قلعة بعلبك… حين تصبح الحجارة العتيقة في مرمى الشك

في بعلبك، لا يحتاج التاريخ إلى أنفاق كي يكون عميقًا، يكفي أن تنظر إلى حجارة قلعتها لتدرك أن تحت هذه المدينة تاريخًا أقدم من كل الحروب، وأثقل من كل الخرائط، وأن تلك الهندسة العمرانية التي صمدت على مرّ الزلازل والحروب لن تنحني أمام بعثرة الخرائط وعبث البعض.
فجأة، ومن دون سابق إنذار، دخلت قلعة بعلبك في أتون الحرب، بعد تداول معلومات عن خرائط قيل إنها عُرضت في مفاوضات روما بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، وتتحدث عن منشآت وأنفاق لـ”حزب الله” تحتها وفي محيطها، بل عن امتدادات بعيدة. رواية لا يمكن التعامل معها كحقيقة ثابتة، ولا يصح، في الوقت نفسه، تجاهلها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بموقع يختزن جزءًا من ذاكرة لبنان وحضارات جمّة.
فالرواية الإسرائيلية تبقى رواية طرف في حرب، والخرائط التي يُقال إنها عُرضت تحتاج إلى تدقيق وإثبات، تمامًا كما أن نفيها يحتاج إلى معلومات واضحة. وبين الرواية والنفي، تبقى الحقيقة الأهم: قلعة بعلبك ليست موقعًا عاديًا يمكن أن يُترك لمعادلات الاشتباه. فالحديث عن سراديب تحت الأرض في بعلبك ليس جديدًا أصلا. فالمدينة تختزن مغاور وأقبية وممرات قديمة وسراديب، بعضها موثّق، وبعضها بقي في دائرة الروايات المتوارثة وغير المكاشفة، فيما تحدثت معلومات تاريخية عن سراديب محفورة في الصخر في محيط بعلبك، أمثال مغر الطحين، وعن امتدادات تحت الأرض ارتبطت بتاريخ المدينة القديم، وتصل إلى مناطق على بُعد كيلومترات.
وهنا تكمن المفارقة الخطرة: ما هو أثري وتاريخي يمكن أن يُقرأ اليوم بعين عسكرية. ففي الحرب الماضية، لم يكن الحديث عن القلعة جديدًا، حيث أُثيرت مزاعم عن وجود أسلحة فيها، فسارعت وزارة الثقافة إلى حماية الموقع ورفع العلم الأزرق، في إشارة إلى كونه موقعًا تراثيًا محميًا وفق الاتفاقيات الدولية. كانت الرسالة يومها واضحة: القلعة ليست مستودعًا ولا ثكنة ولا ملكًا لطرف سياسي، إنها إرث لبناني وعالمي.
لكن السؤال اليوم: هل توجد أنفاق؟ هنا تفرض الجغرافيا نفسها وتفرض أسئلتها، فبين بعلبك وجبيل وكسروان مسافات طويلة وسلاسل جبلية وتكوينات صخرية متباينة، ما يجعل الحديث عن نفق استراتيجي عابر لهذه المسافة أكثر من مجرد خط يُرسم على خريطة. ومثل هذا المشروع، إن وُجد، لا بد أن تكون له بصماته الهندسية واللوجستية.
أسئلة كثيرة، وهلعٌ أصاب الناس في المنطقة بعد كل ما يُحكى، حيث كانت القلعة، على مدى الحربين الماضيتين، درع بعلبك الذي يحميها، حتى بات السؤال المتداول بين الناس في كل وقت وساعة: هل يمكن أن تصبح قلعة بعلبك هدفًا في حرب مقبلة، إذا تحولت الادعاءات والخرائط والتسريبات إلى مبررات عسكرية؟
وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بحزب أو سلاح أو حتى بالرواية الإسرائيلية، بل يصبح متعلقًا بلبنان نفسه، وبحجر عمره آلاف السنين، وبموقع أدرجته اليونسكو على لائحة التراث العالمي، وبذاكرة حضارة لا يملك أحد حق تحويلها إلى ساحة حرب. وإذا كانت الدولة تملك معلومات تنفي وجود أي منشأة عسكرية تحت القلعة، فلتقلها بوضوح لتريح أبناء المدينة قبل أي أحد آخر، وإذا كانت هناك شبهات، فلتُحسم بالوسائل العلمية والأمنية، لا بالخرائط المتداولة والتسريبات.
فقلعة بعلبك لا تستطيع الدفاع عن نفسها، ولا تستطيع حجارتها أن تشرح للعالم أنها كانت هنا قبل كل الجيوش والأحزاب والحروب. فهي ليست مجرد موقع أثري يمكن حمايته بالعلم الأزرق، بل شاهد على لبنان الذي كان قبل الحروب، وسيبقى بعد أن تنتهي، والخوف اليوم ليس من نفق تحتها، بل من أن تجد الحرب ذريعة فوقها.
