الرسوم البيئية تنتقل من الإنتاج إلى المستهلك: ضرائب فوق ضرائب… على حساب الاقتصاد

الكاتب: رماح هاشم | المصدر: نداء الوطن
19 آب 2026

لم يعد السؤال الاقتصادي اليوم ما إذا كان لبنان يحتاج إلى تمويل مستدام لمعالجة أزمة النفايات، بل من سيتحمّل فاتورة هذا التمويل؟ إقرار ضرائب ورسوم جديدة يُتوقع أن تؤمّن نحو 150 مليون دولار سنويًا يعيد إلى الواجهة معضلة الاقتصاد اللبناني المزمنة: الدولة تفرض ضرائب جديدة كلما احتاجت إلى إيرادات، فيما تتأخر الإصلاحات البنيوية التي من شأنها ضبط الإنفاق ووقف الهدر وتحسين كفاءة المالية العامة. وفي ظل تآكل القدرة الشرائية وتراجع مداخيل الأسر، لا تعود الضريبة الجديدة مجرد مورد إضافي للخزينة، بل تتحول إلى كلفة إضافية قابلة للانتقال إلى الأسعار والاستهلاك والإنتاج.

لا تبدو الدولة وكأنها تعالج الأزمات بقدر ما تعيد توزيع كلفتها على الاقتصاد. وبدلا من أن تتحول أزمة النفايات إلى مناسبة لإعادة تنظيم قطاع يُعاني منذ سنوات من اختلالات في الإدارة والتمويل، يُطرح الحل مجددًا من بوابة الضرائب والرسوم، أي من الجهة الأسهل تحصيلا والأسرع وصولا إلى جيب المواطن. وهكذا يتمّ دفع الاقتصاد نحو معادلة غير متوازنة: دولة تحتاج إلى الإيرادات، ومواطن وقطاع إنتاجي يُطلب منهما تحمّل المزيد، من دون أن يقابلهما بالضرورة تحسن موازٍ في مستوى الخدمات أو كفاءة الإنفاق العام.

المشكلة، إذًا، لا تكمن في الحاجة إلى معالجة النفايات، وهي خدمة عامة لا تحتمل التأجيل، بل في آلية تمويلها، وفي احتمال تحميل الاقتصاد مجددًا كلفة سوء الإدارة عبر جيوب المواطنين. فالـ150 مليون دولار المستهدفة لن تأتي من فراغ، بل ستُحصّل في نهاية المطاف من اقتصاد يعاني أصلا من ضعف النمو وتراجع الاستثمار وارتفاع كلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأكثر حدّة: إلى أي حد تستطيع الدولة مواصلة رفع الضرائب والرسوم لتمويل خدمات يفترض أن تشكل جزءًا من مسؤولياتها، قبل أن تتحول الجباية نفسها إلى عامل ضغط إضافي على النمو والإنتاج والاستهلاك.

الضرائب تطال سلة واسعة من السلع

اللافت أن الضرائب الجديدة لم تقتصر على الكماليات، بل طالت مجموعة واسعة من السلع والمواد التي تدخل في الاستهلاك اليومي أو ترتبط مباشرة بكلفة الإنتاج والمعيشة. فالمشروبات والسوائل الكحولية والخل ارتفعت ضريبتها بنسبة 3 %، وكذلك التبغ وأبدال التبغ المصنّعة، فيما فُرضت ضريبة بنسبة 3 % على النفايات ومخلّفات الأغذية. كما بلغت الضريبة على الملح والكبريت والإسمنت 1.5 %.

وطالت الضرائب أيضًا المنتجات الكيماوية العضوية بنسبة 1.5 %، وخلاصات الدباغة والصباغة ومشتقاتها بالنسبة نفسها، فيما بلغت على الزيوت ومحضرات العطور والتجميل 2 %. أما المنتجات الكيماوية المتنوعة، واللدائن ومصنوعاتها، والمطاط ومصنوعاته، ففرضت عليها ضريبة بنسبة 1.5 %.

ولم تسلم المنتجات الجلدية من الزيادة، إذ بلغت الضريبة على المصنوعات من الجلد ولوازم السفر 2 %، وعلى الجلود والفراء ومصنوعاتها 2 % أيضًا. كما شملت الضريبة الخشب ومصنوعاته والفحم الخشبي بنسبة 1.5 %، والورق والكرتون ومصنوعاتهما وعجائن السليلوز بنسبة 1.5 %.

