بشير الجميّل.. الفخامة التي سبقت جمهوريتها

لقد سبق بشير جمهوريته. قال في زمن الميليشيات إنّ المستقبل للدولة، وفي زمن الاحتلالات إنّ لبنان يجب أن يعود إلى اللبنانيين، وفي زمن المتاريس إنّ المطلوب إعادة جمع اللبنانيين حول وطن واحد. لم يكن يريد دولة قوية على اللبنانيين، بل دولة قوية بهم وقادرة على حمايتهم
في الثالث والعشرين من آب 1982، انتُخب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية. وبعد أربعة وأربعين عامًا، لا تبدو العودة إلى ذلك اليوم زيارةً لأرشيف سياسي، بل وقوفًا أمام مشروع تأخّر لبنان كثيرًا في إنجازه.
المفارقة أنّ بشير، الذي لم يُتح له أن يحكم، ترك وراءه أسئلة ما زالت تحكمنا.
كان يريد دولة لا تستعير قرارها من أحد، ولا تتقاسم سيادتها مع أحد، ولا تحتاج إلى إذن من خارج حدودها كي تتصرف داخل حدودها.
أراد جيشًا يكون القوة الشرعية، ومؤسسات لا تعمل في ظل مؤسسات موازية، ولبنانًا لا يتحول إلى صندوق بريد للمنطقة ولا إلى خط دفاع عن مشاريع الآخرين.
عام 1982 كانت المشكلة احتلالات وجيوشًا وتنظيمات مسلحة وساحات نفوذ. وفي 2026 تغيّرت الأسماء والرايات والخرائط، لكن السؤال بقي نفسه، “من يملك لبنان؟ الدولة أم القوى التي تقيم داخل الدولة وتحتفظ لنفسها بحقّ تجاوزها؟”..
وهنا تحديدًا تصبح ذكرى بشير سياسية لا عاطفية. فالوفاء لـ”الباش” لا يكون بصورة تُرفع في 23 آب، ولا بخطاب يُستعاد في 14 أيلول. الوفاء الحقيقي يبدأ يوم تصبح أفكاره أمورًا عادية في الجمهورية، “أن يكون السلاح للجيش وحده، والحدود للدولة وحدها، والحرب والسلم قرارًا لبنانيًا وحده، والقضاء بلا أبواب خلفية، والإدارة بلا زبائنية، والمواطن أكبر من الطائفة عندما يقف أمام القانون”.
لقد سبق بشير جمهوريته. قال في زمن الميليشيات إنّ المستقبل للدولة، وفي زمن الاحتلالات إنّ لبنان يجب أن يعود إلى اللبنانيين، وفي زمن المتاريس إنّ المطلوب إعادة جمع اللبنانيين حول وطن واحد. لم يكن يريد دولة قوية على اللبنانيين، بل دولة قوية بهم وقادرة على حمايتهم.
واليوم، للمرة الأولى منذ زمن طويل، تبدو أمام لبنان نافذة تسمح بإعادة طرح السؤال من أساسه، “هل نريد فعلًا إنهاء زمن الدولة الناقصة؟”..
الجواب لا يكون بإنتاج “بشير جديد”، لأنّ التاريخ لا يكرر الأشخاص. المطلوب أن ننتج جمهورية بشير، جمهورية لا يكون فيها رئيس الجمهورية شاهدًا على السيادة بل حارسًا لها، ولا يكون الجيش شريكًا في الأمن بل صاحب الاختصاص الحصري فيه، ولا يكون الدستور وجهة نظر قابلة للتفاوض كلما تغيّرت موازين القوى.
بعد أربعة وأربعين عامًا، ربما آن الأوان أن نخرج بشير من إطار الذكرى إلى ورشة الدولة.
فأجمل ما يمكن أن نقدمه للرئيس الذي اغتيل قبل أن يدخل القصر، ألا نبقى نسأل ماذا كان سيفعل لو عاش، بل أن نبدأ نحن بفعل ما كان يريد للبنان أن يعيشه.. علينا أن نثبت بالفعل قبل القول أنّ بشير، حيّ فينا، وفي جمهوريّتنا المأمولة.
