أذربيجان وسويسرا على الطاولة… من يسلم مفتاح الأمن في جنوب لبنان؟

مصادر في واشنطن تؤكد أن موضوع “اليونيفيل” بات منتهياً من الناحية الأميركية، وأن الأولوية باتت لتحديد الجهة التي ستتولى التحقق من تنفيذ الشق الأمني لاتفاق الإطار، قبل أي بحث في بديل للقوة الدولية.
تتسارع وتيرة الاتصالات الدبلوماسية والعسكرية بين لبنان وعدد من الدول المتابعة والفاعلة في الملف الجنوبي، مع اقتراب موعد انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) نهاية العام الحالي، بعدما مدد مجلس الأمن الدولي، في أغسطس (آب) من العام الماضي، تفويض القوة للمرة الأخيرة حتى الـ31 من دسمبر (كانون الأول) 2026، على أن تبدأ عملية انسحاب تدريجي ومنسق اعتباراً من مطلع عام 2027.
في المقابل تؤكد مصادر دبلوماسية أن الملف الأمني في جنوب لبنان دخل مرحلة انتظار دقيقة ترتبط مباشرة بالمسار التفاوضي، الذي بدأ في واشنطن ويستكمل في روما.
إذ يتبين أن أي تحرك يتعلق بمستقبل القوة الدولية العاملة في الجنوب لن يتخذ شكله النهائي قبل أن يحسم مسار أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الجانبين الأميركي والإسرائيلي، وهو تحديد الجهة التي ستتولى التحقق من تنفيذ اتفاق الإطار، وتحديداً في شقه الأمني. ومن الواضح أن هذا الموضوع يتقدم في واشنطن على ما عداه من مواضيع أخرى ولا سيما موضوع “اليونيفيل” الذي تبدي واشنطن وكذلك تل أبيب حساسية مفرطة حيالها وحيال أي تجديد لولايتها، مما يجعل الأولوية الأميركية الواضحة منصبة على إنجاح المسار التفاوضي أولاً، على أن يبنى عليه لاحقاً أي ترتيب يخص القوة الدولية.
ملف “اليونيفيل” انتهى
تكشف مصادر دبلوماسية في واشنطن عن أن رئيس الجمهورية جوزاف عون طرح، خلال لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مسألة تجديد ولاية “اليونيفيل” حتى عام 2030، أي لثلاث سنوات إضافية بعد الموعد المفترض لانتهاء مهماتها التنفيذية في عام 2027. وبحسب المصادر ذاتها، استمع ترمب إلى الطرح من دون أن يبدي أي تعليق عليه. وتؤكد المصادر أن ملف القوة الأممية بات، من وجهة النظر الأميركية، ملفاً منتهياً، وأنه لا مجال لتجديد ولايتها بصيغتها الحالية. أما ما قد تقبل به واشنطن، فهو تشكيل كيان أممي جديد، يكون مكملاً لجهودها على مستوى المسار التفاوضي، لا بديلاً عنه ولا موازياً له.
وفي أية حال القرار المتعلق بمستقبل الوجود الدولي في الجنوب يجب أن يحسم خلال أربعة أشهر، أي قبل نهاية العام الحالي، مما يفرض على لبنان إعداد صيغة متكاملة يقترحها بنفسه، والعمل بالتوازي على إقناع الدول المعنية والمؤثرة بالسير بهذه الصيغة قبل فوات الأوان.
