خاص – واشنطن تردّ على دعوة “الحزب” إلى الحوار: عهد الصفقات انتهى

الكاتب: ايلين زغيب عيسى | المصدر: Beirut24
29 آب 2026

الصفقة الأخيرة التي عقدتها واشنطن مع “حزب الله” كانت صفقة ترسيم الحدود البحرية في تشرين الأوّل 2022. عندها وُعد “الحزب” عبر حليفه رئيس المجلس نبيه برّي بحوافز اقتصادية في مقابل ذلك، خصوصاً في استخراج الغاز والإفادة منه. لكن، إسرائيل سرعان ما باشرت باستخراج الغاز من حقل كاريش، فيما لزّم لبنان تحالف شركات دولية، تبيّن لها أن لا نفط في البلوك المحدّد للاستكشاف، إذ أعلنت شركة توتال في تشرين الأوّل 2023 عدم وجود كمّيات تجارية من الغاز في البلوك الرقم 9. ورُبط هذا الإعلان بالضغوط السياسية الدولية.
ومع اندلاع حرب الإسناد في ذلك التوقيت بالذات، نشط المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين راعي اتّفاقية الترسيم، وطرح صيغة شاملة للحلّ، تتضمّن ترسيماً برّياً للحدود ورفع الفيتو الدولي غير المعلن عن التنقيب عن النفط، في مقابل انسحاب “حزب الله” مع سلاحه الثقيل إلى ما بين 7 و10 كيلومترات عن الحدود الجنوبية. ولكنّ الأوامر الإيرانية منعت تحقّق هذه الصفقة التي رفضها “الحزب”، واستمرّ في حرب الإسناد التي انتهت إلى ما انتهت إليه من خسائر كبيرة.
اليوم، عاد “الحزب” على لسان محمود قماطي ليقول إنّه “لا يغلق الباب في صورة نهائية أمام إمكان التواصل المباشر مع الأميركيين، وأن القرار سيُتخذ وفق المصلحة والظروف المناسبة”. ولكن ما يعتبره ظروفاً مناسبة لم يعد كذلك بالنسبة إلى الإدارة الأميركية التي اتّخذت قرارها بأن لا مساومة بعد الآن ولا مقابل لنزع السلاح، خصوصاً أنّ إيران و”الحزب” مُنيا بخسائر كبيرة، وليس من المنطق تقديم حوافز في مقابل تسليم السلاح.
وهذا بالتحديد ما أكّده السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، الذي شدّد على أنّ “الولايات المتحدة لم تطرح ولا مرّة التفاوض مع الحزب، ولكنها مستعدة للتفاوض معه إذا كان عنده شيء ليقدّمه”. و”نحن ما بدنا منّو شي تاني، بدنا يسلّم سلاحه”، حسب تعبيره.
وهذا يعني في شكل واضح أنّ موضوع السلاح لم يعد محلّ مقايضة، بل هو مطلب لا تراجع عنه. أمّا دعوة قماطي إلى الحوار مع الأميركيين فأتت متأخّرة جدّاً، حيث كان العرض الأخير المقدّم في أيّام هوكشتاين، ولكن إيران لم تسمح لـ “الحزب” بالاستفادة منه. والآن لم يعد هناك من جدوى من هذا الأمر، بعد ثلاث سنوات من الحرب جعلت “الحزب” في موقع ضعيف جدّاً، فيما إسرائيل تحتلّ أجزاء واسعة من الجنوب، ولن تنسحب منها ما دام السلاح لم يُسلَّم والبنية التحتية لم تدمّر.
وعلى العكس من ذلك، فإنّ المواقف الأخيرة للسفير الأميركي كانت واضحة لجهة انتقاد المنطق التفاوضي السائد في لبنان، عندما قال: “تطلبون كل شيء من إسرائيل في مقابل عدم طلب شيء من حزب الله”، بمعنى أنّ الوفد المفاوض اللبناني يطلب في كلّ مرّة أن تنسحب إسرائيل من “مناطق تجريبية” جديدة، في حين أنّ الشرط الأساسي الذي نصّ عليه “الاتفاق الإطار” هو تسليم السلاح على الأراضي اللبنانية كافّة.
لذا، فإنّ هذا الموقف الأميركي يعني بكلّ وضوح نوعاً من الغطاء لإسرائيل للاستمرار في العمليّات التي تقوم بها في الجنوب، وأنّ واشنطن لن تضغط بعد الآن على تلّ أبيب من أجل تنفيذ أيّ انسحابات، ما دام الجانب اللبناني لا يقوم بما هو مطلوب منه في ملفّ السلاح.
وقد تلقّفت إسرائيل هذا الموقف في سرعة، وأبلغت الولايات المتّحدة “فشل خطّة المناطق التجريبية”، منتقدة أداء الجيش اللبناني في هذا الإطار. فهي تعتبر أنّ الجيش لم يدمّر البنى التحتية وفق الإحداثيات التي تُعطى له، ولا يريد الاصطدام بـ “الحزب”.
لذا، فإنّ إسرائيل قد أعلنت أنّها في حلّ من استكمال “المناطق التجريبية”. وعليه، لن تقوم بأيّ انسحاب، بل هي تعمل على تعزيز احتلالها عبر التوغّل إلى مناطق جديدة عن طريق اتباع سياسة “القضم”، كما تنتظر اللحظة المناسبة للدخول إلى علي الطاهر، ما دام “الحزب” ما زال يرفض تسليمها إلى الجيش اللبناني.
وتنعكس هذه الصورة على موعد الجولة المقبلة من المفاوضات في روما، والتي لم تحدّد واشنطن موعداً لها بعد في أيلول المقبل. فهذه المفاوضات ستكون بلا جدوى ما لم يتّخذ لبنان خطوات واضحة في موضوع السلاح. وهناك احتمال لعدم انعقادها أو أن تنعقد على سبيل المجاملة التي لا تقدّم ولا تؤخّر.