قلعة بعلبك… حين تصبح الحجارة العتيقة في مرمى الشك

في بعلبك، لا يحتاج التاريخ إلى أنفاق كي يكون عميقًا، يكفي أن تنظر إلى حجارة قلعتها لتدرك أن تحت هذه المدينة تاريخًا أقدم من كل الحروب، وأثقل من كل الخرائط، وأن تلك الهندسة العمرانية التي صمدت على مرّ الزلازل والحروب لن تنحني أمام بعثرة الخرائط وعبث البعض.
فجأة، ومن دون سابق إنذار، دخلت قلعة بعلبك في أتون الحرب، بعد تداول معلومات عن خرائط قيل إنها عُرضت في مفاوضات روما بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، وتتحدث عن منشآت وأنفاق لـ”حزب الله” تحتها وفي محيطها، بل عن امتدادات بعيدة. رواية لا يمكن التعامل معها كحقيقة ثابتة، ولا يصح، في الوقت نفسه، تجاهلها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بموقع يختزن جزءًا من ذاكرة لبنان وحضارات جمّة.
فالرواية الإسرائيلية تبقى رواية طرف في حرب، والخرائط التي يُقال إنها عُرضت تحتاج إلى تدقيق وإثبات، تمامًا كما أن نفيها يحتاج إلى معلومات واضحة. وبين الرواية والنفي، تبقى الحقيقة الأهم: قلعة بعلبك ليست موقعًا عاديًا يمكن أن يُترك لمعادلات الاشتباه. فالحديث عن سراديب تحت الأرض في بعلبك ليس جديدًا أصلا. فالمدينة تختزن مغاور وأقبية وممرات قديمة وسراديب، بعضها موثّق، وبعضها بقي في دائرة الروايات المتوارثة وغير المكاشفة، فيما تحدثت معلومات تاريخية عن سراديب محفورة في الصخر في محيط بعلبك، أمثال مغر الطحين، وعن امتدادات تحت الأرض ارتبطت بتاريخ المدينة القديم، وتصل إلى مناطق على بُعد كيلومترات.
وهنا تكمن المفارقة الخطرة: ما هو أثري وتاريخي يمكن أن يُقرأ اليوم بعين عسكرية. ففي الحرب الماضية، لم يكن الحديث عن القلعة جديدًا، حيث أُثيرت مزاعم عن وجود أسلحة فيها، فسارعت وزارة الثقافة إلى حماية الموقع ورفع العلم الأزرق، في إشارة إلى كونه موقعًا تراثيًا محميًا وفق الاتفاقيات الدولية. كانت الرسالة يومها واضحة: القلعة ليست مستودعًا ولا ثكنة ولا ملكًا لطرف سياسي، إنها إرث لبناني وعالمي.
لكن السؤال اليوم: هل توجد أنفاق؟ هنا تفرض الجغرافيا نفسها وتفرض أسئلتها، فبين بعلبك وجبيل وكسروان مسافات طويلة وسلاسل جبلية وتكوينات صخرية متباينة، ما يجعل الحديث عن نفق استراتيجي عابر لهذه المسافة أكثر من مجرد خط يُرسم على خريطة. ومثل هذا المشروع، إن وُجد، لا بد أن تكون له بصماته الهندسية واللوجستية.
أسئلة كثيرة، وهلعٌ أصاب الناس في المنطقة بعد كل ما يُحكى، حيث كانت القلعة، على مدى الحربين الماضيتين، درع بعلبك الذي يحميها، حتى بات السؤال المتداول بين الناس في كل وقت وساعة: هل يمكن أن تصبح قلعة بعلبك هدفًا في حرب مقبلة، إذا تحولت الادعاءات والخرائط والتسريبات إلى مبررات عسكرية؟
وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بحزب أو سلاح أو حتى بالرواية الإسرائيلية، بل يصبح متعلقًا بلبنان نفسه، وبحجر عمره آلاف السنين، وبموقع أدرجته اليونسكو على لائحة التراث العالمي، وبذاكرة حضارة لا يملك أحد حق تحويلها إلى ساحة حرب. وإذا كانت الدولة تملك معلومات تنفي وجود أي منشأة عسكرية تحت القلعة، فلتقلها بوضوح لتريح أبناء المدينة قبل أي أحد آخر، وإذا كانت هناك شبهات، فلتُحسم بالوسائل العلمية والأمنية، لا بالخرائط المتداولة والتسريبات.
فقلعة بعلبك لا تستطيع الدفاع عن نفسها، ولا تستطيع حجارتها أن تشرح للعالم أنها كانت هنا قبل كل الجيوش والأحزاب والحروب. فهي ليست مجرد موقع أثري يمكن حمايته بالعلم الأزرق، بل شاهد على لبنان الذي كان قبل الحروب، وسيبقى بعد أن تنتهي، والخوف اليوم ليس من نفق تحتها، بل من أن تجد الحرب ذريعة فوقها.