وتكشف مصادر دبلوماسية عن أن لبنان وعلى رغم الدفع باتجاه التجديد لـ”اليونيفيل” في العلن إلا أنه يعمل على مقاربة بديلة، تقوم على اقتراح تشكيل قوة أممية جديدة، مهمتها التحقق والمراقبة، تصدر بتفويض من مجلس الأمن الدولي، بما يمنحها وزناً وقوة إلزامية أكبر مقارنة بأي تشكيل يقوم فقط على موافقة الدولة المضيفة. وما يتمسك به لبنان هو أن تكون أية قوة بديلة مستندة إلى شرعية أممية واضحة، لا إلى ترتيبات ثنائية أو موافقات محلية فحسب. هذا وتنشط الدبلوماسية اللبنانية في نيويورك، على تفادي الربط العضوي بين المسار التفاوضي ومسألة القوة الدولية في الجنوب، انطلاقاً من إدراك السلطة اللبنانية أن المسار التفاوضي قد يستغرق وقتاً أطول مما هو متاح، وسط بطء لافت يطبع مجمل هذا المسار. وتستحضر الدبلوماسية اللبنانية في هذا السياق القرار 1701 بكل مندرجاته كمرجعية بديلة قائمة، بما تتضمنه من أحكام تتعلق بالانسحاب واتفاق الهدنة، وأن وجود قوة أممية كان عاملاً مهماً، وصار أكثر إلحاحاً بعد الحرب الأخيرة، بما يخدم مباشرة تحقيق الأهداف المرجوة من اتفاق الإطار.
هل تكون الجهة المدققة بديلة عن “اليونيفيل”؟
يسود اعتقاد في الكواليس الدبلوماسية بأن نجاح الجهة الدولية المكلفة التدقيق في عملية نزع سلاح “حزب الله” وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق النموذجية، قد يشكل بديلاً فعلياً عن قوة “اليونيفيل”. ذلك أن نجاح هذا الاختبار من شأنه أن ينهي الحاجة إلى قوة دولية بعد اكتمال الانسحاب الإسرائيلي، واحتكار الجيش اللبناني للسلاح، وإبرام اتفاق أمني ينص على إنهاء حالة الحرب بين البلدين.
وحتى الساعة، لا تزال الجهة المدققة غير محسومة، ولم يتفق بعد على الدولة التي ستتولى هذه المهمة الحساسة. وكان آخر اقتراح نوقش في الاتصالات التي يجريها رئيس لجنة التنسيق العسكرية، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، مع لبنان وإسرائيل، قد تضمن لائحة من خمس دول للاختيار، من بينها: أذربيجان وسويسرا وإيطاليا وبريطانيا وإندونيسيا.
بدوره أعلن الحزب رفضه القاطع لأية مشاركة من بريطانيا وأذربجيان، فعلى أي أساس سيقع الاختيار؟
سويسرا: الحياد وخبرة نزع السلاح
يوضح العميد المتقاعد سعيد القزح أن المبدأ الحاكم لاختيار الدولة المكلفة يرتكز على موافقة ثلاثة أطراف: لبنان وإسرائيل، وبطبيعة الحال الولايات المتحدة الأميركية. وتحظى سويسرا بثقة جميع الأطراف بفضل حيادها الدبلوماسي التاريخي، إضافة إلى خبرتها التقنية المتراكمة في عمليات نزع السلاح وضمان تطبيق الاتفاقات الدولية. فقد شاركت سويسرا منذ عام 1953 في لجنة مراقبة الهدنة ووقف النار بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، وهي مهمة لا تزال تمارسها حتى اليوم. كما شاركت في فرق الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، كما تملك سويسرا أيضاً خبرة في جمع السلاح ومخلفات الحروب، عبر فرق متخصصة عالية التدريب شاركت في مهمات مماثلة في البوسنة والهرسك.
إيطاليا: الوسيط المقبول من الجميع
أما اقتراح إيطاليا فيرتكز بحسب القزح إلى تاريخها الطويل في المشاركة بـ”اليونيفيل” منذ عام 1978، وتحولها بعد عام 2006، إلى جانب فرنسا وإسبانيا، إلى إحدى أكبر الوحدات العسكرية المشاركة في القوة الدولية. وتتولى إيطاليا حالياً قيادة قوة حفظ السلام جنوب لبنان، وتربطها علاقات ممتازة بالدولة اللبنانية وبأهالي الجنوب، الذين تقدم لهم خدمات صحية عبر مستشفى أنشأته هناك. وهي مقبولة من واشنطن وتل أبيب على حد سواء، وإن كانت إيطاليا هي التي اقترحت أن تكون إلى جانب فرنسا في قوة التدقيق، قبل أن يحول الفيتو الأميركي والإسرائيلي على باريس دون ذلك، وبفضل علاقاتها المتوازنة مع واشنطن وتل أبيب وبيروت، تبدو إيطاليا مؤهلة لأداء دور الوسيط.
