت الولايات المتحدة إذًا التمسك باتفاق الإطار الثلاثي والتراكم في التفاهمات بين لبنان وإسرائيل، حتى لو بقي بعضها في الإطار النظري، لأنها تعتبر ذلك وسيلة لحماية الدولة اللبنانية من عبث إيران و”الحزب”. ومن هنا سر تمسكها بالمفاوضات رغم تعثرها أحيانًا، إلى أن تنجلي الصورة الإقليمية على نحو أوضح.
وتدرك واشنطن أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان ليس قريبًا، لكنها تراهن في المرحلة الراهنة على تثبيت المناطق التجريبية وتوسيعها تدريجيًا، ووضع آليات واضحة وشفافة للتحقق، بما يوفر الضمانات المطلوبة للطرفين اللبناني والإسرائيلي.
وهنا تحديدًا يكمن سر التفاؤل الأميركي: واشنطن لا تنظر إلى ما تحقق حتى الآن بوصفه اتفاقًا نهائيًا، بل مسارًا بدأ للمرة الأولى يراكم خطوات عملية بين لبنان وإسرائيل، وتعتقد أن المحافظة عليه، مهما كانت العثرات، أفضل من العودة إلى نقطة الصفر.
ما سرّ تفاؤل واشنطن بالمفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية؟

كان لافتًا الموقف الذي صدر عن وزارة الخارجية الأميركية منذ أيام قليلة، مثنيًا على التقدم المحرز في المفاوضات التقنية بين لبنان وإسرائيل التي احتضنتها روما، ومؤكدًا أنها كانت بناءة ومثمرة، مع تحديد مطلع أيلول المقبل موعدًا لاستئناف الجولات.
وتكشف معلومات من واشنطن أن الإدارة الأميركية تقصّدت إصدار هذا البيان لقطع الطريق أمام إيران و”حزب الله” اللذين يحاولان عرقلة سير المفاوضات، وهي تدرك أن الميدان المشتعل نسبيًا في الجنوب اللبناني يشكّل فجوة بين التقدم الدبلوماسي والواقع على الأرض. فبينما تظهر مفاوضات روما التزام الطرفين بالحفاظ على قنوات التواصل، لا تزال الحوادث الأمنية المتفرقة تهدد وقف إطلاق النار الهش.
لكن كواليس دوائر القرار في واشنطن مرتاحة جدًا إلى ما أُنجز حتى الآن، إذ إن اجتماع الفريقين اللبناني والإسرائيلي وتواصلهما المباشر وطرحهما الخيارات يُعتبر بحد ذاته تغييرًا هيكليًا. كما أن المفاوضات صُممت لتتجاوز القيود السياسية والأمنية التي تواجه الجانبين، والتقدم على مراحل، بدءًا بتفعيل المناطق التجريبية، ثم توسيع نطاق التنفيذ ليشمل مناطق إضافية.
ضغوط أميركية على إسرائيل
وتشير المعلومات إلى أن الأميركيين ضغطوا على إسرائيل في الأيام الأخيرة للحد من التصعيد، كي لا يتحول إلى صراع أوسع يطيح بالمفاوضات التي تعتبرها واشنطن مكسبًا سياسيًا استراتيجيًا ويعوّل عليها الرئيس دونالد ترامب شخصيًا. وهذا ما يفسر الموقف الأميركي المتشدد حيال تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس وأوامره للجيش بالاستعداد لوجود طويل الأمد، إذ اعتبرت واشنطن أنها تتعارض مع التزامات إسرائيل وتقوّض الجهود الدبلوماسية لتثبيت الاستقرار. وفي المقابل، جددت الإدارة الأميركية التزامها دعم الجيش اللبناني وسيادة الدولة على كامل أراضيها.
وتدرك واشنطن أن مخاطر كبيرة تحدق بالمفاوضات، إلا أن المعطيات الواردة من العاصمة الأميركية تؤكد أن الجهود لن تتوقف لتسريع تنفيذ اتفاق الإطار الثلاثي. وقد صبّت زيارة رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، في هذا الاتجاه، بهدف تنسيق الآليات التنفيذية وتذليل العقبات الميدانية.
وتولي الإدارة الأميركية أهمية قصوى “لتطهير” المناطق التجريبية من عناصر حزب الله، والتحقق من إنجاز المهمات بفاعليّة وجديّة، ثم إطلاق ورش إعادة الإعمار بعد التأكد من سيطرة الجيش اللبناني وحده عليها.
في المقابل، تقول مصادر أميركية مطلعة ذات صلة بوزارة الخارجية إنه لا يمكن تجاهل هواجس إسرائيل بعد انسحابها من ثلاث قرى، هي فرون وصريفة وزوطر الغربية. إذ تعتبر إسرائيل أن الجيش اللبناني لا يبذل جهودًا كافية لمنع عودة “الحزب” إلى هذه المناطق، خصوصًا أن جناحه المدني واصل نشاطه في زوطر الغربية خلال البرنامج التجريبي. وقد رُصد وجود جمعية “التعاون فيما بيننا” التابعة لـِ “الحزب”، التي تقول إنها توفر المياه والحصص الغذائية والعلاج الطبي للنازحين، فيما تشير المعلومات الإسرائيلية إلى ارتباطها بقطاع العمل الاجتماعي في “الحزب”.
وتلفت المصادر إلى أن هذه التحركات تستنفر إسرائيل وتؤثر في المضي بالبرنامج التجريبي وتوسيعه، ما لم يُمنع تسلل “الحزب” ومؤسساته إلى المناطق التي أخليت، وهو ما يحتاج، وفق النظرة الأميركية، إلى حزم أكبر.