بشير الجميّل.. الفخامة التي سبقت جمهوريتها

لقد سبق بشير جمهوريته. قال في زمن الميليشيات إنّ المستقبل للدولة، وفي زمن الاحتلالات إنّ لبنان يجب أن يعود إلى اللبنانيين، وفي زمن المتاريس إنّ المطلوب إعادة جمع اللبنانيين حول وطن واحد. لم يكن يريد دولة قوية على اللبنانيين، بل دولة قوية بهم وقادرة على حمايتهم
في الثالث والعشرين من آب 1982، انتُخب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية. وبعد أربعة وأربعين عامًا، لا تبدو العودة إلى ذلك اليوم زيارةً لأرشيف سياسي، بل وقوفًا أمام مشروع تأخّر لبنان كثيرًا في إنجازه.
المفارقة أنّ بشير، الذي لم يُتح له أن يحكم، ترك وراءه أسئلة ما زالت تحكمنا.
كان يريد دولة لا تستعير قرارها من أحد، ولا تتقاسم سيادتها مع أحد، ولا تحتاج إلى إذن من خارج حدودها كي تتصرف داخل حدودها.
أراد جيشًا يكون القوة الشرعية، ومؤسسات لا تعمل في ظل مؤسسات موازية، ولبنانًا لا يتحول إلى صندوق بريد للمنطقة ولا إلى خط دفاع عن مشاريع الآخرين.
عام 1982 كانت المشكلة احتلالات وجيوشًا وتنظيمات مسلحة وساحات نفوذ. وفي 2026 تغيّرت الأسماء والرايات والخرائط، لكن السؤال بقي نفسه، “من يملك لبنان؟ الدولة أم القوى التي تقيم داخل الدولة وتحتفظ لنفسها بحقّ تجاوزها؟”..
وهنا تحديدًا تصبح ذكرى بشير سياسية لا عاطفية. فالوفاء لـ”الباش” لا يكون بصورة تُرفع في 23 آب، ولا بخطاب يُستعاد في 14 أيلول. الوفاء الحقيقي يبدأ يوم تصبح أفكاره أمورًا عادية في الجمهورية، “أن يكون السلاح للجيش وحده، والحدود للدولة وحدها، والحرب والسلم قرارًا لبنانيًا وحده، والقضاء بلا أبواب خلفية، والإدارة بلا زبائنية، والمواطن أكبر من الطائفة عندما يقف أمام القانون”.
لقد سبق بشير جمهوريته. قال في زمن الميليشيات إنّ المستقبل للدولة، وفي زمن الاحتلالات إنّ لبنان يجب أن يعود إلى اللبنانيين، وفي زمن المتاريس إنّ المطلوب إعادة جمع اللبنانيين حول وطن واحد. لم يكن يريد دولة قوية على اللبنانيين، بل دولة قوية بهم وقادرة على حمايتهم.
واليوم، للمرة الأولى منذ زمن طويل، تبدو أمام لبنان نافذة تسمح بإعادة طرح السؤال من أساسه، “هل نريد فعلًا إنهاء زمن الدولة الناقصة؟”..
الجواب لا يكون بإنتاج “بشير جديد”، لأنّ التاريخ لا يكرر الأشخاص. المطلوب أن ننتج جمهورية بشير، جمهورية لا يكون فيها رئيس الجمهورية شاهدًا على السيادة بل حارسًا لها، ولا يكون الجيش شريكًا في الأمن بل صاحب الاختصاص الحصري فيه، ولا يكون الدستور وجهة نظر قابلة للتفاوض كلما تغيّرت موازين القوى.
بعد أربعة وأربعين عامًا، ربما آن الأوان أن نخرج بشير من إطار الذكرى إلى ورشة الدولة.
فأجمل ما يمكن أن نقدمه للرئيس الذي اغتيل قبل أن يدخل القصر، ألا نبقى نسأل ماذا كان سيفعل لو عاش، بل أن نبدأ نحن بفعل ما كان يريد للبنان أن يعيشه.. علينا أن نثبت بالفعل قبل القول أنّ بشير، حيّ فينا، وفي جمهوريّتنا المأمولة.






