واشنطن تختار بعبدا بوّابةً إلى لبنان

يكاد يكون السفير الأميركيّ ميشال عيسى الرجل الثاني في الجمهوريّة الأكثر نشاطاً في المدّة الأخيرة بعد رئيس الجمهوريّة الذي يدلي بمواقف يوميّة تقريباً. لا يكتفي عيسى بالتحرّك وتنوّع الزيارات التي يقوم بها، بل يطلق آراء عالية السقف في وجهتَيْ الدفاع عن المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة وتبرير الاعتداءات الإسرائيليّة وتواصلها بأنّها معزوّة بحسبه إمّا إلى خرق “الحزب” وقف النار أو عدم تسليمه سلاحه إلى الدولة اللبنانيّة.
صعود السفير الأميركيّ ميشال عيسى بنشاط فائض إلى مسرح الوقائع اليوميّة اللبنانيّة، تارة بجولاته الدوريّة على الرؤساء أو تلبيته دعوات سياسيّين، وتارة بالاجتماع بآخرين ومقابلاته المراجع الدينيّة، يستعيد سابقة أحد أكثر السفراء الأميركيّين المقيمين همّة وانشغالاً بالتفاصيل اللبنانيّة من أبسطها إلى أعقدها. سلفه الذائع الصيت جيفري فيلتمان مع الفارق الشاسع بين الشخصين ذلك ما يتكرّر في الوقت الحاضر بمحاولة طيّ مرحلة ما أورثه السوريّون إلى “الحزب” ما إن أُرغمت قوّاتهم على مغادرة لبنان وإلغاء حقبتهم الطويلة نهائيّاً بمفاعيلها المختلفة، ثمّ ما نجم عن ذلك الإرث في العقود التالية.
عيسى.. خطابٌ أميركيّ بلهجة الضيعة
لكنّ الفارق الجوهريّ بين فيلتمان وعيسى أنّ الأخير اللبنانيّ الأصل سفير الولايات المتّحدة حليفة إسرائيل، ولا يتكلّم كأسلافه باللغة الدبلوماسيّة الباردة بمقدار ما يستعين بالعاميّة اللبنانيّة مستخدماً تراكيبها السهلة التلقّف لدى العموم، فيوصل رسائله على نحو أسرع وأقلّ غموضاً والتباساً في التفسير.
بات الرجل رديف رئيس الجمهوريّة في الدفاع عن المفاوضات المباشرة وتبرير الاتّفاق مع إسرائيل، لكن بتمييز واضح هو أنه يجهر مباشرة وعلى نحو فجّ “ضيعاوي” من بسوس أحياناً بما لا يزال يكتمه بمداراة عون ويلمّح إليه حيال “الحزب” دونما أن يقلّل من انتقاداته له وحملته عليه. يختصر عيسى الطريق للوصول إلى أصل المشكلة عنده، وهو سلاح “الحزب” وليس الاحتلال الإسرائيليّ. فيما يتكلّم الرئيس عن “الحزب” بلغة الغائب، يتوجّه إليه السفير بلغة المُخَاطب للمحتوى نفسه الذي يتقاطعان عليه، وهو تخلّي “الحزب” عن سلاحه.
تكاد السياسة الخارجيّة اللبنانيّة اليوم تدور من حول مرجعَيْها الاثنَيْن الحاليَّين حتّى إشعار آخر: رئيس الجمهوريّة والسفير الأميركيّ. يقود الأوّل حملة دفاعيّة عن المفاوضات والاتّفاق مع إسرائيل، والثاني حملة مهاجمة معارضي الاتّفاق، وكان آخر ضحاياه من بينهم الرئيس السابق للحزب التقدّمي الاشتراكيّ وليد جنبلاط.
السّياسة الخارجيّة تنتقل إلى بعبدا
ربّما هي المرّة الأولى منذ اتّفاق الطائف التي ينتقل فيها ملفّ الدبلوماسيّة اللبنانيّة إلى رئيس الجمهوريّة، الذي يمسي المعنيّ الوحيد بالسياسة الخارجيّة بالتوافق مع رئيس الحكومة، وتحديداً الملفّ الأكثر أهميّة منذ مطلع الولاية، وهو العلاقات اللبنانيّة الأميركيّة. منذ منتصف الثمانينيّات، وتحديداً منذ 30 نيسان 1984، تبعاً للأحداث المتوالية مذّاك، غدا ملفّ السياسة الخارجيّة في يد رئيس الحكومة، الذي غالباً ما كان وزير الخارجيّة أيضاً أو مقصوراً عليه وحده في الظلّ: تلك حالات شتّى خبرها لبنان مع الرئيسين رشيد كرامي وسليم الحص قبل اتّفاق الطائف، وصولاً إلى الرئيسين رفيق الحريري والحص بعده. بين عامَيْ 2005 و2014 أضحت السياسة الخارجيّة بين يدي الثنائيّ الشيعيّ، ثمّ منذ عام 2016 حتّى الحكومة السابقة تقلّبت بين أيدي وزراء راحوا يراعون التوازنات الداخليّة. الأكثر دلالة في حقبتَيْ الحريري والحص إصرارهما على رئاسة السياسة الخارجيّة في دور موازٍ ومتوازن لما يفترض أنّ رئيس الدولة يضطلع به.