الجولة الخامسة لاختيار البديل عن اليونيفيل
كما تفتقر المناطق التجريبية حتى الآن إلى هيئة متفق عليها بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان للتحقق من خلوها من وجود “الحزب” العسكري والمالي والمؤسساتي. وتؤكد المصادر أن دولًا مثل بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا طُرحت للمشاركة في آلية التحقق، لكن لا اتفاق نهائيًا بعد على تركيبة الهيئة. وما إن يتم ذلك حتى يمكن إرسال مراقبين للمساعدة في أعمال التفتيش والتحقق.
وما عرفته “المدن” أن دور واشنطن سيكون أساسيًا في هذا الإطار، وربما تُخصص الجولة الثامنة من المفاوضات في إيطاليا لهذا الموضوع، على أن يكون للولايات المتحدة الدور الحاسم في اختيار الدول المشاركة.
وحدة الجيش هاجس مشروع
من جهته، يعتبر مدير مركز أبحاث أميركي معني بشؤون الشرق الأوسط أن التعويل على الجيش اللبناني لنزع سلاح “الحزب” ومنع وجوده المؤسساتي والاجتماعي في المناطق التجريبية محفوف بالمخاطر. فالسؤال لا يتعلق فقط بقدرة الجيش العسكرية، بل بالظروف السياسية والمؤسساتية والإقليمية التي تسمح له بفرض احتكار الدولة للسلاح من دون المساس بتماسكه، في ظل الضغوط المالية والتنظيمية، وغياب استراتيجية أمن وطني متفق عليها، والمعضلات المحيطة بانتشاره في الجنوب واعتماده على المساعدات الخارجية.
ويرى أن وحدة الجيش هاجس مشروع، لكن التماسك المؤسسي لا يتحقق بالحذر الدائم أو الانسحاب من المهمات الصعبة. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع الجيش أن يحل مكان التسوية السياسية المطلوبة. فما لم تُدرج مهمته ضمن استراتيجية وطنية تربط نزع السلاح بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الهجمات، والانتقال التفاوضي لمعالجة الهياكل المسلحة لـِ “الحزب”، سيبقى الجيش عالقًا بين مهمة لا يستطيع تنفيذها بالكامل والتوقعات الأميركية والإسرائيلية.
ويطرح مدير المركز أسئلة إضافية: هل حدد اتفاق الإطار أنواع الأسلحة التي يجب جمعها والجهة التي ستُنقل إليها؟ وهل يمكن إعلان اكتمال نزع السلاح مع بقاء أجزاء من الترسانة الأساسية؟ وما مصير مقاتلي “الحزب” في حال طُرحت مسألة دمجهم في المؤسسة العسكرية، وما انعكاس ذلك على التوازن الطائفي والسياسي داخل الجيش؟ كما يبرز التحدي المالي، إذ لا يمكن مطالبة الجنود بمهمات شديدة الحساسية فيما رواتبهم لا تؤمن لهم مستوى معيشيًا لائقًا. وبالتالي، على واشنطن، التي تطالب الجيش بمهمات أكبر، التفكير أيضًا في تعزيز قدراته وتحسين أوضاع عسكرييه.
ملاحظات على قائد الجيش؟
وتعوّل الإدارة الأميركية على الجيش اللبناني، إلا أن لديها ملاحظات على قائده العماد رودولف هيكل، الذي يؤيد مبدأ “الأمن بالتوافق” ويفضّل التفاوض على استخدام القوة، ويعطي الأولوية لتماسك المؤسسة. لكن الأميركيين أدركوا أن المرجعية السياسية لهذه المقاربة هي رئيس الجمهورية جوزاف عون، باعتبار أن قائد الجيش لا يتخذ القرار السياسي. لكن عون أكّد خلال زيارته واشنطن للمسؤولين الأميركيين، وفي مقدمهم الرئيس ترامب، أن مرحلة “الأمن عبر التوافق” انتهت، وأن مرحلة جديدة بدأت، وإن لم تتضح معالمها بالكامل بعد.
ومع ذلك، هناك قناعة لدى المسؤولين الأميركيين بأن الجيش يعمل في بيئة شديدة التعقيد، عالقًا بين الموقف الأمني الإسرائيلي في الجنوب ورفض “الحزب” لاتفاق الإطار. ورغم ذلك، تعتبره واشنطن شريكًا موثوقًا، ولذلك سيستمر الدعم السياسي والعسكري الأميركي له باعتبارهما شرطين أساسيين لنجاح مهمته.
اختارت الولايات المتحدة إذًا التمسك باتفاق الإطار الثلاثي والتراكم في التفاهمات بين لبنان وإسرائيل، حتى لو بقي بعضها في الإطار النظري، لأنها تعتبر ذلك وسيلة لحماية الدولة اللبنانية من عبث إيران و”الحزب”. ومن هنا سر تمسكها بالمفاوضات رغم تعثرها أحيانًا، إلى أن تنجلي الصورة الإقليمية على نحو أوضح.
وتدرك واشنطن أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان ليس قريبًا، لكنها تراهن في المرحلة الراهنة على تثبيت المناطق التجريبية وتوسيعها تدريجيًا، ووضع آليات واضحة وشفافة للتحقق، بما يوفر الضمانات المطلوبة للطرفين اللبناني والإسرائيلي.
وهنا تحديدًا يكمن سر التفاؤل الأميركي: واشنطن لا تنظر إلى ما تحقق حتى الآن بوصفه اتفاقًا نهائيًا، بل مسارًا بدأ للمرة الأولى يراكم خطوات عملية بين لبنان وإسرائيل، وتعتقد أن المحافظة عليه، مهما كانت العثرات، أفضل من العودة إلى نقطة الصفر.











