من نجوى كرم لجورج وسوف:نجوم مُطالبون بالاعتزال..الحق مع مَن؟

لم يعد التقدم في العمر مجرد تفصيل عابر في مسيرة نجوم الغناء العرب، بعدما بات صوت الفنان نفسه موضع نقاش ومقارنة مستمرة بين الماضي والحاضر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأسماء صنعت جزءاً كبيراً من ذاكرتنا الفنية بأصوات استثنائية. وفي الفترة الأخيرة، طاولت الانتقادات أصوات ميادة الحناوي وماجدة الرومي وجورج وسوف ونجوى كرم ونوال الزغبي، مع حديث متكرر عن تغير الأداء الصوتي مقارنة بالسنوات الذهبية.
ووجدت النجمة السورية ميادة الحناوي نفسها باستمرار أمام مقارنات بين صوتها الحالي وصوتها الذي ارتبط بأغنيات الثمانينيات والتسعينيات. فمع بعض إطلالاتها الغنائية، ظهرت تعليقات تتحدث عن تغير الطبقة الصوتية وتراجع القدرة على أداء بعض الجمل بالطريقة نفسها التي اعتادها الجمهور، كما انتشرت شائعات طاولت صوتها مباشرة، بعدما انتشر مقطع قيل أنه دليل على تدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين أدائها، لكنها نفت مؤكدة أن المقطع المتداول قديم ومفبرك، وأن صوتها طبيعي.
في المقابل، تؤكد الفنانة ميشلين خليفة لـ”المدن” أن استمرار الفنان في الغناء مع تقدم العمر، يربط المسألة بقدرة الصوت والحنجرة على الحفاظ على مستواهما، لأن هناك أصواتاً تستمر في العطاء لسنوات طويلة، بينما تبدأ حناجر أخرى بالتراجع في مراحل مبكرة. واستحضرت خليفة تجربة أم كلثوم، مشيرةً إلى أنها حافظت على حضورها الفني بذكاء ومرونة، حتى سنواتها الأخيرة، ومن هذا المنطلق، لا يعود العمر وحده معياراً للحكم على قدرة الفنان على مواصلة الغناء، بل المستوى الذي يستطيع تقديمه أمام الجمهور.
وتعلن خليفة موقفها الشخصي بوضوح، مؤكدةً أنها ستختار الابتعاد عن الغناء عندما تشعر بأن صوتها بدأ يخونها، حفاظاً على تاريخها الفني. فالفنان، في هذه المرحلة، أمام مسؤولية تجاه مسيرته وصورته التي بناها على مدى سنوات، والتوقف في الوقت المناسب ربما يكون أكثر احتراماً لهذا التاريخ من الاستمرار في مستوى لا يليق به.
وتبدو تجربة ميادة الحناوي بالنسبة إلى خليفة أكثر حساسية، خصوصاً بعدما تعرضت لحملة واسعة من الانتقادات عقب إحدى إطلالاتها الغنائية الأخيرة، علماً أن ميادة تمتلك رصيداً غنائياً وجماهيرياً كبيراً، ورسخت اسمها في الذاكرة العربية، لذلك فإن ظهورها في حفلة كان يمكن النظر إليه أيضاً بوصفه لقاء تكريمياً مع فنانة صاحبة تاريخ، لا مناسبة لإصدار حكم نهائي عليها وعلى أرشيفها.
ووجدت خليفة تفسيراً مختلفاً لتمسك الفنان بالغناء: “حين يصبح الفنان صاحب تاريخ وشهرة واسعة، يصعب عليه التخلى عن المسرح بسهولة. فالشهرة، بكل ما تمنحه من أضواء وحضور وتأثير، تتحول إلى جزء من حياته، ولذلك ربما يصبح قرار الاعتزال أقسى مما يبدو للمتابع من الخارج”، مضيفة أن الانتقال من النقد الفني إلى السخرية أو الإهانة لا يمكن تبريره، خصوصاً حين يتعلق الأمر بفنان أمضى عقوداً في صناعة الفن. ويصبح الأمر أعنف حين يتحول تراجع الصوت إلى مادة للفرجة، بدلاً من التعامل معه بوصفه نتيجة طبيعية للعمر والمرض والإرهاق.