وفي قطاع الألبسة، فُرضت ضريبة بنسبة 1.5% على الألبسة وتوابعها، فيما طالت النسبة نفسها الأحذية وأجزائها. وشملت الضرائب أيضًا المصنوعات من الحجر أو الإسمنت أو الحرير الصخري أو الميكا بنسبة 1.5 %، ومنتجات الخزف والزجاج ومصنوعاتهما بالنسبة نفسها.

أما القطاع الصناعي، فلم يكن في منأى عن الزيادات، إذ بلغت الضريبة على المفاعلات والمراجل والآلات والأجهزة والأدوات الآلية 1.5 %، وكذلك على الآلات والأجهزة الكهربائية وأجزائها. وفي قطاع النقل، ارتفعت الضريبة على السيارات والجرارات والدراجات والعربات الأرضية الأخرى إلى 3 %، ما يعني كلفة إضافية مباشرة على قطاع النقل والمستهلكين في آن واحد.

ولم تتوقف القائمة عند هذا الحد، إذ شملت أيضًا أدوات وأجهزة التصوير الفوتوغرافي والبصري بنسبة 1.5 %، وأصناف صناعة الساعات وأجزائها بنسبة 3 %، فيما طالت حتى ألعاب الأطفال وأصناف التسلية والرياضة بنسبة 1.5 %.

وفي مقابل اتساع قاعدة السلع المشمولة بالرسوم، تبرز المخاوف من ألا تتوقف آثارها عند حدود المستورد أو السلعة الخاضعة مباشرة للضريبة، بل أن تتسرب تدريجيًا إلى مختلف حلقات الإنتاج وصولا إلى المستهلك.

البساط: حتى نسبة الـ1 أو 2 % ستُحدث فرقًا

في هذا السياق، يلفت أمين عام العلاقات الخارجية في جمعية الصناعيين اللبنانيين، منير البساط، إلى أن “كل الاجتماعات التي عُقدت هدفت إلى إلغاء الضرائب عن المواد الأولية والمحروقات”.

ويشير البساط لـ “نداء الوطن”، إلى أنه “صحيح أن الضرائب لم تطل المواد الأولية للصناعة، إلا أنه، وكما نعلم، فإن أي نوع من الضرائب، وكذلك ما يُسمّى رسمًا جمركيًا، يخضع للتشريع الجمركي، وهو في النتيجة ضريبة لها آثار تراكمية وتضخمية، ومن المؤكد أنها ستنعكس ارتفاعًا في الأسعار”.

ويشرح أن “المشكلة تصبح تراكمية. على سبيل المثال، إذا فُرضت ضريبة على الزجاج، علمًا أنه يشكّل مادة أساسية لتخزين العديد من المنتجات الغذائية، فإن سعره سيرتفع، وبالتالي سترتفع كلفة المادة التي تُوضع في الزجاج. وهكذا تستمر الضريبة في الانتقال من حلقة إلى أخرى، لتصل في نهاية المطاف إلى المستهلك”.

ويقول البساط : “في هذه الأيام، وفي ظل التضخم الذي نعيشه، حتى نسبة الـ1 أو 2 % ستُحدث فرقًا”.

يختم البساط بالتشديد على أن “الهدف من هذه الضرائب هو جمع الأموال من أجل معالجة أزمة النفايات، ونحن نتمنى أن يتحقق ذلك، وألا يتكرّر ما حصل في السابق عندما وُضع قانون حماية الإنتاج الوطني، وفُرض حينها 1.5 % لدعم الصناعة والنسبة ذاتها لدعم القروض الإسكانية. إلا أن ما حصل هو أن نسبة الـ3 % ذهبت لتسديد العجز في خزينة الدولة، ولم نشهد منها أي شيء”.

يضيف: “نحن لسنا ضد معالجة أزمة النفايات، لا سيما أننا نعاني منها كثيرًا، لكننا نتمنى ألا يدفع الشعب اللبناني هذه الضريبة من دون أن يلمس نتائجها أو يستفيد منها”.

وبالتالي، فإن الحديث عن تأمين 150 مليون دولار سنويًا لا يمكن فصله عن الكلفة التي سيتحمّلها المستهلك والقطاعات الاقتصادية. فكل ضريبة جديدة، وإن كانت تبدو محدودة كنسبة مئوية، تتحول في النهاية إلى كلفة إضافية قد تنتقل من المستورد إلى التاجر، ومن التاجر إلى المستهلك، لتُضاف إلى سلسلة طويلة من الضرائب والرسوم التي يدفعها المواطن اللبناني أصلا.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل أصبح تمويل معالجة النفايات مسؤولية المواطن وحده؟ وهل يحتمل الاقتصاد اللبناني والمستهلك المزيد من الضرائب، في وقت لا تزال فيه القدرة الشرائية للمواطن تحت ضغط كبير؟

الرسوم البيئية تنتقل من الإنتاج إلى المستهلك: ضرائب فوق ضرائب… على حساب الاقتصاد

الكاتب: رماح هاشم | المصدر: نداء الوطن
19 آب 2026

لم يعد السؤال الاقتصادي اليوم ما إذا كان لبنان يحتاج إلى تمويل مستدام لمعالجة أزمة النفايات، بل من سيتحمّل فاتورة هذا التمويل؟ إقرار ضرائب ورسوم جديدة يُتوقع أن تؤمّن نحو 150 مليون دولار سنويًا يعيد إلى الواجهة معضلة الاقتصاد اللبناني المزمنة: الدولة تفرض ضرائب جديدة كلما احتاجت إلى إيرادات، فيما تتأخر الإصلاحات البنيوية التي من شأنها ضبط الإنفاق ووقف الهدر وتحسين كفاءة المالية العامة. وفي ظل تآكل القدرة الشرائية وتراجع مداخيل الأسر، لا تعود الضريبة الجديدة مجرد مورد إضافي للخزينة، بل تتحول إلى كلفة إضافية قابلة للانتقال إلى الأسعار والاستهلاك والإنتاج.

لا تبدو الدولة وكأنها تعالج الأزمات بقدر ما تعيد توزيع كلفتها على الاقتصاد. وبدلا من أن تتحول أزمة النفايات إلى مناسبة لإعادة تنظيم قطاع يُعاني منذ سنوات من اختلالات في الإدارة والتمويل، يُطرح الحل مجددًا من بوابة الضرائب والرسوم، أي من الجهة الأسهل تحصيلا والأسرع وصولا إلى جيب المواطن. وهكذا يتمّ دفع الاقتصاد نحو معادلة غير متوازنة: دولة تحتاج إلى الإيرادات، ومواطن وقطاع إنتاجي يُطلب منهما تحمّل المزيد، من دون أن يقابلهما بالضرورة تحسن موازٍ في مستوى الخدمات أو كفاءة الإنفاق العام.

المشكلة، إذًا، لا تكمن في الحاجة إلى معالجة النفايات، وهي خدمة عامة لا تحتمل التأجيل، بل في آلية تمويلها، وفي احتمال تحميل الاقتصاد مجددًا كلفة سوء الإدارة عبر جيوب المواطنين. فالـ150 مليون دولار المستهدفة لن تأتي من فراغ، بل ستُحصّل في نهاية المطاف من اقتصاد يعاني أصلا من ضعف النمو وتراجع الاستثمار وارتفاع كلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأكثر حدّة: إلى أي حد تستطيع الدولة مواصلة رفع الضرائب والرسوم لتمويل خدمات يفترض أن تشكل جزءًا من مسؤولياتها، قبل أن تتحول الجباية نفسها إلى عامل ضغط إضافي على النمو والإنتاج والاستهلاك.

الضرائب تطال سلة واسعة من السلع

اللافت أن الضرائب الجديدة لم تقتصر على الكماليات، بل طالت مجموعة واسعة من السلع والمواد التي تدخل في الاستهلاك اليومي أو ترتبط مباشرة بكلفة الإنتاج والمعيشة. فالمشروبات والسوائل الكحولية والخل ارتفعت ضريبتها بنسبة 3 %، وكذلك التبغ وأبدال التبغ المصنّعة، فيما فُرضت ضريبة بنسبة 3 % على النفايات ومخلّفات الأغذية. كما بلغت الضريبة على الملح والكبريت والإسمنت 1.5 %.

وطالت الضرائب أيضًا المنتجات الكيماوية العضوية بنسبة 1.5 %، وخلاصات الدباغة والصباغة ومشتقاتها بالنسبة نفسها، فيما بلغت على الزيوت ومحضرات العطور والتجميل 2 %. أما المنتجات الكيماوية المتنوعة، واللدائن ومصنوعاتها، والمطاط ومصنوعاته، ففرضت عليها ضريبة بنسبة 1.5 %.

ولم تسلم المنتجات الجلدية من الزيادة، إذ بلغت الضريبة على المصنوعات من الجلد ولوازم السفر 2 %، وعلى الجلود والفراء ومصنوعاتها 2 % أيضًا. كما شملت الضريبة الخشب ومصنوعاته والفحم الخشبي بنسبة 1.5 %، والورق والكرتون ومصنوعاتهما وعجائن السليلوز بنسبة 1.5 %.