في الحكومة الحاليّة، على نحو ما اعتاد أن يفعله الحريري الأب، السياسة الخارجيّة في مكان وإدارة الوزارة في مكان آخر. مع أنّ الوزير السابق للخارجيّة فارس بويز كان “فجّ” المراس مع الحريري في عقد التسعينيّات، سارع الحريري فور عودته إلى السراي عام 2000 إلى فصل السياسة الخارجيّة عن شؤون الوزارة بأن طلب أمام الرئيس إميل لحّود من وزير الخارجيّة محمود حمّود الانصراف إلى شؤون حقيبته ووضع السياسة الخارجيّة لدى وزير الثقافة غسّان سلامة وزيرها الظلّ على أنّها على صلة مباشرة بالحريري.
تلك النبذة المجرّبة في الدبلوماسيّة اللبنانيّة تكاد تُستعاد الآن على نحو مقلوب: وزير الخارجيّة يوسف رجّي المفترض أنّه يمثّل أكبر تكتّل نيابيّ في البرلمان، وهو لحزب القوّات اللبنانيّة، على هامش السياسة الخارجيّة، ويكتفي بتسيير حقيبته إداريّاً مُستبعَداً من زيارات رئيس الجمهوريّة إلى الخارج ومعزولاً عن نتائج المفاوضات، فيما غرفة عمليّات السياسة الخارجيّة في مكاتب قصر بعبدا وفي مكتب رئيس الدولة. ليس التفاوض مع إسرائيل سوى جزء من كلّ: التفاوض أو الأصحّ المفاوض الرئيس هو الرئيس بتوجيهاته إلى السفيرة في واشنطن وإلى الوفد الرسميّ المفاوض.
ليس هذا الواقع ما يتشبّث به عون وحده ويصرّ عليه، مع أنّه كذلك في معرض إصراره على التفاوض المباشر مع إسرائيل.
الشريك الفعليّ في حصر العلاقات اللبنانيّة الأميركيّة بالرئيس وحده هو واشنطن بالذات، انطلاقاً من قاعدة باتت معروفة في العقود الأخيرة، على الأقلّ منذ عام 2005، وهي ربط الدبلوماسيّة اللبنانيّة بالعلاقة العضويّة الآخذة في التنامي مذّاك بين قيادة المنطقة الوسطى الأميركيّة (سنتكوم) والجيش اللبنانيّ.
هو الشريك المعوَّل عليه لا الطبقة السياسيّة، والأكثر تأثّراً باللوم والانتقاد كلّما وُجّه إليها. سيفسّر هذه القاعدة اقتصار تسليح الجيش إلى حدٍّ ما على الأميركيّين وحظوة المساعدات المجّانيّة وتدريب الضبّاط اللبنانيّين في الولايات المتّحدة والزيارات الدوريّة لقادة الجيش المتعاقبين لـ “سنتكوم” على أنّها اجتماعات دوريّة وضروريّة. تمرّ هذه العلاقة بينهما عبر البنتاغون لا من خلال نظارة الخارجيّة الأميركيّة.
على نحو ذلك، قلّما عرفت الخارجيّة اللبنانيّة دبلوماسيّة لبنانيّة أميركيّة أو سياسة اقتصاديّة بمقدار ما أُخضِعت للعلاقة العسكريّة بين طرفَيْها. ذلك بالضبط ما سيفسّر أيضاً طوال 28 عاماً لم يرأس لبنانَ إلّا قادة جيشه المتوالون: إميل لحّود قبل أن يختلف الأميركيّون معه وكانوا كسوريا أيّدوا انتخابه، ومن بعده ميشال سليمان، فميشال عون بما تمثّله تربيته العسكريّة، وانتهاء بجوزف عون. نُظر إلى رئيس الجمهوريّة الآتي من اليرزة على أنّه قائد الظلّ للجيش. في العهد الحاليّ بات حضور “سنتكوم” في المشهدين الأمنيّ والسياسيّ اللبنانيّ أكثر وضوحاً من خلال زيارات قائدها الأدميرال براد كوبر عامَي 2025 و2026 أو مساعده الجنرال جوزف كليرفيلد رئيس مجموعة التنسيق العسكريّ الخاصّة بلبنان.
واشنطن تختار بعبدا بوّابةً إلى لبنان

يكاد يكون السفير الأميركيّ ميشال عيسى الرجل الثاني في الجمهوريّة الأكثر نشاطاً في المدّة الأخيرة بعد رئيس الجمهوريّة الذي يدلي بمواقف يوميّة تقريباً. لا يكتفي عيسى بالتحرّك وتنوّع الزيارات التي يقوم بها، بل يطلق آراء عالية السقف في وجهتَيْ الدفاع عن المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة وتبرير الاعتداءات الإسرائيليّة وتواصلها بأنّها معزوّة بحسبه إمّا إلى خرق “الحزب” وقف النار أو عدم تسليمه سلاحه إلى الدولة اللبنانيّة.
صعود السفير الأميركيّ ميشال عيسى بنشاط فائض إلى مسرح الوقائع اليوميّة اللبنانيّة، تارة بجولاته الدوريّة على الرؤساء أو تلبيته دعوات سياسيّين، وتارة بالاجتماع بآخرين ومقابلاته المراجع الدينيّة، يستعيد سابقة أحد أكثر السفراء الأميركيّين المقيمين همّة وانشغالاً بالتفاصيل اللبنانيّة من أبسطها إلى أعقدها. سلفه الذائع الصيت جيفري فيلتمان مع الفارق الشاسع بين الشخصين ذلك ما يتكرّر في الوقت الحاضر بمحاولة طيّ مرحلة ما أورثه السوريّون إلى “الحزب” ما إن أُرغمت قوّاتهم على مغادرة لبنان وإلغاء حقبتهم الطويلة نهائيّاً بمفاعيلها المختلفة، ثمّ ما نجم عن ذلك الإرث في العقود التالية.
عيسى.. خطابٌ أميركيّ بلهجة الضيعة
لكنّ الفارق الجوهريّ بين فيلتمان وعيسى أنّ الأخير اللبنانيّ الأصل سفير الولايات المتّحدة حليفة إسرائيل، ولا يتكلّم كأسلافه باللغة الدبلوماسيّة الباردة بمقدار ما يستعين بالعاميّة اللبنانيّة مستخدماً تراكيبها السهلة التلقّف لدى العموم، فيوصل رسائله على نحو أسرع وأقلّ غموضاً والتباساً في التفسير.
بات الرجل رديف رئيس الجمهوريّة في الدفاع عن المفاوضات المباشرة وتبرير الاتّفاق مع إسرائيل، لكن بتمييز واضح هو أنه يجهر مباشرة وعلى نحو فجّ “ضيعاوي” من بسوس أحياناً بما لا يزال يكتمه بمداراة عون ويلمّح إليه حيال “الحزب” دونما أن يقلّل من انتقاداته له وحملته عليه. يختصر عيسى الطريق للوصول إلى أصل المشكلة عنده، وهو سلاح “الحزب” وليس الاحتلال الإسرائيليّ. فيما يتكلّم الرئيس عن “الحزب” بلغة الغائب، يتوجّه إليه السفير بلغة المُخَاطب للمحتوى نفسه الذي يتقاطعان عليه، وهو تخلّي “الحزب” عن سلاحه.
تكاد السياسة الخارجيّة اللبنانيّة اليوم تدور من حول مرجعَيْها الاثنَيْن الحاليَّين حتّى إشعار آخر: رئيس الجمهوريّة والسفير الأميركيّ. يقود الأوّل حملة دفاعيّة عن المفاوضات والاتّفاق مع إسرائيل، والثاني حملة مهاجمة معارضي الاتّفاق، وكان آخر ضحاياه من بينهم الرئيس السابق للحزب التقدّمي الاشتراكيّ وليد جنبلاط.
السّياسة الخارجيّة تنتقل إلى بعبدا
ربّما هي المرّة الأولى منذ اتّفاق الطائف التي ينتقل فيها ملفّ الدبلوماسيّة اللبنانيّة إلى رئيس الجمهوريّة، الذي يمسي المعنيّ الوحيد بالسياسة الخارجيّة بالتوافق مع رئيس الحكومة، وتحديداً الملفّ الأكثر أهميّة منذ مطلع الولاية، وهو العلاقات اللبنانيّة الأميركيّة. منذ منتصف الثمانينيّات، وتحديداً منذ 30 نيسان 1984، تبعاً للأحداث المتوالية مذّاك، غدا ملفّ السياسة الخارجيّة في يد رئيس الحكومة، الذي غالباً ما كان وزير الخارجيّة أيضاً أو مقصوراً عليه وحده في الظلّ: تلك حالات شتّى خبرها لبنان مع الرئيسين رشيد كرامي وسليم الحص قبل اتّفاق الطائف، وصولاً إلى الرئيسين رفيق الحريري والحص بعده. بين عامَيْ 2005 و2014 أضحت السياسة الخارجيّة بين يدي الثنائيّ الشيعيّ، ثمّ منذ عام 2016 حتّى الحكومة السابقة تقلّبت بين أيدي وزراء راحوا يراعون التوازنات الداخليّة. الأكثر دلالة في حقبتَيْ الحريري والحص إصرارهما على رئاسة السياسة الخارجيّة في دور موازٍ ومتوازن لما يفترض أنّ رئيس الدولة يضطلع به.
في الحكومة الحاليّة، على نحو ما اعتاد أن يفعله الحريري الأب، السياسة الخارجيّة في مكان وإدارة الوزارة في مكان آخر. مع أنّ الوزير السابق للخارجيّة فارس بويز كان “فجّ” المراس مع الحريري في عقد التسعينيّات، سارع الحريري فور عودته إلى السراي عام 2000 إلى فصل السياسة الخارجيّة عن شؤون الوزارة بأن طلب أمام الرئيس إميل لحّود من وزير الخارجيّة محمود حمّود الانصراف إلى شؤون حقيبته ووضع السياسة الخارجيّة لدى وزير الثقافة غسّان سلامة وزيرها الظلّ على أنّها على صلة مباشرة بالحريري.
تلك النبذة المجرّبة في الدبلوماسيّة اللبنانيّة تكاد تُستعاد الآن على نحو مقلوب: وزير الخارجيّة يوسف رجّي المفترض أنّه يمثّل أكبر تكتّل نيابيّ في البرلمان، وهو لحزب القوّات اللبنانيّة، على هامش السياسة الخارجيّة، ويكتفي بتسيير حقيبته إداريّاً مُستبعَداً من زيارات رئيس الجمهوريّة إلى الخارج ومعزولاً عن نتائج المفاوضات، فيما غرفة عمليّات السياسة الخارجيّة في مكاتب قصر بعبدا وفي مكتب رئيس الدولة. ليس التفاوض مع إسرائيل سوى جزء من كلّ: التفاوض أو الأصحّ المفاوض الرئيس هو الرئيس بتوجيهاته إلى السفيرة في واشنطن وإلى الوفد الرسميّ المفاوض.
ليس هذا الواقع ما يتشبّث به عون وحده ويصرّ عليه، مع أنّه كذلك في معرض إصراره على التفاوض المباشر مع إسرائيل.
الشريك الفعليّ في حصر العلاقات اللبنانيّة الأميركيّة بالرئيس وحده هو واشنطن بالذات، انطلاقاً من قاعدة باتت معروفة في العقود الأخيرة، على الأقلّ منذ عام 2005، وهي ربط الدبلوماسيّة اللبنانيّة بالعلاقة العضويّة الآخذة في التنامي مذّاك بين قيادة المنطقة الوسطى الأميركيّة (سنتكوم) والجيش اللبنانيّ.
هو الشريك المعوَّل عليه لا الطبقة السياسيّة، والأكثر تأثّراً باللوم والانتقاد كلّما وُجّه إليها. سيفسّر هذه القاعدة اقتصار تسليح الجيش إلى حدٍّ ما على الأميركيّين وحظوة المساعدات المجّانيّة وتدريب الضبّاط اللبنانيّين في الولايات المتّحدة والزيارات الدوريّة لقادة الجيش المتعاقبين لـ “سنتكوم” على أنّها اجتماعات دوريّة وضروريّة. تمرّ هذه العلاقة بينهما عبر البنتاغون لا من خلال نظارة الخارجيّة الأميركيّة.
على نحو ذلك، قلّما عرفت الخارجيّة اللبنانيّة دبلوماسيّة لبنانيّة أميركيّة أو سياسة اقتصاديّة بمقدار ما أُخضِعت للعلاقة العسكريّة بين طرفَيْها. ذلك بالضبط ما سيفسّر أيضاً طوال 28 عاماً لم يرأس لبنانَ إلّا قادة جيشه المتوالون: إميل لحّود قبل أن يختلف الأميركيّون معه وكانوا كسوريا أيّدوا انتخابه، ومن بعده ميشال سليمان، فميشال عون بما تمثّله تربيته العسكريّة، وانتهاء بجوزف عون. نُظر إلى رئيس الجمهوريّة الآتي من اليرزة على أنّه قائد الظلّ للجيش. في العهد الحاليّ بات حضور “سنتكوم” في المشهدين الأمنيّ والسياسيّ اللبنانيّ أكثر وضوحاً من خلال زيارات قائدها الأدميرال براد كوبر عامَي 2025 و2026 أو مساعده الجنرال جوزف كليرفيلد رئيس مجموعة التنسيق العسكريّ الخاصّة بلبنان.