بريطانيا: القدرات الاستخبارية والحزم العسكري
بريطانيا بحسب العميد المتقاعد تعد قوة عظمى تتمتع بقدرات استخبارية منتشرة عالمياً، أبرزها مركز المخابرات البريطاني في قبرص، مما يمنحها سهولة تحرك مباشر باتجاه لبنان. وهي دولة متخصصة في أجهزة المراقبة، ويمكن أن توفر رادارات ومسيرات وأجهزة كشف ورصد متطورة. ولا يمكن إغفال دورها السابق في نشر أبراج المراقبة على الحدود اللبنانية السورية، ومشروعها المطروح على الدولة اللبنانية لاستكمال هذه الأبراج على الحدود الجنوبية أيضاً. وتعرف بريطانيا بحزمها العسكري وعدم قابليتها للمساومة، لا سيما في ظل رئيس وزرائها الحالي الذي سمح للقوات الأميركية باستخدام القواعد العسكرية البريطانية لضرب إيران.
أذربيجان: الخيار الإسرائيلي بامتياز
يعود ترشيح أذربيجان إلى الشراكة الأمنية والعسكرية القوية التي تجمعها بإسرائيل، مما يجعل وجودها مطمئناً لتل أبيب في ظل التحالف الأمني والعسكري القائم بين البلدين. وتردد وفق العميد قزح أن طلعات جوية إسرائيلية استخدمت خلال الحرب الأخيرة بين أميركا وإسرائيل وإيران انطلاقاً من الأراضي الأذربيجانية لأغراض استخبارية، وعلى رغم الثقة الإسرائيلية الكبيرة بأذربيجان، وعدم وجود فيتو لبناني رسمي عليها، فإن “حزب الله” يرفض رفضاً قاطعاً مشاركتها إلى جانب بريطانيا في أية قوة دولية محتملة.
إندونيسيا: القبول من كل الأطراف
يتابع العميد المتقاعد شارحاً أن إندونيسيا بصفتها أكبر دولة إسلامية في العالم، قد تحظى بقبول من بيئة “حزب الله”، من دون أن تثير حساسية لدى الأطراف الأخرى، خصوصاً أنها مشاركة أصلاً في “اليونيفيل” وتملك خبرة ميدانية في التعامل مع أهالي الجنوب وفهم حساسياتهم اليومية تجاه قوات الأمم المتحدة. وهي في الوقت نفسه مقبولة من إسرائيل ولبنان وأميركا على حد سواء، مما يجعلها خياراً توافقياً محتملاً.
البعثة الأوروبية المرتقبة إلى لبنان تتقدم خطوة خطوة
وفي وقت يواصل فيه لبنان البحث عن صيغة بديلة للوجود الدولي في الجنوب، تنكشف تفاصيل مسار مواز يتقدم بهدوء في بروكسل وعواصم أوروبية عدة: التحضير لبعثة جديدة في إطار السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي (CSDP)، تتابعها النمسا عن كثب ضمن النقاشات الأوروبية بمهمات مختلفة عن القوة البديلة عن “اليونيفيل” أو القوة المدققة في نزع سلاح الحزب. وعلى رغم أن التوجه السياسي العام للبعثة بات واضحاً، وأن مجالات عملها الأساسية تحددت إلى حد كبير، فإن طبيعة ولايتها النهائية، وحجمها، وهيكليتها، ومستوى مساهمة كل دولة عضو فيها، لا تزال مسائل مفتوحة لم تحسم بعد. وتشير التصورات الأولية وفق مصادر دبلوماسية اوروبية إلى أن البعثة يفترض أن تجمع بين بناء القدرات المدنية والتنسيق المدني – العسكري، على أن يكون هدفها الأساس تعزيز منظومة الأمن الداخلي للدولة اللبنانية، من دون أن تحل محل المؤسسات اللبنانية أو تتولى بنفسها مهمات أمنية تنفيذية. بعبارة أخرى، بعثة داعمة ومكملة، لا بديلة عن السيادة الأمنية اللبنانية.