أما اللبنانية ماجدة الرومي، فدخلت في دائرة أقس من الانتقادات بعدما وصف المطرب والملحن طارق فؤاد صوتها بـ”النشاز”، واعتبر أنه لم يعد صالحاً للغناء، ما أثار جدلاً واسعاً، قبل أن يتراجع عن كلامه ويحذف المنشور، مؤكداً أن ما صدر عنه يمثل رأياً شخصياً.
وتبقى حالة جورج وسوف أكثر تعقيداً. فالصوت الذي عرف بقوته وبحته المميزة لم يعد يؤدي بعض الأغنيات بالطريقة نفسها كما في شبابه، وهو أمر دفع بعض المتابعين إلى الحديث عن تراجع قدراته الصوتية منذ أكثر من عشر سنوات. لكن الحكم على صوت وسوف وفق معيار “الصوت المثالي” ربما يكون ظالماً، لأن ما يعتبره البعض اليوم عيباً صوتياً كان أحد أبرز أسباب ارتباط الجمهور بصوته.
بدورها، لم تكن نجوى كرم بعيدة عن هذه الموجة، فمع بعض الحفلات، ظهرت تعليقات تتحدث عن إرهاق صوتها أو تغير أدائها مقارنة بما عرفت به من إمكانات، وكان الانتقاد الأبرز من الملحن سمير صفير الذي قال بشكل علني أن صوتها “شاخ”، صوتها الذي كان جزءاً أساسياً من صورتها الفنية، أكثر من شكلها، مقارنة بفنانات شهيرات أخريات.
والمفارقة أن تلك الأسماء لم تفقد موقعها الجماهيري، بل مازالت قادرة على جذب الجمهور وإحياء الحفلات، وما زالت أغنياتها القديمة حاضرة بقوة. وهذا يعني أن المسألة لا تتعلق بانهيار النجومية، بل بالفارق بين نجم يمتلك تاريخاً جماهيرياً ضخماً وبين صوت يخضع اليوم لمقارنة قاسية مع نفسه. وهنا تكمن صعوبة الحكم: هل للغناء عمر افتراضي؟ وهل المطلوب من الفنان أن يحافظ على صوته من عمر العشرين حتى نهاية مسيرته؟ أم أن على الجمهور أن يقبل بأن لكل مرحلة صوتها؟ أم أنه فعلاً يجب على الفنان أن يعتزل حينما يفقد رصيده الأهم، أي صوته؟ ولماذا يبدو الاعتزال مخيفاً إلى هذا الحد؟ لماذا تصبح النجومية إدماناً رغم خفوت مقوماتها؟ ولماذا هذا الرفض المَرَضي للاعتراف بالتقدم في السن والإصرار على شباب دائم ومستحيل؟
وهنا، يرى المايسترو لبنان بعلبكي في حديث مع “المدن” بأن الموسيقى تظل “مهنة لصاحبها”، وأن تراجع بعض القدرات لا يعني بالضرورة أن الفنان مطالب بالتوقف عن العمل. فالفنان، مهما تقدم في العمر أو طرأت تغيرات على قدراته، يبقى بحاجة إلى العمل، كما أن له الحق في مواصلة مسيرته ما دام راغباً في ذلك. ولا يبدو منطقياً أن يتحول الجمهور أو مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي إلى لجنة تحكيم لفنانين أمضوا عقوداً في المهنة، أو أنيتعرضوا للتنمر لمجرد أن أصواتهم لم تعد مطابقة لما كانت عليه في بداياتهم.
ومن وجهة نظر بعلبكي تبدو حالة جورج وسوف أكثر تعقيداً، مشيراً إلى أنه يحتاج إلى العمل أيضاً لتأمين نفقاته الطبية المرتفعة، وما تتطلبه حالته من مساعدين ومستشفيات وعلاج فيزيائي. ومن المنظور الإنساني، ربما يكون من السهل على المتفرج أن يطلب من الفنان الجلوس في المنزل، لكن الواقع مختلف بالنسبة إلى شخص عاش طوال حياته وسط الأضواء والموسيقى والجمهور. فالفنانون الذين منحوا الجمهور أربعة أو خمسة عقود من حياتهم، مثل ماجدة الرومي وميادة الحناوي وجورج وسوف، لا يمكن اختزال مسيرتهم في سؤال يتعلق بقدرتهم الحالية على أداء الأغنيات بالطريقة نفسها التي كانوا يقدمونها في شبابهم.
