مشروع ضمّ الضفة… بين معركتي الأمن والجغرافيا

عاد المشهد الأمني المضطرب في الضفة الغربية ليتصدّر واجهة التطورات في المنطقة. فتنامي وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة على فلسطينيي الضفة وأملاكهم، ومحاصرة منازلهم ومحالهم التجارية، خصوصًا في بلدة قصرة الواقعة في جنوب شرق نابلس، والمزنّرة بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية، ليس وليد ساعته، ولا يُعدّ فقط توترًا أمنيًا ظرفيًا، بل يبدو أنه يخفي في طياته سيناريو هدفه إعادة رسم الواقع الجغرافي ثم السياسي فالقانوني للضفة المقطّعة الأوصال أصلًا، وصولًا إلى تحقيق مشروع ضمّها بالكامل.
ليس غريبًا ما حصل في الضفة في الأيام الأخيرة. فالتطرّف اليميني يقود الحكومة الإسرائيلية المتشدّدة إلى حدّ التزمّت. يتفاخر وزير المال الشديد التطرّف بتسلئيل سموتريتش بأنه العقل المدبّر لما يُعرف في الأروقة الإسرائيلية المظلمة بـ”ثورة الاستيطان” في الضفة الغربية، التي ترمي في نهاية المطاف إلى منع قيام دولة فلسطينية حتى على فتات ما تبقّى من أراضٍ فلسطينية، وجعل رحلة ضمّ الضفة إلى الأراضي الإسرائيلية مع الوقت أمرًا واقعًا يصعب تبديله.
طموحات سموتريتش الاستيطانية الجامحة ليست يتيمة، فوزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي لا يقلّ تطرّفًا عنه، لاقاه في منتصف الطريق الاستيطاني، من خلال إيعازه إلى الجيش بإعداد خطة لنقل المسؤوليات الأمنية المرتبطة بالمستوطنين في الضفة من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية. وبذلك تخرج الضفة من تحت عباءة الجيش الإسرائيلي باعتبارها أراضٍ محتلّة تخضع لسلطته، إلى كنف الشرطة، لتشكّل الخطوة بذلك وثبة كبيرة على طريق إخضاع المستوطنات لمنظومة مدنية إسرائيلية، وبالتالي تعزيز مسار الضمّ الفعلي على الأرض وليس فقط على الورق.
لا تكمن المعضلة الفلسطينية فقط في مضاعفة عدد المستوطنات، بل في سعي الدولة العبرية الحثيث إلى تعديل طبيعة الإدارة الإسرائيلية للأراضي المقضومة. وفي حال نجحت الخطة، تنتفي حاجة تل أبيب إلى إعلان الضمّ رسميًا لتغيير واقع الضفة، وستعوّل حينها على فرض واقع ميداني وعملياتي ينتهي بالضمّ. وبذلك تكون حكومة نتنياهو حيّدت نفسها عن سهام الانتقادات العربية والأميركية والدولية، بينما تعمّق سيطرتها على أجزاء شاسعة من “يهودا والسامرة”، وفقًا للتسمية التوراتية.
يلاقي المستوطنون المتطرّفون حكومتهم اليمينية على تشديد الخناق على فلسطينيي الضفة. فما يُعرف بـ”فتيان التلال” المتطرّفين، يحظون بغطاء الجيش الإسرائيلي لا بل بدعمه، لمواصلة التنكيل بسكان الضفة لإرغامهم على التخلّي عن منازلهم وأراضيهم الزراعية، ليمسي عنف المستوطنين جزءًا لا يتجزأ من المعادلة السياسية المرسومة بإتقان. لا يقتصر الهدف فقط على إلحاق الضرر المرحلي بالسكان، بل يرقى إلى إفراغ ممنهج لمناطق كاملة من سكانها بهدف فرض وقائع جديدة على أرض الواقع لصالح المستوطنين، لتضحي معركة الضفة على الجغرافيا، وليس فقط مجرّد ملف أمني.
وسط هذه التحدّيات، تجد السلطة الفلسطينية نفسها عاجزة بالكامل، أمام معادلة شديدة التعقيد، جعلت وظيفتها تقتصر فقط على إصدار بيانات التنديد بالتجاوزات الإسرائيلية وإحصائها. استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الضفة وفلسطينييها سيقود إمّا إلى عودة التصعيد المتدرج وصولًا إلى انتفاضة جديدة قد تتمّ عسكرتها لاحقًا، وإمّا إلى استمرار الستاتيكو الحالي من حال “نصف الحرب ونصف السلم”. وفي الحالين، سيصبح تطبيق حلّ الدولتين أمرًا صعب المنال لا بل شبه مستحيل.
مشروع ضمّ الضفة… بين معركتي الأمن والجغرافيا

عاد المشهد الأمني المضطرب في الضفة الغربية ليتصدّر واجهة التطورات في المنطقة. فتنامي وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة على فلسطينيي الضفة وأملاكهم، ومحاصرة منازلهم ومحالهم التجارية، خصوصًا في بلدة قصرة الواقعة في جنوب شرق نابلس، والمزنّرة بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية، ليس وليد ساعته، ولا يُعدّ فقط توترًا أمنيًا ظرفيًا، بل يبدو أنه يخفي في طياته سيناريو هدفه إعادة رسم الواقع الجغرافي ثم السياسي فالقانوني للضفة المقطّعة الأوصال أصلًا، وصولًا إلى تحقيق مشروع ضمّها بالكامل.
ليس غريبًا ما حصل في الضفة في الأيام الأخيرة. فالتطرّف اليميني يقود الحكومة الإسرائيلية المتشدّدة إلى حدّ التزمّت. يتفاخر وزير المال الشديد التطرّف بتسلئيل سموتريتش بأنه العقل المدبّر لما يُعرف في الأروقة الإسرائيلية المظلمة بـ”ثورة الاستيطان” في الضفة الغربية، التي ترمي في نهاية المطاف إلى منع قيام دولة فلسطينية حتى على فتات ما تبقّى من أراضٍ فلسطينية، وجعل رحلة ضمّ الضفة إلى الأراضي الإسرائيلية مع الوقت أمرًا واقعًا يصعب تبديله.
طموحات سموتريتش الاستيطانية الجامحة ليست يتيمة، فوزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي لا يقلّ تطرّفًا عنه، لاقاه في منتصف الطريق الاستيطاني، من خلال إيعازه إلى الجيش بإعداد خطة لنقل المسؤوليات الأمنية المرتبطة بالمستوطنين في الضفة من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية. وبذلك تخرج الضفة من تحت عباءة الجيش الإسرائيلي باعتبارها أراضٍ محتلّة تخضع لسلطته، إلى كنف الشرطة، لتشكّل الخطوة بذلك وثبة كبيرة على طريق إخضاع المستوطنات لمنظومة مدنية إسرائيلية، وبالتالي تعزيز مسار الضمّ الفعلي على الأرض وليس فقط على الورق.
لا تكمن المعضلة الفلسطينية فقط في مضاعفة عدد المستوطنات، بل في سعي الدولة العبرية الحثيث إلى تعديل طبيعة الإدارة الإسرائيلية للأراضي المقضومة. وفي حال نجحت الخطة، تنتفي حاجة تل أبيب إلى إعلان الضمّ رسميًا لتغيير واقع الضفة، وستعوّل حينها على فرض واقع ميداني وعملياتي ينتهي بالضمّ. وبذلك تكون حكومة نتنياهو حيّدت نفسها عن سهام الانتقادات العربية والأميركية والدولية، بينما تعمّق سيطرتها على أجزاء شاسعة من “يهودا والسامرة”، وفقًا للتسمية التوراتية.
يلاقي المستوطنون المتطرّفون حكومتهم اليمينية على تشديد الخناق على فلسطينيي الضفة. فما يُعرف بـ”فتيان التلال” المتطرّفين، يحظون بغطاء الجيش الإسرائيلي لا بل بدعمه، لمواصلة التنكيل بسكان الضفة لإرغامهم على التخلّي عن منازلهم وأراضيهم الزراعية، ليمسي عنف المستوطنين جزءًا لا يتجزأ من المعادلة السياسية المرسومة بإتقان. لا يقتصر الهدف فقط على إلحاق الضرر المرحلي بالسكان، بل يرقى إلى إفراغ ممنهج لمناطق كاملة من سكانها بهدف فرض وقائع جديدة على أرض الواقع لصالح المستوطنين، لتضحي معركة الضفة على الجغرافيا، وليس فقط مجرّد ملف أمني.
وسط هذه التحدّيات، تجد السلطة الفلسطينية نفسها عاجزة بالكامل، أمام معادلة شديدة التعقيد، جعلت وظيفتها تقتصر فقط على إصدار بيانات التنديد بالتجاوزات الإسرائيلية وإحصائها. استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الضفة وفلسطينييها سيقود إمّا إلى عودة التصعيد المتدرج وصولًا إلى انتفاضة جديدة قد تتمّ عسكرتها لاحقًا، وإمّا إلى استمرار الستاتيكو الحالي من حال “نصف الحرب ونصف السلم”. وفي الحالين، سيصبح تطبيق حلّ الدولتين أمرًا صعب المنال لا بل شبه مستحيل.