ثلاثة محاور لمكون مدني ناشئ
ويرتكز الشق المدني من مهمة البعثة الأوروبية على ثلاثة محاور رئيسة تتكامل في ما بينها: الأول يتعلق بتعزيز القدرات العملياتية لقوى الأمن الداخلي في مكافحة الإرهاب والتهريب وترسيخ مبادئ سيادة القانون، أما المحور الثاني فيتناول تحسين حوكمة أمن المرافئ وإدارة الحدود البحرية والتنسيق الجمركي، وتعزيز التعاون بين الإدارات والمؤسسات الرسمية العاملة داخل المرافئ اللبنانية. ويختص المحور الثالث بتطوير القدرات المؤسسية والتدريبية لمعهد قوى الأمن الداخلي، من خلال إعداد أطر وطنية للتدريب وتطوير المناهج وتصميم برامج متخصصة في مجالات كالجرائم الإلكترونية ومكافحة التهريب.
ويحظى محور أمن المرافئ بأهمية خاصة ضمن هذه المنظومة، إذ لا يقتصر على تقديم معدات تقنية أو تنظيم دورات تدريبية منفصلة، بل يمتد ليشمل تقييماً شاملاً لاستراتيجية الدولة اللبنانية في شأن المرافئ، ومراجعة الدراسات والمبادرات السابقة التي نفذها الشركاء الدوليون، تمهيداً لتقديم الدعم اللازم لبناء حوكمة أكثر تنسيقاً وشفافية وخضوعاً للمساءلة.
خريطة طريق زمنية تمتد حتى مطلع 2027
يرسم المسار الأوروبي جدولاً زمنياً متدرجاً، فابتداء من شهر أغسطس (آب) الجاري، يتوقع أن يدخل التخطيط مرحلة أكثر عملية، مع زيارة مرتقبة لبيروت في النصف الثاني من الشهر تقوم بها بعثة مشتركة تضم ممثلين عن هياكل التخطيط المدنية والعسكرية في الاتحاد الأوروبي، تستخدم نتائجها لإعداد مفهوم عمليات مشترك وتوجيهات عسكرية أولية. وخلال سبتمبر (أيلول) المقبل، من المرتقب أن تتبع ذلك بعثة تقييم تقنية أكثر تفصيلاً للجانب المدني، مع احتمال تنظيم زيارة عسكرية إضافية تركز على المسائل اللوجستية والبنية التحتية اللازمة للتدريب، على أن تستكمل الدول الأعضاء خلال الشهر نفسه ردودها الأولية حول حصر القدرات المدنية المتاحة.
أما النصف الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، فسيخصص لاستكمال مفهوم العمليات المشترك واعتماده، تليه مرحلة ثانية من استشعار القدرات لدى الدول الأعضاء، بهدف تجميع المساهمات المحتملة، سواء على مستوى مقر البعثة أم الدعم الأوسع لها.
وفي حال استكملت هذه المراحل وتوافر التوافق السياسي المطلوب، يرجح أن ينظر مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي، في الـ12 من أكتوبر، في اتخاذ قرار رسمي بإنشاء البعثة. غير أن هذا القرار لن يعني بدء الانتشار الفوري، إذ سيستمر العمل خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ودسمبر (كانون الأول) على إعداد الخطط التشغيلية التفصيلية، تمهيداً لعرضها على الهيئات الأوروبية المختصة. وقد يصدر عن مجلس الاتحاد الأوروبي، في نهاية العام الحالي أو مطلع عام 2027، قرار ثان يأذن بالإطلاق الفعلي للبعثة، شرط توافر الظروف السياسية والأمنية المناسبة، إذ لن يبدأ الانتشار الميداني إلا بعد صدور هذا القرار. يبقى أن الحجم النهائي للبعثة وطبيعة ولايتها مرهونين بنتائج بعثات التقييم المقبلة، والاحتياجات التي ستعرضها السلطات اللبنانية، ومدى توافر الخبرات المتخصصة، ومستوى الدعم السياسي من جانب الدول الأعضاء.