ويعتبر بعلبكي أن الشغف يشكل عاملاً أساسياً في هذه المسألة، فلا ينظر الفنان إلى المسرح باعتباره مجرد مصدر دخل، بل بوصفه جزءاً من هويته وحياته. ومن هنا يمكن فهم العمل باعتباره “مفتاح البقاء على قيد الحياة” بالنسبة إلى بعض الفنانين، وليس مجرد وظيفة يمكن التخلي عنها بمجرد التقدم في السن. أما في ما يتعلق بجودة الصوت، فإن أرشيف الإنترنت يتيح للجمهور فرصة العودة إلى مراحل مختلفة من حياة الفنان. فمن يريد سماع جورج وسوف لما كان في الرابعة عشرة من عمره يستطيع الوصول إلى تسجيلاته القديمة، بينما من يذهب إلى حفلته اليوم قد لا يبحث بالضرورة عن الصوت نفسه الذي كان عليه قبل عقود، وإنما عن تجربة مرتبطة بالحنين والنوستالجيا والاحتفاء بفنان أصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية.
تطاول الانتقادات النجمة نوال الزغبي التي كانت تغني على المسارح ببراعة لأكثر من 30 عاماً، منذ تسعينيات القرن الماضي، لكنها باتت غير قادرة على تقديم الأداءات نفسها، إلى حد وصفها بأنها باتت “فنانة استوديو”. وهذا ليس معيباً في حد ذاته لأن الفن نفسه أشمل ربما من مجرد الغناء الحي في المسرح. حتى النجمة المغربية سميرة سعيد، قالت علناً في تصريحات صحافية أنها لم تعد قادرة على الغناء مثلما كانت في السابق، وأن بعض النوتات الموسيقية التي كان صوتها يبلغها، باتت مستحيلة اليوم، وهو أمر طبيعي مع التقدم في السن، ما جعلها تعيد توزيع أغنياتها الكلاسيكية كي تصبح ملائمة لطبقات صوتها اليوم.
ويبدو المعيار الأوضح في هذه الحالة هو “العرض والطلب”، بحسب بعلبكي، فإذا أعلن فنان عن حفلة، وبيعت التذاكر خلال أيام قليلة، فإن الإقبال الجماهيري يصبح مؤشراً واضحاً على أن هناك جمهوراً يريد الاستماع إليه ورؤيته، بصرف النظر عن الأحكام التي تطلقها مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي مسألة الاعتزال، يتحدث بعلبكي عن اختلاف واضح بين عالم الأوبرا وعالم البوب. ففي الأوبرا توجد، في بعض المؤسسات، أعمار تقاعدية ترتبط بطبيعة العمل وبمتطلبات الإنتاج المتكامل، بينما تبدو الصورة مختلفة تماماً في عالم البوب، حيث يمكن لاسم الفنان وتاريخه وجمهوره أن يكونوا جزءاً أساسياً من قيمة الحفلة، متطرقاً إلى مشكلة أكبر تتمثل في غياب حقوق الفنانين في كثير من الدول العربية: “في أوروبا والولايات المتحدة، يمكن للفنان أن يستفيد مادياً من إعادة بث أعماله واستخدامها في أماكن مختلفة، بينما يبقى الفنان العربي، في كثير من الحالات، مضطراً إلى الاستمرار في الحفلات والمسرح للحفاظ على مستوى معيشته، حتى بعدما أمضى سنوات طويلة في المهنة”.
من جهته، يقول الناقد الفني طارق الشناوي لـ”المدن” أن العمر الافتراضي للصوت، ليس واحداً لدى الجميع، فربما يواصل بعض المغنين الغناء سنوات طويلة، فيما يختار آخرون الابتعاد حين يشعرون بأن إمكاناتهم لم تعد تسمح لهم بتقديم ما اعتاد الجمهور سماعه منهم. وأوضح أن أم كلثوم واصلت الغناء حتى مطلع العام 1973، قبل أن تشعر بأنها لم تعد قادرة على الاستمرار في الحفلات الحية بالطريقة التي اعتادها جمهورها. وسجلت آخر أغنياتها “حكم علينا الهوى” في الاستديو ثم توقفت عن إحياء الحفلات. ويكمل الشناوي بأن ملامح التراجع في صوت أم كلثوم بدأت تظهر منذ النصف الثاني من الستينيات، وتحديداً بعد أغنية “الأطلال” العام 1966، حينما لم يعد صوتها يتمتع بكامل لياقته الإبداعية التي عرف بها في مراحل سابقة.
ويتوقف الشناوي عند تجربة جورج وسوف ويعتبرها حالة مختلفة، فـ”جمهوره لا يتعامل معه بوصفه صوتاً فحسب، بل بوصفه حالة فنية وإنسانية ارتبط بها لسنوات طويلة. لذلك بقي الحب الذي يحظى به قادراً على منح صوته مساحة واسعة من التسامح. وحين يحب الجمهور فناناً بهذا العمق، يصبح أكثر استعداداً لتجاوز ما قد يراه نقصاً في اللياقة الصوتية أو الجسدية، لأن علاقته به تتجاوز الأداء اللحظي إلى الذاكرة والمكانة والتاريخ”.
وهنا، هل يمكن مطالبة فنان بالتوقف طالما أن الجمهور مازال يشتري تذاكر لحفلاته؟ ورأى الشناوي أن “وجود الحفلات يعني، أن هناك جمهوراً مستعداً لدفع المال من أجل رؤيته والاستماع إليه. وهذا ينطبق على أسماء مثل ميادة الحناوي وماجدة الرومي، إذ لا يمكن تجاهل رغبة الجمهور الذي يختار شراء التذكرة والاستماع إلى الفنان، حتى لو تغير صوته مع مرور السنوات”.
تقدم الأسطورة الراحلة صباح نموذجاً آخر عن صورة الفنان، فقد واجهت في سنواتها الأخيرة دعوات إلى الاعتزال، ارتبط بعضها بفكرة أن صباح يجب أن تبقى دائماً في صورة الجمال والشباب والحيوية. لكن هذه النظرة تكشف أيضاً مشكلة أوسع: هل يطلب من الفنان أن يحافظ على صورة مثالية ثابتة، بدلاً من أن يسمح له بالتقدم في العمر أمام جمهوره كما هو؟ ربما لا، لكن الفنان يبقى مُطالَباص، من باب احترام مسيرته وجمهوره، بالإقرار بحدود قدراته مع التقدم في السن…
أم كلثوم كانت شديدة الوعي بحدود صوتها. فلم يكن من المنطقي، مثلاً، أن تعيد، في السبعينات، أداء “الأطلال” بالطريقة ذاتها، لأنها كانت تدرك أن هذا النوع من الغناء يحتاج إلى إمكانات صوتية لم تعد متوافرة لديها بالدرجة نفسها. وكان عبد الحليم حافظ مثالاً آخر على الوعي بحدود الإمكانات، إذ توقف عن أداء أغنية “جبار” على المسرح، انطلاقاً من إدراكه لما تتطلبه الأغنية من قدرات صوتية ربما لم تكن متاحة له في الأداء الحي خلال سنواته الأخيرة.
وهذه الأسئلة ليست مقتصرة على العالم العربي، بل تعانيها نجمات عالميات ضمن صناعة البوب تحديداً، مثل مادونا التي لم تُبث أغنياتها الجديدة عبر الإذاعات الأميركية والبريطانية، بما في ذلك “بي بي سي”، لنحو عقدين، بحجة أنها كبيرة في السن، رغم أن صوتها لم يتغير، كما أنها مازالت حتى اليوم تتصدر المبيعات ولوائح الألبومات والموسيقى الجديدة، عند أي إصدار جديد.
من نجوى كرم لجورج وسوف:نجوم مُطالبون بالاعتزال..الحق مع مَن؟

لم يعد التقدم في العمر مجرد تفصيل عابر في مسيرة نجوم الغناء العرب، بعدما بات صوت الفنان نفسه موضع نقاش ومقارنة مستمرة بين الماضي والحاضر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأسماء صنعت جزءاً كبيراً من ذاكرتنا الفنية بأصوات استثنائية. وفي الفترة الأخيرة، طاولت الانتقادات أصوات ميادة الحناوي وماجدة الرومي وجورج وسوف ونجوى كرم ونوال الزغبي، مع حديث متكرر عن تغير الأداء الصوتي مقارنة بالسنوات الذهبية.
ووجدت النجمة السورية ميادة الحناوي نفسها باستمرار أمام مقارنات بين صوتها الحالي وصوتها الذي ارتبط بأغنيات الثمانينيات والتسعينيات. فمع بعض إطلالاتها الغنائية، ظهرت تعليقات تتحدث عن تغير الطبقة الصوتية وتراجع القدرة على أداء بعض الجمل بالطريقة نفسها التي اعتادها الجمهور، كما انتشرت شائعات طاولت صوتها مباشرة، بعدما انتشر مقطع قيل أنه دليل على تدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين أدائها، لكنها نفت مؤكدة أن المقطع المتداول قديم ومفبرك، وأن صوتها طبيعي.
في المقابل، تؤكد الفنانة ميشلين خليفة لـ”المدن” أن استمرار الفنان في الغناء مع تقدم العمر، يربط المسألة بقدرة الصوت والحنجرة على الحفاظ على مستواهما، لأن هناك أصواتاً تستمر في العطاء لسنوات طويلة، بينما تبدأ حناجر أخرى بالتراجع في مراحل مبكرة. واستحضرت خليفة تجربة أم كلثوم، مشيرةً إلى أنها حافظت على حضورها الفني بذكاء ومرونة، حتى سنواتها الأخيرة، ومن هذا المنطلق، لا يعود العمر وحده معياراً للحكم على قدرة الفنان على مواصلة الغناء، بل المستوى الذي يستطيع تقديمه أمام الجمهور.
وتعلن خليفة موقفها الشخصي بوضوح، مؤكدةً أنها ستختار الابتعاد عن الغناء عندما تشعر بأن صوتها بدأ يخونها، حفاظاً على تاريخها الفني. فالفنان، في هذه المرحلة، أمام مسؤولية تجاه مسيرته وصورته التي بناها على مدى سنوات، والتوقف في الوقت المناسب ربما يكون أكثر احتراماً لهذا التاريخ من الاستمرار في مستوى لا يليق به.
وتبدو تجربة ميادة الحناوي بالنسبة إلى خليفة أكثر حساسية، خصوصاً بعدما تعرضت لحملة واسعة من الانتقادات عقب إحدى إطلالاتها الغنائية الأخيرة، علماً أن ميادة تمتلك رصيداً غنائياً وجماهيرياً كبيراً، ورسخت اسمها في الذاكرة العربية، لذلك فإن ظهورها في حفلة كان يمكن النظر إليه أيضاً بوصفه لقاء تكريمياً مع فنانة صاحبة تاريخ، لا مناسبة لإصدار حكم نهائي عليها وعلى أرشيفها.
ووجدت خليفة تفسيراً مختلفاً لتمسك الفنان بالغناء: “حين يصبح الفنان صاحب تاريخ وشهرة واسعة، يصعب عليه التخلى عن المسرح بسهولة. فالشهرة، بكل ما تمنحه من أضواء وحضور وتأثير، تتحول إلى جزء من حياته، ولذلك ربما يصبح قرار الاعتزال أقسى مما يبدو للمتابع من الخارج”، مضيفة أن الانتقال من النقد الفني إلى السخرية أو الإهانة لا يمكن تبريره، خصوصاً حين يتعلق الأمر بفنان أمضى عقوداً في صناعة الفن. ويصبح الأمر أعنف حين يتحول تراجع الصوت إلى مادة للفرجة، بدلاً من التعامل معه بوصفه نتيجة طبيعية للعمر والمرض والإرهاق.