وفي قطاع الألبسة، فُرضت ضريبة بنسبة 1.5% على الألبسة وتوابعها، فيما طالت النسبة نفسها الأحذية وأجزائها. وشملت الضرائب أيضًا المصنوعات من الحجر أو الإسمنت أو الحرير الصخري أو الميكا بنسبة 1.5 %، ومنتجات الخزف والزجاج ومصنوعاتهما بالنسبة نفسها.

أما القطاع الصناعي، فلم يكن في منأى عن الزيادات، إذ بلغت الضريبة على المفاعلات والمراجل والآلات والأجهزة والأدوات الآلية 1.5 %، وكذلك على الآلات والأجهزة الكهربائية وأجزائها. وفي قطاع النقل، ارتفعت الضريبة على السيارات والجرارات والدراجات والعربات الأرضية الأخرى إلى 3 %، ما يعني كلفة إضافية مباشرة على قطاع النقل والمستهلكين في آن واحد.

ولم تتوقف القائمة عند هذا الحد، إذ شملت أيضًا أدوات وأجهزة التصوير الفوتوغرافي والبصري بنسبة 1.5 %، وأصناف صناعة الساعات وأجزائها بنسبة 3 %، فيما طالت حتى ألعاب الأطفال وأصناف التسلية والرياضة بنسبة 1.5 %.

وفي مقابل اتساع قاعدة السلع المشمولة بالرسوم، تبرز المخاوف من ألا تتوقف آثارها عند حدود المستورد أو السلعة الخاضعة مباشرة للضريبة، بل أن تتسرب تدريجيًا إلى مختلف حلقات الإنتاج وصولا إلى المستهلك.

البساط: حتى نسبة الـ1 أو 2 % ستُحدث فرقًا

في هذا السياق، يلفت أمين عام العلاقات الخارجية في جمعية الصناعيين اللبنانيين، منير البساط، إلى أن “كل الاجتماعات التي عُقدت هدفت إلى إلغاء الضرائب عن المواد الأولية والمحروقات”.

ويشير البساط لـ “نداء الوطن”، إلى أنه “صحيح أن الضرائب لم تطل المواد الأولية للصناعة، إلا أنه، وكما نعلم، فإن أي نوع من الضرائب، وكذلك ما يُسمّى رسمًا جمركيًا، يخضع للتشريع الجمركي، وهو في النتيجة ضريبة لها آثار تراكمية وتضخمية، ومن المؤكد أنها ستنعكس ارتفاعًا في الأسعار”.

ويشرح أن “المشكلة تصبح تراكمية. على سبيل المثال، إذا فُرضت ضريبة على الزجاج، علمًا أنه يشكّل مادة أساسية لتخزين العديد من المنتجات الغذائية، فإن سعره سيرتفع، وبالتالي سترتفع كلفة المادة التي تُوضع في الزجاج. وهكذا تستمر الضريبة في الانتقال من حلقة إلى أخرى، لتصل في نهاية المطاف إلى المستهلك”.

ويقول البساط : “في هذه الأيام، وفي ظل التضخم الذي نعيشه، حتى نسبة الـ1 أو 2 % ستُحدث فرقًا”.

يختم البساط بالتشديد على أن “الهدف من هذه الضرائب هو جمع الأموال من أجل معالجة أزمة النفايات، ونحن نتمنى أن يتحقق ذلك، وألا يتكرّر ما حصل في السابق عندما وُضع قانون حماية الإنتاج الوطني، وفُرض حينها 1.5 % لدعم الصناعة والنسبة ذاتها لدعم القروض الإسكانية. إلا أن ما حصل هو أن نسبة الـ3 % ذهبت لتسديد العجز في خزينة الدولة، ولم نشهد منها أي شيء”.

يضيف: “نحن لسنا ضد معالجة أزمة النفايات، لا سيما أننا نعاني منها كثيرًا، لكننا نتمنى ألا يدفع الشعب اللبناني هذه الضريبة من دون أن يلمس نتائجها أو يستفيد منها”.

وبالتالي، فإن الحديث عن تأمين 150 مليون دولار سنويًا لا يمكن فصله عن الكلفة التي سيتحمّلها المستهلك والقطاعات الاقتصادية. فكل ضريبة جديدة، وإن كانت تبدو محدودة كنسبة مئوية، تتحول في النهاية إلى كلفة إضافية قد تنتقل من المستورد إلى التاجر، ومن التاجر إلى المستهلك، لتُضاف إلى سلسلة طويلة من الضرائب والرسوم التي يدفعها المواطن اللبناني أصلا.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل أصبح تمويل معالجة النفايات مسؤولية المواطن وحده؟ وهل يحتمل الاقتصاد اللبناني والمستهلك المزيد من الضرائب، في وقت لا تزال فيه القدرة الشرائية للمواطن تحت ضغط كبير؟

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار