خاص- كم دبّابة البابا عندو؟!

يمارس الفاتيكان دوره السياسي بصورة أساسية من خلال دبلوماسية الكرسي الرسولي. فهو يتصرف بوصفه سلطة معنوية مستقلة، ووسيطًا من أجل السلام، ومدافعًا عن حقوق الإنسان على الساحة الدولية، من دون أن تكون له مصالح عسكرية أو اقتصادية مباشرة.
ففي الثقل المعنوي تؤثر مواقف البابا وتصريحاته في الرأي العام العالمي بشأن قضايا عديدة، مثل السلام، والفقر، ونزع السلاح، لما يمكن تحريكه خاصةً في الدول الديمقراطية. كما أن هذه المواقف تمنح الفاتيكان قدرة خاصة على التأثير في النقاشات وتحديد وتوجيه السياسات والقرارت الدولية ، حتى وإن كان لا يمتلك القوة العسكرية أو الاقتصادية التي تتمتع بها الدول الكبرى. وبتعبيرٍ أدقّ، صرّح سفير لبنان لدى الكرسي الرسولي الدكتور فادي عسّاف في مقابلة له مع IMEDIA عقب زيارة الرئيس جوزيف عون للفاتيكان وقبل زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، بأن:
“الكرسي الرسولي هو قوة عظمى معنوية، وثقل دبلوماسي كبير”.
فمن هنا المنطلق.
يلعب الفاتيكان دورًا فريدًا ومؤثرًا في الشؤون الدولية. فالفاتيكان عضو مراقب في عدد من المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومجلس أوروبا. وبصفته مراقبًا لدى الأمم المتحدة، يشارك بصورة منتظمة في النقاشات المتعلقة بالقضايا الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية على الصعيد العالمي، ورأيه يصعب تخطّيه.
كما يحافظ الكرسي الرسولي على علاقات دبلوماسية مع 184 دولة، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي وفرسان مالطا، (قلنا يحافظ لأنّها أقدم دبلوماسية مستمرّة حتى يومنا). وتُعد هذه الشبكة الدبلوماسية من أكثر الشبكات اطلاعًا على الأوضاع الدولية، إذ تستند إلى شبكة من السفراء البابويين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، فضلًا عن شبكة واسعة من الكهنة والراهبات والرهبان الموجودين في معظم الدول .
ما الأهداف الرئيسية للدبلوماسية الفاتيكانية؟
تتمثل الأهداف الأساسية للدبلوماسية الفاتيكانية في الدفاع عن مصالح الكنيسة الكاثوليكية، وحماية حقوق المؤمنين، وتعزيز السلام والعدالة والخير العام. وإن مفهوم “الخير العام” الذي يتبناه الفاتيكان يرتبط بتحقيق التنمية المتكاملة للإنسان واحترام حقوقه الأساسية التي ينبغي للدولة أن تضمنها. فالخير العام هو، في هذا التصور، الغاية الأساسية من وجود الدولة.
كما يدافع الفاتيكان عن مبدأ رفض تدخل الدولة بصورة مفرطة وغير مبررة في حياة الأفراد وتقويض حرّيتهم. ومن ثم، يدافع عن دور الهيئات الوسيطة والبنى المحلية حفاظاً على الخصوصية والحرية والكرامة.
ومن هنا يمكن فهم ميل الفاتيكان إلى تأييد النظام الديمقراطي. اذ يقرّ بوجود أنظمة سياسية مختلفة يمكن أن تكون صالحة وفاعلة في العالم. وقد عبّر البابا لاوون الثالث عشر عن موقف الكنيسة بالقول: «لا يتعارض أي شكل من أشكال الحكم المختلفة مع العقيدة الكاثوليكية»، لأنها تعكس تقاليد الشعوب وخصوصياتها وروحها الخاصة.
من هنا يطرح الكرسي الرسولي، أولًا، رؤية عالمية للإنسان، بمعنى أن الكنيسة تتوجه إلى الإنسان في شموليته، وليس إلى جانب واحد من جوانب شخصيته.
وفي نظرتها إلى الشعوب، تتمسك الكنيسة بالتنوع والتعددية بين الأمم وتواجه كل السياسات التي تؤدي إلى الغاء خصوصياتها. وهكذا يجيد الفاتيكان ادارة المعادلة الدقيقة التي تجمع بين احترام الخصوصيات الوطنية والثقافية من جهة، والنظرة العالمية إلى الإنسان من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار، يعتبر أيضاً أن حقوق الانسان ليست حقوقًا غربية حصرًا، بل مبادئ يمكن لجميع الشعوب تبنيها. ومن بين هذه الحقوق، يبرز الحق في الحياة بوصفه من أكثر الحقوق إثارة للجدل، نظرًا إلى انعكاساته على مواقف الانظمة التوتاليتارية والفلسفات الالغائية.
ومن اللافت أن هذا التصور للحقوق يمتد أيضًا إلى الشعوب والأمم. فالحق في تقرير المصير يبقى مبدأ أساسيًا بالنسبة إلى الكرسي الرسولي، مع التمييز بين حركات الاستقلال المشروعة وبين الحركات التي يجري توظيفها لأغراض سياسية.
الفاتيكان والسلام:
غالبًا ما يُقال أن الكرسي الرسولي يدافع عن السلام، لكن من الضروري تحديد المقصود بالسلام في الرؤية الفاتيكانية. فالسلام لا يعني مجرد غياب الحرب، بل يعني أيضًا غياب الظلم وقيام العدالة. ولضمان التعايش السلمي بين الدول، يدعو الفاتيكان إلى احترام حقوق الشعوب والالتزام بالتعهدات والاتفاقيات المنصوص عليها في المعاهدات الدولية. وهذه الأولوية التي يمنحها الكرسي الرسولي للقانون تفسّرالدور الوسيط الذي اضطلع به عدد من البابوات، ولا سيما منذ عهد لاوون الثالث عشر.
كما يدين الكرسي الرسوليي الارهاب بصورة صريحة، ويرى أنه من أسباب ظهوره وجود مظالم واختلالات، لكنّه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة احترام القانون في التعامل مع هذه الظاهرة واتخاذ الإجراءات العقابية لا الانتقامية.
أما قضية الهجرة، فهي أكثر تعقيدًا. فالفاتيكان يؤكد مبدأ التضامن والمحبة تجاه المهاجرين، لكنه يعترف في الوقت نفسه بحق الدول في تنظيم الهجرة والسيطرة على حدودها والحفاظ على خصوصيتها وحضارتها كي لا تصبح هذه الدول أمام مشاكل ديموغرافية مستجدّة. وفي المقابل، شدد البابوات أيضًا على أهمية تمكين الإنسان من البقاء في بلده والمساهمة في تنميته. وقد وصف البابا بنديكتوس السادس عشر الهجرة بأنها قد تكون بمثابة “عسل مرّ”، في إشارة إلى المفارقة التي يعيشها المهاجر بين البحث عن حياة أفضل وخسارة البيئة الوطنية والاجتماعية التي ينتمي إليها، فيبحث عن انتماءٍ ولا يجده.
الفاتيكان وسيط لا غنى عنه:
يمثل السفراء البابويون المنتشرون في عدد كبير من الدول، نموذجًا خاصًا من الدبلوماسيين. فهم لا يقتصرون على تمثيل مصالح الكنيسة، بل يعملون، وفق الرؤية الفاتيكانية، على تعزيز الترابط بين الدول وخدمة الإنسان وكرامته. كما يساهم الكرسي الرسولي في صياغة المعايير والقواعد الدولية فتتيح له هذه المكانة التحرك بعيدًا نسبيًا عن الاصطفافات السياسية في القضايا العابرة للحدود، وتبدو جهوده لافتة وفعّالة ومثمرة. فدبلوماسيو الفاتيكان غالبًا ما يعملون بصورة هادئة وبعيدة عن الأضواء، من خلال الاتصالات والوساطات والمساعي الحميدة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مساهمتهم في إعادة العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا في كانون الأول/ديسمبر 2014.
وفي سعيه إلى الوصول إلى “قلب الإنسان وروحه”، يفرض الكرسي الرسولي نفسه بوصفه وسيطًا دوليًا من الطراز الأول، مستفيدًا من مزيج نادر من الحضور الديني العالمي، والامتداد الدبلوماسي في الجغرافيا والتاريخ، والسلطة المعنوية الفائقة، والقدرة على التواصل مع أطراف متباعدة سياسيًا وثقافيًا ودينيًا.
أخيراً، لا يمكن قياس لغة السلام بأدوات الحرب، ومن اعتاد على العسكرة وظلّ غريباً عن حقوق الناس والانسان لا يستذكر صانعي السلام بل يستذكر صانعي الحروب، ومن كان غريباً عن العدالة وعن انهاء الظلم يغفل عن القوة الدبلوماسية.
نعم سعادة السفير “الكرسي الرسولي هو قوة عظمى معنوية، وثقل دبلوماسي كبير”.
خاص- كم دبّابة البابا عندو؟!

يمارس الفاتيكان دوره السياسي بصورة أساسية من خلال دبلوماسية الكرسي الرسولي. فهو يتصرف بوصفه سلطة معنوية مستقلة، ووسيطًا من أجل السلام، ومدافعًا عن حقوق الإنسان على الساحة الدولية، من دون أن تكون له مصالح عسكرية أو اقتصادية مباشرة.
ففي الثقل المعنوي تؤثر مواقف البابا وتصريحاته في الرأي العام العالمي بشأن قضايا عديدة، مثل السلام، والفقر، ونزع السلاح، لما يمكن تحريكه خاصةً في الدول الديمقراطية. كما أن هذه المواقف تمنح الفاتيكان قدرة خاصة على التأثير في النقاشات وتحديد وتوجيه السياسات والقرارت الدولية ، حتى وإن كان لا يمتلك القوة العسكرية أو الاقتصادية التي تتمتع بها الدول الكبرى. وبتعبيرٍ أدقّ، صرّح سفير لبنان لدى الكرسي الرسولي الدكتور فادي عسّاف في مقابلة له مع IMEDIA عقب زيارة الرئيس جوزيف عون للفاتيكان وقبل زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، بأن:
“الكرسي الرسولي هو قوة عظمى معنوية، وثقل دبلوماسي كبير”.
فمن هنا المنطلق.
يلعب الفاتيكان دورًا فريدًا ومؤثرًا في الشؤون الدولية. فالفاتيكان عضو مراقب في عدد من المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومجلس أوروبا. وبصفته مراقبًا لدى الأمم المتحدة، يشارك بصورة منتظمة في النقاشات المتعلقة بالقضايا الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية على الصعيد العالمي، ورأيه يصعب تخطّيه.
كما يحافظ الكرسي الرسولي على علاقات دبلوماسية مع 184 دولة، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي وفرسان مالطا، (قلنا يحافظ لأنّها أقدم دبلوماسية مستمرّة حتى يومنا). وتُعد هذه الشبكة الدبلوماسية من أكثر الشبكات اطلاعًا على الأوضاع الدولية، إذ تستند إلى شبكة من السفراء البابويين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، فضلًا عن شبكة واسعة من الكهنة والراهبات والرهبان الموجودين في معظم الدول .
ما الأهداف الرئيسية للدبلوماسية الفاتيكانية؟
تتمثل الأهداف الأساسية للدبلوماسية الفاتيكانية في الدفاع عن مصالح الكنيسة الكاثوليكية، وحماية حقوق المؤمنين، وتعزيز السلام والعدالة والخير العام. وإن مفهوم “الخير العام” الذي يتبناه الفاتيكان يرتبط بتحقيق التنمية المتكاملة للإنسان واحترام حقوقه الأساسية التي ينبغي للدولة أن تضمنها. فالخير العام هو، في هذا التصور، الغاية الأساسية من وجود الدولة.
كما يدافع الفاتيكان عن مبدأ رفض تدخل الدولة بصورة مفرطة وغير مبررة في حياة الأفراد وتقويض حرّيتهم. ومن ثم، يدافع عن دور الهيئات الوسيطة والبنى المحلية حفاظاً على الخصوصية والحرية والكرامة.
ومن هنا يمكن فهم ميل الفاتيكان إلى تأييد النظام الديمقراطي. اذ يقرّ بوجود أنظمة سياسية مختلفة يمكن أن تكون صالحة وفاعلة في العالم. وقد عبّر البابا لاوون الثالث عشر عن موقف الكنيسة بالقول: «لا يتعارض أي شكل من أشكال الحكم المختلفة مع العقيدة الكاثوليكية»، لأنها تعكس تقاليد الشعوب وخصوصياتها وروحها الخاصة.
من هنا يطرح الكرسي الرسولي، أولًا، رؤية عالمية للإنسان، بمعنى أن الكنيسة تتوجه إلى الإنسان في شموليته، وليس إلى جانب واحد من جوانب شخصيته.
وفي نظرتها إلى الشعوب، تتمسك الكنيسة بالتنوع والتعددية بين الأمم وتواجه كل السياسات التي تؤدي إلى الغاء خصوصياتها. وهكذا يجيد الفاتيكان ادارة المعادلة الدقيقة التي تجمع بين احترام الخصوصيات الوطنية والثقافية من جهة، والنظرة العالمية إلى الإنسان من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار، يعتبر أيضاً أن حقوق الانسان ليست حقوقًا غربية حصرًا، بل مبادئ يمكن لجميع الشعوب تبنيها. ومن بين هذه الحقوق، يبرز الحق في الحياة بوصفه من أكثر الحقوق إثارة للجدل، نظرًا إلى انعكاساته على مواقف الانظمة التوتاليتارية والفلسفات الالغائية.
ومن اللافت أن هذا التصور للحقوق يمتد أيضًا إلى الشعوب والأمم. فالحق في تقرير المصير يبقى مبدأ أساسيًا بالنسبة إلى الكرسي الرسولي، مع التمييز بين حركات الاستقلال المشروعة وبين الحركات التي يجري توظيفها لأغراض سياسية.
الفاتيكان والسلام:
غالبًا ما يُقال أن الكرسي الرسولي يدافع عن السلام، لكن من الضروري تحديد المقصود بالسلام في الرؤية الفاتيكانية. فالسلام لا يعني مجرد غياب الحرب، بل يعني أيضًا غياب الظلم وقيام العدالة. ولضمان التعايش السلمي بين الدول، يدعو الفاتيكان إلى احترام حقوق الشعوب والالتزام بالتعهدات والاتفاقيات المنصوص عليها في المعاهدات الدولية. وهذه الأولوية التي يمنحها الكرسي الرسولي للقانون تفسّرالدور الوسيط الذي اضطلع به عدد من البابوات، ولا سيما منذ عهد لاوون الثالث عشر.
كما يدين الكرسي الرسوليي الارهاب بصورة صريحة، ويرى أنه من أسباب ظهوره وجود مظالم واختلالات، لكنّه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة احترام القانون في التعامل مع هذه الظاهرة واتخاذ الإجراءات العقابية لا الانتقامية.
أما قضية الهجرة، فهي أكثر تعقيدًا. فالفاتيكان يؤكد مبدأ التضامن والمحبة تجاه المهاجرين، لكنه يعترف في الوقت نفسه بحق الدول في تنظيم الهجرة والسيطرة على حدودها والحفاظ على خصوصيتها وحضارتها كي لا تصبح هذه الدول أمام مشاكل ديموغرافية مستجدّة. وفي المقابل، شدد البابوات أيضًا على أهمية تمكين الإنسان من البقاء في بلده والمساهمة في تنميته. وقد وصف البابا بنديكتوس السادس عشر الهجرة بأنها قد تكون بمثابة “عسل مرّ”، في إشارة إلى المفارقة التي يعيشها المهاجر بين البحث عن حياة أفضل وخسارة البيئة الوطنية والاجتماعية التي ينتمي إليها، فيبحث عن انتماءٍ ولا يجده.
الفاتيكان وسيط لا غنى عنه:
يمثل السفراء البابويون المنتشرون في عدد كبير من الدول، نموذجًا خاصًا من الدبلوماسيين. فهم لا يقتصرون على تمثيل مصالح الكنيسة، بل يعملون، وفق الرؤية الفاتيكانية، على تعزيز الترابط بين الدول وخدمة الإنسان وكرامته. كما يساهم الكرسي الرسولي في صياغة المعايير والقواعد الدولية فتتيح له هذه المكانة التحرك بعيدًا نسبيًا عن الاصطفافات السياسية في القضايا العابرة للحدود، وتبدو جهوده لافتة وفعّالة ومثمرة. فدبلوماسيو الفاتيكان غالبًا ما يعملون بصورة هادئة وبعيدة عن الأضواء، من خلال الاتصالات والوساطات والمساعي الحميدة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مساهمتهم في إعادة العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا في كانون الأول/ديسمبر 2014.
وفي سعيه إلى الوصول إلى “قلب الإنسان وروحه”، يفرض الكرسي الرسولي نفسه بوصفه وسيطًا دوليًا من الطراز الأول، مستفيدًا من مزيج نادر من الحضور الديني العالمي، والامتداد الدبلوماسي في الجغرافيا والتاريخ، والسلطة المعنوية الفائقة، والقدرة على التواصل مع أطراف متباعدة سياسيًا وثقافيًا ودينيًا.
أخيراً، لا يمكن قياس لغة السلام بأدوات الحرب، ومن اعتاد على العسكرة وظلّ غريباً عن حقوق الناس والانسان لا يستذكر صانعي السلام بل يستذكر صانعي الحروب، ومن كان غريباً عن العدالة وعن انهاء الظلم يغفل عن القوة الدبلوماسية.
نعم سعادة السفير “الكرسي الرسولي هو قوة عظمى معنوية، وثقل دبلوماسي كبير”.