أما اللبنانية ماجدة الرومي، فدخلت في دائرة أقس من الانتقادات بعدما وصف المطرب والملحن طارق فؤاد صوتها بـ”النشاز”، واعتبر أنه لم يعد صالحاً للغناء، ما أثار جدلاً واسعاً، قبل أن يتراجع عن كلامه ويحذف المنشور، مؤكداً أن ما صدر عنه يمثل رأياً شخصياً.
وتبقى حالة جورج وسوف أكثر تعقيداً. فالصوت الذي عرف بقوته وبحته المميزة لم يعد يؤدي بعض الأغنيات بالطريقة نفسها كما في شبابه، وهو أمر دفع بعض المتابعين إلى الحديث عن تراجع قدراته الصوتية منذ أكثر من عشر سنوات. لكن الحكم على صوت وسوف وفق معيار “الصوت المثالي” ربما يكون ظالماً، لأن ما يعتبره البعض اليوم عيباً صوتياً كان أحد أبرز أسباب ارتباط الجمهور بصوته.
بدورها، لم تكن نجوى كرم بعيدة عن هذه الموجة، فمع بعض الحفلات، ظهرت تعليقات تتحدث عن إرهاق صوتها أو تغير أدائها مقارنة بما عرفت به من إمكانات، وكان الانتقاد الأبرز من الملحن سمير صفير الذي قال بشكل علني أن صوتها “شاخ”، صوتها الذي كان جزءاً أساسياً من صورتها الفنية، أكثر من شكلها، مقارنة بفنانات شهيرات أخريات.
والمفارقة أن تلك الأسماء لم تفقد موقعها الجماهيري، بل مازالت قادرة على جذب الجمهور وإحياء الحفلات، وما زالت أغنياتها القديمة حاضرة بقوة. وهذا يعني أن المسألة لا تتعلق بانهيار النجومية، بل بالفارق بين نجم يمتلك تاريخاً جماهيرياً ضخماً وبين صوت يخضع اليوم لمقارنة قاسية مع نفسه. وهنا تكمن صعوبة الحكم: هل للغناء عمر افتراضي؟ وهل المطلوب من الفنان أن يحافظ على صوته من عمر العشرين حتى نهاية مسيرته؟ أم أن على الجمهور أن يقبل بأن لكل مرحلة صوتها؟ أم أنه فعلاً يجب على الفنان أن يعتزل حينما يفقد رصيده الأهم، أي صوته؟ ولماذا يبدو الاعتزال مخيفاً إلى هذا الحد؟ لماذا تصبح النجومية إدماناً رغم خفوت مقوماتها؟ ولماذا هذا الرفض المَرَضي للاعتراف بالتقدم في السن والإصرار على شباب دائم ومستحيل؟
وهنا، يرى المايسترو لبنان بعلبكي في حديث مع “المدن” بأن الموسيقى تظل “مهنة لصاحبها”، وأن تراجع بعض القدرات لا يعني بالضرورة أن الفنان مطالب بالتوقف عن العمل. فالفنان، مهما تقدم في العمر أو طرأت تغيرات على قدراته، يبقى بحاجة إلى العمل، كما أن له الحق في مواصلة مسيرته ما دام راغباً في ذلك. ولا يبدو منطقياً أن يتحول الجمهور أو مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي إلى لجنة تحكيم لفنانين أمضوا عقوداً في المهنة، أو أنيتعرضوا للتنمر لمجرد أن أصواتهم لم تعد مطابقة لما كانت عليه في بداياتهم.
ومن وجهة نظر بعلبكي تبدو حالة جورج وسوف أكثر تعقيداً، مشيراً إلى أنه يحتاج إلى العمل أيضاً لتأمين نفقاته الطبية المرتفعة، وما تتطلبه حالته من مساعدين ومستشفيات وعلاج فيزيائي. ومن المنظور الإنساني، ربما يكون من السهل على المتفرج أن يطلب من الفنان الجلوس في المنزل، لكن الواقع مختلف بالنسبة إلى شخص عاش طوال حياته وسط الأضواء والموسيقى والجمهور. فالفنانون الذين منحوا الجمهور أربعة أو خمسة عقود من حياتهم، مثل ماجدة الرومي وميادة الحناوي وجورج وسوف، لا يمكن اختزال مسيرتهم في سؤال يتعلق بقدرتهم الحالية على أداء الأغنيات بالطريقة نفسها التي كانوا يقدمونها في شبابهم.
ويعتبر بعلبكي أن الشغف يشكل عاملاً أساسياً في هذه المسألة، فلا ينظر الفنان إلى المسرح باعتباره مجرد مصدر دخل، بل بوصفه جزءاً من هويته وحياته. ومن هنا يمكن فهم العمل باعتباره “مفتاح البقاء على قيد الحياة” بالنسبة إلى بعض الفنانين، وليس مجرد وظيفة يمكن التخلي عنها بمجرد التقدم في السن. أما في ما يتعلق بجودة الصوت، فإن أرشيف الإنترنت يتيح للجمهور فرصة العودة إلى مراحل مختلفة من حياة الفنان. فمن يريد سماع جورج وسوف لما كان في الرابعة عشرة من عمره يستطيع الوصول إلى تسجيلاته القديمة، بينما من يذهب إلى حفلته اليوم قد لا يبحث بالضرورة عن الصوت نفسه الذي كان عليه قبل عقود، وإنما عن تجربة مرتبطة بالحنين والنوستالجيا والاحتفاء بفنان أصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية.
تطاول الانتقادات النجمة نوال الزغبي التي كانت تغني على المسارح ببراعة لأكثر من 30 عاماً، منذ تسعينيات القرن الماضي، لكنها باتت غير قادرة على تقديم الأداءات نفسها، إلى حد وصفها بأنها باتت “فنانة استوديو”. وهذا ليس معيباً في حد ذاته لأن الفن نفسه أشمل ربما من مجرد الغناء الحي في المسرح. حتى النجمة المغربية سميرة سعيد، قالت علناً في تصريحات صحافية أنها لم تعد قادرة على الغناء مثلما كانت في السابق، وأن بعض النوتات الموسيقية التي كان صوتها يبلغها، باتت مستحيلة اليوم، وهو أمر طبيعي مع التقدم في السن، ما جعلها تعيد توزيع أغنياتها الكلاسيكية كي تصبح ملائمة لطبقات صوتها اليوم.
ويبدو المعيار الأوضح في هذه الحالة هو “العرض والطلب”، بحسب بعلبكي، فإذا أعلن فنان عن حفلة، وبيعت التذاكر خلال أيام قليلة، فإن الإقبال الجماهيري يصبح مؤشراً واضحاً على أن هناك جمهوراً يريد الاستماع إليه ورؤيته، بصرف النظر عن الأحكام التي تطلقها مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي مسألة الاعتزال، يتحدث بعلبكي عن اختلاف واضح بين عالم الأوبرا وعالم البوب. ففي الأوبرا توجد، في بعض المؤسسات، أعمار تقاعدية ترتبط بطبيعة العمل وبمتطلبات الإنتاج المتكامل، بينما تبدو الصورة مختلفة تماماً في عالم البوب، حيث يمكن لاسم الفنان وتاريخه وجمهوره أن يكونوا جزءاً أساسياً من قيمة الحفلة، متطرقاً إلى مشكلة أكبر تتمثل في غياب حقوق الفنانين في كثير من الدول العربية: “في أوروبا والولايات المتحدة، يمكن للفنان أن يستفيد مادياً من إعادة بث أعماله واستخدامها في أماكن مختلفة، بينما يبقى الفنان العربي، في كثير من الحالات، مضطراً إلى الاستمرار في الحفلات والمسرح للحفاظ على مستوى معيشته، حتى بعدما أمضى سنوات طويلة في المهنة”.
من جهته، يقول الناقد الفني طارق الشناوي لـ”المدن” أن العمر الافتراضي للصوت، ليس واحداً لدى الجميع، فربما يواصل بعض المغنين الغناء سنوات طويلة، فيما يختار آخرون الابتعاد حين يشعرون بأن إمكاناتهم لم تعد تسمح لهم بتقديم ما اعتاد الجمهور سماعه منهم. وأوضح أن أم كلثوم واصلت الغناء حتى مطلع العام 1973، قبل أن تشعر بأنها لم تعد قادرة على الاستمرار في الحفلات الحية بالطريقة التي اعتادها جمهورها. وسجلت آخر أغنياتها “حكم علينا الهوى” في الاستديو ثم توقفت عن إحياء الحفلات. ويكمل الشناوي بأن ملامح التراجع في صوت أم كلثوم بدأت تظهر منذ النصف الثاني من الستينيات، وتحديداً بعد أغنية “الأطلال” العام 1966، حينما لم يعد صوتها يتمتع بكامل لياقته الإبداعية التي عرف بها في مراحل سابقة.
ويتوقف الشناوي عند تجربة جورج وسوف ويعتبرها حالة مختلفة، فـ”جمهوره لا يتعامل معه بوصفه صوتاً فحسب، بل بوصفه حالة فنية وإنسانية ارتبط بها لسنوات طويلة. لذلك بقي الحب الذي يحظى به قادراً على منح صوته مساحة واسعة من التسامح. وحين يحب الجمهور فناناً بهذا العمق، يصبح أكثر استعداداً لتجاوز ما قد يراه نقصاً في اللياقة الصوتية أو الجسدية، لأن علاقته به تتجاوز الأداء اللحظي إلى الذاكرة والمكانة والتاريخ”.
وهنا، هل يمكن مطالبة فنان بالتوقف طالما أن الجمهور مازال يشتري تذاكر لحفلاته؟ ورأى الشناوي أن “وجود الحفلات يعني، أن هناك جمهوراً مستعداً لدفع المال من أجل رؤيته والاستماع إليه. وهذا ينطبق على أسماء مثل ميادة الحناوي وماجدة الرومي، إذ لا يمكن تجاهل رغبة الجمهور الذي يختار شراء التذكرة والاستماع إلى الفنان، حتى لو تغير صوته مع مرور السنوات”.
تقدم الأسطورة الراحلة صباح نموذجاً آخر عن صورة الفنان، فقد واجهت في سنواتها الأخيرة دعوات إلى الاعتزال، ارتبط بعضها بفكرة أن صباح يجب أن تبقى دائماً في صورة الجمال والشباب والحيوية. لكن هذه النظرة تكشف أيضاً مشكلة أوسع: هل يطلب من الفنان أن يحافظ على صورة مثالية ثابتة، بدلاً من أن يسمح له بالتقدم في العمر أمام جمهوره كما هو؟ ربما لا، لكن الفنان يبقى مُطالَباص، من باب احترام مسيرته وجمهوره، بالإقرار بحدود قدراته مع التقدم في السن…
أم كلثوم كانت شديدة الوعي بحدود صوتها. فلم يكن من المنطقي، مثلاً، أن تعيد، في السبعينات، أداء “الأطلال” بالطريقة ذاتها، لأنها كانت تدرك أن هذا النوع من الغناء يحتاج إلى إمكانات صوتية لم تعد متوافرة لديها بالدرجة نفسها. وكان عبد الحليم حافظ مثالاً آخر على الوعي بحدود الإمكانات، إذ توقف عن أداء أغنية “جبار” على المسرح، انطلاقاً من إدراكه لما تتطلبه الأغنية من قدرات صوتية ربما لم تكن متاحة له في الأداء الحي خلال سنواته الأخيرة.
وهذه الأسئلة ليست مقتصرة على العالم العربي، بل تعانيها نجمات عالميات ضمن صناعة البوب تحديداً، مثل مادونا التي لم تُبث أغنياتها الجديدة عبر الإذاعات الأميركية والبريطانية، بما في ذلك “بي بي سي”، لنحو عقدين، بحجة أنها كبيرة في السن، رغم أن صوتها لم يتغير، كما أنها مازالت حتى اليوم تتصدر المبيعات ولوائح الألبومات والموسيقى الجديدة، عند أي إصدار جديد.











