بعد علي الطاهر: تدحرجٌ نحو العام 2000

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
18 آب 2026

ثمة مرحلة دراماتيكية جديدة قد تكون في صدد الخروج من تحت الأرض في الجنوب. فقرار إسرائيل بالحسم العسكري في مرتفعات علي الطاهر، بعد حصولها على غطاء واشنطن، وفشل العرض الأميركي بتسليمها إلى الجيش اللبناني، لن يكون نهاية الحرب في الجنوب، بل ربما التدشين الفعلي لمرحلة أشدّ ضراوة، وتدحرجاً لكرة ثلج قد لا تتوقف إلّا بإعادة رسم قواعد الاشتباك وخرائط السيطرة الميدانية جنوباً.

​تتعامل إسرائيل مع علي الطاهر بوصفها نقطة ارتكاز استراتيجية وقاعدة قيادة أساسية لـ«حزب الله»، وتردّد أنّ في «مدينة علي الطاهر» تحت الأرض، خبراء إيرانيّين وشبكة متكاملة من الأنفاق والمنشآت الهائلة الممتدة، والتي يعجز الاستطلاع الجوي والفضائي الإسرائيلي عن تحديد مساربها وفتحاتها.

وعلى رغم من أنّ إسرائيل فرضت حصاراً محكماً على منافذها المكتشفة، ظناً منها أنّها تخنق الكوادر والقيادات المحاصرة في الداخل، فالحقيقة الميدانية تبقى مفتوحة على احتمالات أخرى. فلا أحد يضمن عدم قدرة هذه العناصر على التحرُّك عبر مسارب بديلة، سيستخدمها «الحزب» ليخوض حرباً دفاعية، حتى النهاية.

​وعلى رغم من أنّ علي الطاهر ترتفع نحو 700 متر عن سطح البحر، متفوّقة على قلعة شقيف أرنون بنحو 100 متر، إلّا أنّ السيطرة عليها لا تمنح إسرائيل الحسم العسكري أو الإشراف الكلّي على المنطقة. فالقتال في هذه الجغرافيا يخضع عملياً لقانون «السقف الأعلى».

فالمرتفعات المجاورة لجهة إقليم التفاح وجبل الريحان تتفوّق ارتفاعاً على علي الطاهر. ومن هذه القمم، ستكون القوات الإسرائيلية تحت مرمى النيران المباشرة التي سيرميها بها «حزب الله»، المتحصّن في تلك الجبال وفي داخل أنفاق وقواعد مواجهة.

وسيتوجّب على إسرائيل فتح مواجهة ضارية للسيطرة على هذه القمم أو لدفع الجيش اللبناني للسيطرة عليها وتفكيك بنية الحزب هناك، تماماً كما تفعل اليوم عندما تطالبه بالدخول إلى علي الطاهر. وهذا الأمر سيبقى الجيش عاجزاً عن تحقيقه. فلا هو مستعد لأداء هذه المهمّة في التلة، ولا «الحزب» أساساً في صدد تسليمه زمام أموره.

إذاً، المتوقع هو سيناريو «الدومينو» التوسعي، فإسرائيل ستتبَّع نمط «المُتوالية الجغرافية». وكما سيطر جيشها سابقاً على قلعة الشقيف لتأمين تمركزه شمال الليطاني وجنوبه، فهو يسعى اليوم إلى السيطرة على علي الطاهر لتأمين موقعه في الشقيف. ولاحقاً، سيجد نفسه مجبراً على التمدّد نحو قمم أعلى بداعي حماية علي الطاهر نفسها. ولذلك، ​يرجّح خبراء عسكريون أَلّا تتوقف هذه السلسلة إلّا بالوصول إلى أعالي جبل الريحان عند نقطة كفرحونة – جزين، حيث يمكن ​الإشراف المباشر على البقاع الغربي والتحكّم بالطريق الحيوية التي تربطه بجزين والنبطية.

عملياً، يعني هذا استعادة واقع ما قبل العام 2000، أي خلق شريط أمني واسع تحت السيطرة المباشرة، يوازيه إخضاع منطقتَي جزين والبقاع الغربي لترتيبات أمنية قاسية تُفرض على لبنان في جولات التفاوض.

و​تتحرَّك إسرائيل بلا ضوابط سياسية حقيقية من جانب واشنطن، ولا ضوابط عسكرية فاعلة من جانب «حزب الله» على الأرض. ويأتي هذا في ظل واقع إقليمي فقدت فيه إيران القدرة على تقديم الدعم الفعلي والحيوي إلى «الحزب»، نتيجة انقطاع خط التواصل في العراق وسوريا، وانشغال طهران المباشر بمواجهتها المصيرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

​وما كان يُعدّ من ضرب الخيال قبل عامَين أو ثلاثة، كتوغل إسرائيل براً وسيطرتها على جنوب الليطاني وتجريف قراه والتمدّد نحو الزهراني، بات اليوم واقعاً يهدّد بملامسة حدود نهر الأولي.

في أي حال، إنّ سيناريو توسع الحرب من علي الطاهر إلى إقليم التفاح والجبال المجاورة يمثل قفزة نحو هاوية كارثية. فهو يُعيد إنتاج التدمير الكلّي والتهجير التام لقرى جديدة، واقتطاع مناطق استراتيجية قد يخسرها لبنان إلى الأبد. ومن دون مبالغة، هذا العبث المتواصل منذ سنوات سيتجاوز في مفعوله وخسائره أثر «القنبلة الذرية»، ما لم يُصر فوراً إلى تصحيح المسار السياسي والعسكري ولجم الانهيار، لأنّ «لبنان الكبير» سيخسر من كيانه أجزاء حيوية إضافية، لا يمكن تحديدها أو حصرها.

بعد علي الطاهر: تدحرجٌ نحو العام 2000

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
18 آب 2026

ثمة مرحلة دراماتيكية جديدة قد تكون في صدد الخروج من تحت الأرض في الجنوب. فقرار إسرائيل بالحسم العسكري في مرتفعات علي الطاهر، بعد حصولها على غطاء واشنطن، وفشل العرض الأميركي بتسليمها إلى الجيش اللبناني، لن يكون نهاية الحرب في الجنوب، بل ربما التدشين الفعلي لمرحلة أشدّ ضراوة، وتدحرجاً لكرة ثلج قد لا تتوقف إلّا بإعادة رسم قواعد الاشتباك وخرائط السيطرة الميدانية جنوباً.

​تتعامل إسرائيل مع علي الطاهر بوصفها نقطة ارتكاز استراتيجية وقاعدة قيادة أساسية لـ«حزب الله»، وتردّد أنّ في «مدينة علي الطاهر» تحت الأرض، خبراء إيرانيّين وشبكة متكاملة من الأنفاق والمنشآت الهائلة الممتدة، والتي يعجز الاستطلاع الجوي والفضائي الإسرائيلي عن تحديد مساربها وفتحاتها.

وعلى رغم من أنّ إسرائيل فرضت حصاراً محكماً على منافذها المكتشفة، ظناً منها أنّها تخنق الكوادر والقيادات المحاصرة في الداخل، فالحقيقة الميدانية تبقى مفتوحة على احتمالات أخرى. فلا أحد يضمن عدم قدرة هذه العناصر على التحرُّك عبر مسارب بديلة، سيستخدمها «الحزب» ليخوض حرباً دفاعية، حتى النهاية.

​وعلى رغم من أنّ علي الطاهر ترتفع نحو 700 متر عن سطح البحر، متفوّقة على قلعة شقيف أرنون بنحو 100 متر، إلّا أنّ السيطرة عليها لا تمنح إسرائيل الحسم العسكري أو الإشراف الكلّي على المنطقة. فالقتال في هذه الجغرافيا يخضع عملياً لقانون «السقف الأعلى».

فالمرتفعات المجاورة لجهة إقليم التفاح وجبل الريحان تتفوّق ارتفاعاً على علي الطاهر. ومن هذه القمم، ستكون القوات الإسرائيلية تحت مرمى النيران المباشرة التي سيرميها بها «حزب الله»، المتحصّن في تلك الجبال وفي داخل أنفاق وقواعد مواجهة.

وسيتوجّب على إسرائيل فتح مواجهة ضارية للسيطرة على هذه القمم أو لدفع الجيش اللبناني للسيطرة عليها وتفكيك بنية الحزب هناك، تماماً كما تفعل اليوم عندما تطالبه بالدخول إلى علي الطاهر. وهذا الأمر سيبقى الجيش عاجزاً عن تحقيقه. فلا هو مستعد لأداء هذه المهمّة في التلة، ولا «الحزب» أساساً في صدد تسليمه زمام أموره.

إذاً، المتوقع هو سيناريو «الدومينو» التوسعي، فإسرائيل ستتبَّع نمط «المُتوالية الجغرافية». وكما سيطر جيشها سابقاً على قلعة الشقيف لتأمين تمركزه شمال الليطاني وجنوبه، فهو يسعى اليوم إلى السيطرة على علي الطاهر لتأمين موقعه في الشقيف. ولاحقاً، سيجد نفسه مجبراً على التمدّد نحو قمم أعلى بداعي حماية علي الطاهر نفسها. ولذلك، ​يرجّح خبراء عسكريون أَلّا تتوقف هذه السلسلة إلّا بالوصول إلى أعالي جبل الريحان عند نقطة كفرحونة – جزين، حيث يمكن ​الإشراف المباشر على البقاع الغربي والتحكّم بالطريق الحيوية التي تربطه بجزين والنبطية.

عملياً، يعني هذا استعادة واقع ما قبل العام 2000، أي خلق شريط أمني واسع تحت السيطرة المباشرة، يوازيه إخضاع منطقتَي جزين والبقاع الغربي لترتيبات أمنية قاسية تُفرض على لبنان في جولات التفاوض.

و​تتحرَّك إسرائيل بلا ضوابط سياسية حقيقية من جانب واشنطن، ولا ضوابط عسكرية فاعلة من جانب «حزب الله» على الأرض. ويأتي هذا في ظل واقع إقليمي فقدت فيه إيران القدرة على تقديم الدعم الفعلي والحيوي إلى «الحزب»، نتيجة انقطاع خط التواصل في العراق وسوريا، وانشغال طهران المباشر بمواجهتها المصيرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

​وما كان يُعدّ من ضرب الخيال قبل عامَين أو ثلاثة، كتوغل إسرائيل براً وسيطرتها على جنوب الليطاني وتجريف قراه والتمدّد نحو الزهراني، بات اليوم واقعاً يهدّد بملامسة حدود نهر الأولي.

في أي حال، إنّ سيناريو توسع الحرب من علي الطاهر إلى إقليم التفاح والجبال المجاورة يمثل قفزة نحو هاوية كارثية. فهو يُعيد إنتاج التدمير الكلّي والتهجير التام لقرى جديدة، واقتطاع مناطق استراتيجية قد يخسرها لبنان إلى الأبد. ومن دون مبالغة، هذا العبث المتواصل منذ سنوات سيتجاوز في مفعوله وخسائره أثر «القنبلة الذرية»، ما لم يُصر فوراً إلى تصحيح المسار السياسي والعسكري ولجم الانهيار، لأنّ «لبنان الكبير» سيخسر من كيانه أجزاء حيوية إضافية، لا يمكن تحديدها أو حصرها.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار