سلام في صور: الجيش مساحة الاتّفاق

خلال كلمة كان يلقيها رئيس الحكومة نوّاف سلام في ثكنة بنوا بركات قائلاً إنّ وجود الجيش في الجنوب “ليس انتشاراً عسكريّاً وحسب، بل حضور للدولة”، دوّى انفجار كبير هزّ القاعة. كان الجيش الإسرائيليّ ينفّذ تفجيراً في مجدل زون، فيما توزّعت الغارات والقصف من تلال عليّ الطاهر والمنصوري إلى برعشيت والخيام وميفدون. اختصر هذا التزامن دلالات الزيارة. رئيس حكومة يتحدّث من قلب الجنوب عن استعادة السيادة، وإسرائيل تذكّر بالنار أنّها لا تزال قادرة على فرض الإيقاع الميدانيّ.
لم تكن زيارة سلام لصور جولةً تفقّديّة عاديّة. جاءت في واحدة من أكثر اللحظات الميدانيّة توتّراً، وحملت رسائل إلى الجيش وأهالي الجنوب و”الحزب” وإسرائيل وواشنطن في آن واحد. في قوله إنّ كلّ موقع ينتشر فيه الجيش هو مساحة تستعيد فيها الدولة سلطتها، ربط سلام مباشرةً بين انتشار المؤسّسة العسكريّة ومشروع الدولة الواحدة، والسلاح الشرعي الواحد، واستعادة المؤسّسات الدستوريّة قرار الحرب والسلم. والأهمّ الرسالة الواضحة للزيارة دعماً للجيش، مؤسّسة وقيادة، قطعاً لطريق العبث بين السراي واليرزة.
زيارة 10 على 10
داخل الثكنة، بدا المشهد مختلفاً تماماً عن صورة التباعد التي حاولت بعض الأوساط رسمها بين رئاسة الحكومة والمؤسّسة العسكريّة بعد إقرار قانون العفو. بدا سلام شديد الارتياح إلى جانب وزير الدفاع ميشال منسّى، فيما عكس الجوّ مع الضبّاط يتقدّمهم قائد قطاع جنوب الليطاني العميد الركن نقولا تابت، ثقة متبادلة ووضوحاً في المقاربة. وبحسب مصدر مواكب، استحقّت الزيارة تقويماً بلغ “10 على 10″، سواء في مضمونها أو في طريقة تلقّف الجانب العسكريّ لها.
بهذا المعنى، قفزت الزيارة فوق كلّ الكلام الذي أثير بعد الجلسة التشريعيّة عن حساسيّات مذهبيّة يمكن أن تنعكس على العلاقة بالمؤسّسة العسكريّة. لم يظهر في ثكنة بنوا بركات أيّ اختلاف بين الحكومة وقيادة الجيش على المهمّة أو وجهتها. على العكس، بدت رئاسة الحكومة والقيادة العسكرية في أحد أوضح مشاهد التعاون بينهما، وتلقّى الضبّاط كلمة سلام بكثير من الإيجابيّة.
لم تكن إشارة سلام إلى أنّ قوّة الجيش تكمن في وحدته موعظةً أخلاقيّة. كانت رسالة سياسيّة إلى كلّ من يحاول تحويل المؤسّسة إلى طرف في الانقسام الداخليّ، أو تحميلها هويّة مذهبيّة، أو دفعها إلى مواجهة مع بيئتها. الجيش، وفق المقاربة التي ظهرت في صور، ليس أداة فئة في مواجهة فئة، بل مساحة مشتركة يمكن أن يلتقي حولها اللبنانيّون عندما تضيق مساحات الاتّفاق الأخرى.
الاحتلال باسمه
حملت مصطلحات الزيارة أهميّة موازية لمضمونها. لم يُقدَّم ما يجري في الجنوب بوصفه إشكالاً حدوديّاً أو ترتيبات أمنيّة معلّقة، بل اعتداءات إسرائيليّة واحتلال يجب أن ينتهي بانسحاب كامل. وجمع سلام في كلمته بين الانسحاب، الإفراج عن الأسرى، عودة الأهالي، إعادة الإعمار، حصريّة السلاح، من دون أن يضع هذه العناوين في مواجهة بعضها.
قالت مصادر مواكبة لرئاسة الحكومة لـ”أساس” إنّ هذه المقاربة تعني أنّ بسط سلطة الدولة لا يُستخدم لتبرئة إسرائيل من الاحتلال أو لتحميل الجيش مسؤوليّة أمنها. فوظيفة الحكومة والجيش هي استعادة سيادة لبنان وحماية اللبنانيّين، لا إدارة الوقائع التي يفرضها الاحتلال. في المقابل، لا تكتمل عودة الدولة عند رفع العلم فوق موقع عسكريّ، بل عودة المدرسة والمستشفى والطريق والإدارة وفرص العمل إلى الجنوب.
من هنا تتقاطع الزيارة مع النقاش في توسيع “المناطق التجريبيّة”. كشف مصدر دبلوماسيّ عن تدخّل أميركيّ مباشر لتسريع اختيار البلدات المشمولة بالمرحلة المقبلة، وتجاوز الخلاف الذي يعطّل الانتقال إليها. وفي قلب هذه الآليّة، يؤدّي الجيش الدور الأساسيّ، أوّلاً في التفاوض، وتحديداً بين قائد الجيش العماد رودولف هيكل والجنرال جوزف كليرفيلد. ثمّ في الميدان حيث يحوّل أيّ انسحاب إسرائيليّ من خطوة تفاوضيّة على الورق إلى حضور فعليّ للدولة.
أضافت المصادر الدبلوماسيّة أنّ الجهود تتركّز حاليّاً على إمكانيّة وقف التصعيد في منطقة عليّ الطاهر، عبر تسليمها للجيش اللبنانيّ مقابل انسحاب إسرائيليّ نوعيّ من بعض المواقع. إلّا أنّ هذا المسعى بحسب المعطى الداخليّ لا يزال يصطدم برفض إسرائيل الانسحاب من دون التأكّد من تسلّم الجيش المنشأة، توازياً مع رفض “الحزب” تسليم المنشأة قبل انسحاب إسرائيليّ شبه كامل على الأقلّ. وهنا لا تزال عقدة التفاوض عالقة.
واشنطن بمسارين
إلّا أنّ واشنطن تتحرّك في لبنان بمسارين متوازيَين:
1- تفاوضيّ وأمنيّ، يتحدّث عن ضمانات وتوسيع المناطق التجريبيّة ودعم الجيش.
2- ماليّ وسياسيّ، ظهر مجدّداً في العقوبات على عشرة أشخاص ضمن شبكة قالت الخزانة الأميركيّة إنّها نقلت أموالاً إلى “الحزب” عبر رحلات تجاريّة بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران، بالتوازي مع إعادة تصنيف “الحزب” لارتباطه بالحرس الثوريّ الإيرانيّ.
لا تلغي العقوبات المسار التفاوضيّ، لكنّها تكشف ترتيب الأولويّات الأميركيّة. فواشنطن لا تتعامل مع الملفّ بوصفها وسيطاً متوازناً بين لبنان وإسرائيل. ضماناتها محكومة أوّلاً بأمن إسرائيل، وهدفها الاستراتيجيّ يبقى إنهاء حالة “الحزب” بصيغته الحاليّة، بوصفه قوّة عسكريّة وماليّة تملك قراراً مستقلّاً عن الدولة. وبالتالي يبقى ضغطها لتوسيع المناطق التجريبيّة جزءاً من مسار أوسع لإعادة تشكيل موازين القوّة في لبنان، لا مبادرة منفصلة لحماية الجنوب.
عليه تطرح الأوساط السياسيّة المتابعة للتفاوض مقاربة تصفها بأنّها غير متكافئة. إذ يُطلب من الجيش أن يتقدّم ويملأ الفراغ ويثبّت سلطة الدولة، فيما تواصل إسرائيل قصف البيئة نفسها التي يُفترض أن ينتشر فيها وتدمير منازلها. وبالتالي أيّ دعم للجيش لا يترافق مع وقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيليّ فعليّ، يتحوّل حكماً إلى تحميل المؤسّسة مهمّة شبه مستحيلة.
نجحت زيارة سلام لصور في تثبيت أهمّ ما يحتاج إليه لبنان في هذه المرحلة: الوحدة الداخليّة وتثبيت اللاخلاف بين الحكومة وقيادة الجيش في عدم تحويل المؤسّسة إلى ساحة صراع مذهبيّ.
أمّا خارجيّاً، فيبقى الاختبار الأصعب: هل تستخدم واشنطن نفوذها لدفع إسرائيل إلى الانسحاب بقدر ما تستخدم عقوباتها لإضعاف “الحزب”؟ لا يبدو ذلك.
سلام في صور: الجيش مساحة الاتّفاق

خلال كلمة كان يلقيها رئيس الحكومة نوّاف سلام في ثكنة بنوا بركات قائلاً إنّ وجود الجيش في الجنوب “ليس انتشاراً عسكريّاً وحسب، بل حضور للدولة”، دوّى انفجار كبير هزّ القاعة. كان الجيش الإسرائيليّ ينفّذ تفجيراً في مجدل زون، فيما توزّعت الغارات والقصف من تلال عليّ الطاهر والمنصوري إلى برعشيت والخيام وميفدون. اختصر هذا التزامن دلالات الزيارة. رئيس حكومة يتحدّث من قلب الجنوب عن استعادة السيادة، وإسرائيل تذكّر بالنار أنّها لا تزال قادرة على فرض الإيقاع الميدانيّ.
لم تكن زيارة سلام لصور جولةً تفقّديّة عاديّة. جاءت في واحدة من أكثر اللحظات الميدانيّة توتّراً، وحملت رسائل إلى الجيش وأهالي الجنوب و”الحزب” وإسرائيل وواشنطن في آن واحد. في قوله إنّ كلّ موقع ينتشر فيه الجيش هو مساحة تستعيد فيها الدولة سلطتها، ربط سلام مباشرةً بين انتشار المؤسّسة العسكريّة ومشروع الدولة الواحدة، والسلاح الشرعي الواحد، واستعادة المؤسّسات الدستوريّة قرار الحرب والسلم. والأهمّ الرسالة الواضحة للزيارة دعماً للجيش، مؤسّسة وقيادة، قطعاً لطريق العبث بين السراي واليرزة.
زيارة 10 على 10
داخل الثكنة، بدا المشهد مختلفاً تماماً عن صورة التباعد التي حاولت بعض الأوساط رسمها بين رئاسة الحكومة والمؤسّسة العسكريّة بعد إقرار قانون العفو. بدا سلام شديد الارتياح إلى جانب وزير الدفاع ميشال منسّى، فيما عكس الجوّ مع الضبّاط يتقدّمهم قائد قطاع جنوب الليطاني العميد الركن نقولا تابت، ثقة متبادلة ووضوحاً في المقاربة. وبحسب مصدر مواكب، استحقّت الزيارة تقويماً بلغ “10 على 10″، سواء في مضمونها أو في طريقة تلقّف الجانب العسكريّ لها.
بهذا المعنى، قفزت الزيارة فوق كلّ الكلام الذي أثير بعد الجلسة التشريعيّة عن حساسيّات مذهبيّة يمكن أن تنعكس على العلاقة بالمؤسّسة العسكريّة. لم يظهر في ثكنة بنوا بركات أيّ اختلاف بين الحكومة وقيادة الجيش على المهمّة أو وجهتها. على العكس، بدت رئاسة الحكومة والقيادة العسكرية في أحد أوضح مشاهد التعاون بينهما، وتلقّى الضبّاط كلمة سلام بكثير من الإيجابيّة.
لم تكن إشارة سلام إلى أنّ قوّة الجيش تكمن في وحدته موعظةً أخلاقيّة. كانت رسالة سياسيّة إلى كلّ من يحاول تحويل المؤسّسة إلى طرف في الانقسام الداخليّ، أو تحميلها هويّة مذهبيّة، أو دفعها إلى مواجهة مع بيئتها. الجيش، وفق المقاربة التي ظهرت في صور، ليس أداة فئة في مواجهة فئة، بل مساحة مشتركة يمكن أن يلتقي حولها اللبنانيّون عندما تضيق مساحات الاتّفاق الأخرى.
الاحتلال باسمه
حملت مصطلحات الزيارة أهميّة موازية لمضمونها. لم يُقدَّم ما يجري في الجنوب بوصفه إشكالاً حدوديّاً أو ترتيبات أمنيّة معلّقة، بل اعتداءات إسرائيليّة واحتلال يجب أن ينتهي بانسحاب كامل. وجمع سلام في كلمته بين الانسحاب، الإفراج عن الأسرى، عودة الأهالي، إعادة الإعمار، حصريّة السلاح، من دون أن يضع هذه العناوين في مواجهة بعضها.
قالت مصادر مواكبة لرئاسة الحكومة لـ”أساس” إنّ هذه المقاربة تعني أنّ بسط سلطة الدولة لا يُستخدم لتبرئة إسرائيل من الاحتلال أو لتحميل الجيش مسؤوليّة أمنها. فوظيفة الحكومة والجيش هي استعادة سيادة لبنان وحماية اللبنانيّين، لا إدارة الوقائع التي يفرضها الاحتلال. في المقابل، لا تكتمل عودة الدولة عند رفع العلم فوق موقع عسكريّ، بل عودة المدرسة والمستشفى والطريق والإدارة وفرص العمل إلى الجنوب.
من هنا تتقاطع الزيارة مع النقاش في توسيع “المناطق التجريبيّة”. كشف مصدر دبلوماسيّ عن تدخّل أميركيّ مباشر لتسريع اختيار البلدات المشمولة بالمرحلة المقبلة، وتجاوز الخلاف الذي يعطّل الانتقال إليها. وفي قلب هذه الآليّة، يؤدّي الجيش الدور الأساسيّ، أوّلاً في التفاوض، وتحديداً بين قائد الجيش العماد رودولف هيكل والجنرال جوزف كليرفيلد. ثمّ في الميدان حيث يحوّل أيّ انسحاب إسرائيليّ من خطوة تفاوضيّة على الورق إلى حضور فعليّ للدولة.
أضافت المصادر الدبلوماسيّة أنّ الجهود تتركّز حاليّاً على إمكانيّة وقف التصعيد في منطقة عليّ الطاهر، عبر تسليمها للجيش اللبنانيّ مقابل انسحاب إسرائيليّ نوعيّ من بعض المواقع. إلّا أنّ هذا المسعى بحسب المعطى الداخليّ لا يزال يصطدم برفض إسرائيل الانسحاب من دون التأكّد من تسلّم الجيش المنشأة، توازياً مع رفض “الحزب” تسليم المنشأة قبل انسحاب إسرائيليّ شبه كامل على الأقلّ. وهنا لا تزال عقدة التفاوض عالقة.
واشنطن بمسارين
إلّا أنّ واشنطن تتحرّك في لبنان بمسارين متوازيَين:
1- تفاوضيّ وأمنيّ، يتحدّث عن ضمانات وتوسيع المناطق التجريبيّة ودعم الجيش.
2- ماليّ وسياسيّ، ظهر مجدّداً في العقوبات على عشرة أشخاص ضمن شبكة قالت الخزانة الأميركيّة إنّها نقلت أموالاً إلى “الحزب” عبر رحلات تجاريّة بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران، بالتوازي مع إعادة تصنيف “الحزب” لارتباطه بالحرس الثوريّ الإيرانيّ.
لا تلغي العقوبات المسار التفاوضيّ، لكنّها تكشف ترتيب الأولويّات الأميركيّة. فواشنطن لا تتعامل مع الملفّ بوصفها وسيطاً متوازناً بين لبنان وإسرائيل. ضماناتها محكومة أوّلاً بأمن إسرائيل، وهدفها الاستراتيجيّ يبقى إنهاء حالة “الحزب” بصيغته الحاليّة، بوصفه قوّة عسكريّة وماليّة تملك قراراً مستقلّاً عن الدولة. وبالتالي يبقى ضغطها لتوسيع المناطق التجريبيّة جزءاً من مسار أوسع لإعادة تشكيل موازين القوّة في لبنان، لا مبادرة منفصلة لحماية الجنوب.
عليه تطرح الأوساط السياسيّة المتابعة للتفاوض مقاربة تصفها بأنّها غير متكافئة. إذ يُطلب من الجيش أن يتقدّم ويملأ الفراغ ويثبّت سلطة الدولة، فيما تواصل إسرائيل قصف البيئة نفسها التي يُفترض أن ينتشر فيها وتدمير منازلها. وبالتالي أيّ دعم للجيش لا يترافق مع وقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيليّ فعليّ، يتحوّل حكماً إلى تحميل المؤسّسة مهمّة شبه مستحيلة.
نجحت زيارة سلام لصور في تثبيت أهمّ ما يحتاج إليه لبنان في هذه المرحلة: الوحدة الداخليّة وتثبيت اللاخلاف بين الحكومة وقيادة الجيش في عدم تحويل المؤسّسة إلى ساحة صراع مذهبيّ.
أمّا خارجيّاً، فيبقى الاختبار الأصعب: هل تستخدم واشنطن نفوذها لدفع إسرائيل إلى الانسحاب بقدر ما تستخدم عقوباتها لإضعاف “الحزب”؟ لا يبدو ذلك.