أذربيجان وسويسرا على الطاولة… من يسلم مفتاح الأمن في جنوب لبنان؟

مصادر في واشنطن تؤكد أن موضوع “اليونيفيل” بات منتهياً من الناحية الأميركية، وأن الأولوية باتت لتحديد الجهة التي ستتولى التحقق من تنفيذ الشق الأمني لاتفاق الإطار، قبل أي بحث في بديل للقوة الدولية.
تتسارع وتيرة الاتصالات الدبلوماسية والعسكرية بين لبنان وعدد من الدول المتابعة والفاعلة في الملف الجنوبي، مع اقتراب موعد انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) نهاية العام الحالي، بعدما مدد مجلس الأمن الدولي، في أغسطس (آب) من العام الماضي، تفويض القوة للمرة الأخيرة حتى الـ31 من دسمبر (كانون الأول) 2026، على أن تبدأ عملية انسحاب تدريجي ومنسق اعتباراً من مطلع عام 2027.
في المقابل تؤكد مصادر دبلوماسية أن الملف الأمني في جنوب لبنان دخل مرحلة انتظار دقيقة ترتبط مباشرة بالمسار التفاوضي، الذي بدأ في واشنطن ويستكمل في روما.
إذ يتبين أن أي تحرك يتعلق بمستقبل القوة الدولية العاملة في الجنوب لن يتخذ شكله النهائي قبل أن يحسم مسار أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الجانبين الأميركي والإسرائيلي، وهو تحديد الجهة التي ستتولى التحقق من تنفيذ اتفاق الإطار، وتحديداً في شقه الأمني. ومن الواضح أن هذا الموضوع يتقدم في واشنطن على ما عداه من مواضيع أخرى ولا سيما موضوع “اليونيفيل” الذي تبدي واشنطن وكذلك تل أبيب حساسية مفرطة حيالها وحيال أي تجديد لولايتها، مما يجعل الأولوية الأميركية الواضحة منصبة على إنجاح المسار التفاوضي أولاً، على أن يبنى عليه لاحقاً أي ترتيب يخص القوة الدولية.
ملف “اليونيفيل” انتهى
تكشف مصادر دبلوماسية في واشنطن عن أن رئيس الجمهورية جوزاف عون طرح، خلال لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مسألة تجديد ولاية “اليونيفيل” حتى عام 2030، أي لثلاث سنوات إضافية بعد الموعد المفترض لانتهاء مهماتها التنفيذية في عام 2027. وبحسب المصادر ذاتها، استمع ترمب إلى الطرح من دون أن يبدي أي تعليق عليه. وتؤكد المصادر أن ملف القوة الأممية بات، من وجهة النظر الأميركية، ملفاً منتهياً، وأنه لا مجال لتجديد ولايتها بصيغتها الحالية. أما ما قد تقبل به واشنطن، فهو تشكيل كيان أممي جديد، يكون مكملاً لجهودها على مستوى المسار التفاوضي، لا بديلاً عنه ولا موازياً له.
وفي أية حال القرار المتعلق بمستقبل الوجود الدولي في الجنوب يجب أن يحسم خلال أربعة أشهر، أي قبل نهاية العام الحالي، مما يفرض على لبنان إعداد صيغة متكاملة يقترحها بنفسه، والعمل بالتوازي على إقناع الدول المعنية والمؤثرة بالسير بهذه الصيغة قبل فوات الأوان.
وتكشف مصادر دبلوماسية عن أن لبنان وعلى رغم الدفع باتجاه التجديد لـ”اليونيفيل” في العلن إلا أنه يعمل على مقاربة بديلة، تقوم على اقتراح تشكيل قوة أممية جديدة، مهمتها التحقق والمراقبة، تصدر بتفويض من مجلس الأمن الدولي، بما يمنحها وزناً وقوة إلزامية أكبر مقارنة بأي تشكيل يقوم فقط على موافقة الدولة المضيفة. وما يتمسك به لبنان هو أن تكون أية قوة بديلة مستندة إلى شرعية أممية واضحة، لا إلى ترتيبات ثنائية أو موافقات محلية فحسب. هذا وتنشط الدبلوماسية اللبنانية في نيويورك، على تفادي الربط العضوي بين المسار التفاوضي ومسألة القوة الدولية في الجنوب، انطلاقاً من إدراك السلطة اللبنانية أن المسار التفاوضي قد يستغرق وقتاً أطول مما هو متاح، وسط بطء لافت يطبع مجمل هذا المسار. وتستحضر الدبلوماسية اللبنانية في هذا السياق القرار 1701 بكل مندرجاته كمرجعية بديلة قائمة، بما تتضمنه من أحكام تتعلق بالانسحاب واتفاق الهدنة، وأن وجود قوة أممية كان عاملاً مهماً، وصار أكثر إلحاحاً بعد الحرب الأخيرة، بما يخدم مباشرة تحقيق الأهداف المرجوة من اتفاق الإطار.
هل تكون الجهة المدققة بديلة عن “اليونيفيل”؟
يسود اعتقاد في الكواليس الدبلوماسية بأن نجاح الجهة الدولية المكلفة التدقيق في عملية نزع سلاح “حزب الله” وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق النموذجية، قد يشكل بديلاً فعلياً عن قوة “اليونيفيل”. ذلك أن نجاح هذا الاختبار من شأنه أن ينهي الحاجة إلى قوة دولية بعد اكتمال الانسحاب الإسرائيلي، واحتكار الجيش اللبناني للسلاح، وإبرام اتفاق أمني ينص على إنهاء حالة الحرب بين البلدين.
وحتى الساعة، لا تزال الجهة المدققة غير محسومة، ولم يتفق بعد على الدولة التي ستتولى هذه المهمة الحساسة. وكان آخر اقتراح نوقش في الاتصالات التي يجريها رئيس لجنة التنسيق العسكرية، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، مع لبنان وإسرائيل، قد تضمن لائحة من خمس دول للاختيار، من بينها: أذربيجان وسويسرا وإيطاليا وبريطانيا وإندونيسيا.
بدوره أعلن الحزب رفضه القاطع لأية مشاركة من بريطانيا وأذربجيان، فعلى أي أساس سيقع الاختيار؟
سويسرا: الحياد وخبرة نزع السلاح
يوضح العميد المتقاعد سعيد القزح أن المبدأ الحاكم لاختيار الدولة المكلفة يرتكز على موافقة ثلاثة أطراف: لبنان وإسرائيل، وبطبيعة الحال الولايات المتحدة الأميركية. وتحظى سويسرا بثقة جميع الأطراف بفضل حيادها الدبلوماسي التاريخي، إضافة إلى خبرتها التقنية المتراكمة في عمليات نزع السلاح وضمان تطبيق الاتفاقات الدولية. فقد شاركت سويسرا منذ عام 1953 في لجنة مراقبة الهدنة ووقف النار بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، وهي مهمة لا تزال تمارسها حتى اليوم. كما شاركت في فرق الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، كما تملك سويسرا أيضاً خبرة في جمع السلاح ومخلفات الحروب، عبر فرق متخصصة عالية التدريب شاركت في مهمات مماثلة في البوسنة والهرسك.
إيطاليا: الوسيط المقبول من الجميع
أما اقتراح إيطاليا فيرتكز بحسب القزح إلى تاريخها الطويل في المشاركة بـ”اليونيفيل” منذ عام 1978، وتحولها بعد عام 2006، إلى جانب فرنسا وإسبانيا، إلى إحدى أكبر الوحدات العسكرية المشاركة في القوة الدولية. وتتولى إيطاليا حالياً قيادة قوة حفظ السلام جنوب لبنان، وتربطها علاقات ممتازة بالدولة اللبنانية وبأهالي الجنوب، الذين تقدم لهم خدمات صحية عبر مستشفى أنشأته هناك. وهي مقبولة من واشنطن وتل أبيب على حد سواء، وإن كانت إيطاليا هي التي اقترحت أن تكون إلى جانب فرنسا في قوة التدقيق، قبل أن يحول الفيتو الأميركي والإسرائيلي على باريس دون ذلك، وبفضل علاقاتها المتوازنة مع واشنطن وتل أبيب وبيروت، تبدو إيطاليا مؤهلة لأداء دور الوسيط.
بريطانيا: القدرات الاستخبارية والحزم العسكري
بريطانيا بحسب العميد المتقاعد تعد قوة عظمى تتمتع بقدرات استخبارية منتشرة عالمياً، أبرزها مركز المخابرات البريطاني في قبرص، مما يمنحها سهولة تحرك مباشر باتجاه لبنان. وهي دولة متخصصة في أجهزة المراقبة، ويمكن أن توفر رادارات ومسيرات وأجهزة كشف ورصد متطورة. ولا يمكن إغفال دورها السابق في نشر أبراج المراقبة على الحدود اللبنانية السورية، ومشروعها المطروح على الدولة اللبنانية لاستكمال هذه الأبراج على الحدود الجنوبية أيضاً. وتعرف بريطانيا بحزمها العسكري وعدم قابليتها للمساومة، لا سيما في ظل رئيس وزرائها الحالي الذي سمح للقوات الأميركية باستخدام القواعد العسكرية البريطانية لضرب إيران.
أذربيجان: الخيار الإسرائيلي بامتياز
يعود ترشيح أذربيجان إلى الشراكة الأمنية والعسكرية القوية التي تجمعها بإسرائيل، مما يجعل وجودها مطمئناً لتل أبيب في ظل التحالف الأمني والعسكري القائم بين البلدين. وتردد وفق العميد قزح أن طلعات جوية إسرائيلية استخدمت خلال الحرب الأخيرة بين أميركا وإسرائيل وإيران انطلاقاً من الأراضي الأذربيجانية لأغراض استخبارية، وعلى رغم الثقة الإسرائيلية الكبيرة بأذربيجان، وعدم وجود فيتو لبناني رسمي عليها، فإن “حزب الله” يرفض رفضاً قاطعاً مشاركتها إلى جانب بريطانيا في أية قوة دولية محتملة.
إندونيسيا: القبول من كل الأطراف
يتابع العميد المتقاعد شارحاً أن إندونيسيا بصفتها أكبر دولة إسلامية في العالم، قد تحظى بقبول من بيئة “حزب الله”، من دون أن تثير حساسية لدى الأطراف الأخرى، خصوصاً أنها مشاركة أصلاً في “اليونيفيل” وتملك خبرة ميدانية في التعامل مع أهالي الجنوب وفهم حساسياتهم اليومية تجاه قوات الأمم المتحدة. وهي في الوقت نفسه مقبولة من إسرائيل ولبنان وأميركا على حد سواء، مما يجعلها خياراً توافقياً محتملاً.
البعثة الأوروبية المرتقبة إلى لبنان تتقدم خطوة خطوة
وفي وقت يواصل فيه لبنان البحث عن صيغة بديلة للوجود الدولي في الجنوب، تنكشف تفاصيل مسار مواز يتقدم بهدوء في بروكسل وعواصم أوروبية عدة: التحضير لبعثة جديدة في إطار السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي (CSDP)، تتابعها النمسا عن كثب ضمن النقاشات الأوروبية بمهمات مختلفة عن القوة البديلة عن “اليونيفيل” أو القوة المدققة في نزع سلاح الحزب. وعلى رغم أن التوجه السياسي العام للبعثة بات واضحاً، وأن مجالات عملها الأساسية تحددت إلى حد كبير، فإن طبيعة ولايتها النهائية، وحجمها، وهيكليتها، ومستوى مساهمة كل دولة عضو فيها، لا تزال مسائل مفتوحة لم تحسم بعد. وتشير التصورات الأولية وفق مصادر دبلوماسية اوروبية إلى أن البعثة يفترض أن تجمع بين بناء القدرات المدنية والتنسيق المدني – العسكري، على أن يكون هدفها الأساس تعزيز منظومة الأمن الداخلي للدولة اللبنانية، من دون أن تحل محل المؤسسات اللبنانية أو تتولى بنفسها مهمات أمنية تنفيذية. بعبارة أخرى، بعثة داعمة ومكملة، لا بديلة عن السيادة الأمنية اللبنانية.
ثلاثة محاور لمكون مدني ناشئ
ويرتكز الشق المدني من مهمة البعثة الأوروبية على ثلاثة محاور رئيسة تتكامل في ما بينها: الأول يتعلق بتعزيز القدرات العملياتية لقوى الأمن الداخلي في مكافحة الإرهاب والتهريب وترسيخ مبادئ سيادة القانون، أما المحور الثاني فيتناول تحسين حوكمة أمن المرافئ وإدارة الحدود البحرية والتنسيق الجمركي، وتعزيز التعاون بين الإدارات والمؤسسات الرسمية العاملة داخل المرافئ اللبنانية. ويختص المحور الثالث بتطوير القدرات المؤسسية والتدريبية لمعهد قوى الأمن الداخلي، من خلال إعداد أطر وطنية للتدريب وتطوير المناهج وتصميم برامج متخصصة في مجالات كالجرائم الإلكترونية ومكافحة التهريب.
ويحظى محور أمن المرافئ بأهمية خاصة ضمن هذه المنظومة، إذ لا يقتصر على تقديم معدات تقنية أو تنظيم دورات تدريبية منفصلة، بل يمتد ليشمل تقييماً شاملاً لاستراتيجية الدولة اللبنانية في شأن المرافئ، ومراجعة الدراسات والمبادرات السابقة التي نفذها الشركاء الدوليون، تمهيداً لتقديم الدعم اللازم لبناء حوكمة أكثر تنسيقاً وشفافية وخضوعاً للمساءلة.
خريطة طريق زمنية تمتد حتى مطلع 2027
يرسم المسار الأوروبي جدولاً زمنياً متدرجاً، فابتداء من شهر أغسطس (آب) الجاري، يتوقع أن يدخل التخطيط مرحلة أكثر عملية، مع زيارة مرتقبة لبيروت في النصف الثاني من الشهر تقوم بها بعثة مشتركة تضم ممثلين عن هياكل التخطيط المدنية والعسكرية في الاتحاد الأوروبي، تستخدم نتائجها لإعداد مفهوم عمليات مشترك وتوجيهات عسكرية أولية. وخلال سبتمبر (أيلول) المقبل، من المرتقب أن تتبع ذلك بعثة تقييم تقنية أكثر تفصيلاً للجانب المدني، مع احتمال تنظيم زيارة عسكرية إضافية تركز على المسائل اللوجستية والبنية التحتية اللازمة للتدريب، على أن تستكمل الدول الأعضاء خلال الشهر نفسه ردودها الأولية حول حصر القدرات المدنية المتاحة.
أما النصف الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، فسيخصص لاستكمال مفهوم العمليات المشترك واعتماده، تليه مرحلة ثانية من استشعار القدرات لدى الدول الأعضاء، بهدف تجميع المساهمات المحتملة، سواء على مستوى مقر البعثة أم الدعم الأوسع لها.
وفي حال استكملت هذه المراحل وتوافر التوافق السياسي المطلوب، يرجح أن ينظر مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي، في الـ12 من أكتوبر، في اتخاذ قرار رسمي بإنشاء البعثة. غير أن هذا القرار لن يعني بدء الانتشار الفوري، إذ سيستمر العمل خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ودسمبر (كانون الأول) على إعداد الخطط التشغيلية التفصيلية، تمهيداً لعرضها على الهيئات الأوروبية المختصة. وقد يصدر عن مجلس الاتحاد الأوروبي، في نهاية العام الحالي أو مطلع عام 2027، قرار ثان يأذن بالإطلاق الفعلي للبعثة، شرط توافر الظروف السياسية والأمنية المناسبة، إذ لن يبدأ الانتشار الميداني إلا بعد صدور هذا القرار. يبقى أن الحجم النهائي للبعثة وطبيعة ولايتها مرهونين بنتائج بعثات التقييم المقبلة، والاحتياجات التي ستعرضها السلطات اللبنانية، ومدى توافر الخبرات المتخصصة، ومستوى الدعم السياسي من جانب الدول الأعضاء.