خاص – واشنطن تردّ على دعوة “الحزب” إلى الحوار: عهد الصفقات انتهى

الكاتب: ايلين زغيب عيسى | المصدر: Beirut24
29 آب 2026

الصفقة الأخيرة التي عقدتها واشنطن مع “حزب الله” كانت صفقة ترسيم الحدود البحرية في تشرين الأوّل 2022. عندها وُعد “الحزب” عبر حليفه رئيس المجلس نبيه برّي بحوافز اقتصادية في مقابل ذلك، خصوصاً في استخراج الغاز والإفادة منه. لكن، إسرائيل سرعان ما باشرت باستخراج الغاز من حقل كاريش، فيما لزّم لبنان تحالف شركات دولية، تبيّن لها أن لا نفط في البلوك المحدّد للاستكشاف، إذ أعلنت شركة توتال في تشرين الأوّل 2023 عدم وجود كمّيات تجارية من الغاز في البلوك الرقم 9. ورُبط هذا الإعلان بالضغوط السياسية الدولية.
ومع اندلاع حرب الإسناد في ذلك التوقيت بالذات، نشط المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين راعي اتّفاقية الترسيم، وطرح صيغة شاملة للحلّ، تتضمّن ترسيماً برّياً للحدود ورفع الفيتو الدولي غير المعلن عن التنقيب عن النفط، في مقابل انسحاب “حزب الله” مع سلاحه الثقيل إلى ما بين 7 و10 كيلومترات عن الحدود الجنوبية. ولكنّ الأوامر الإيرانية منعت تحقّق هذه الصفقة التي رفضها “الحزب”، واستمرّ في حرب الإسناد التي انتهت إلى ما انتهت إليه من خسائر كبيرة.
اليوم، عاد “الحزب” على لسان محمود قماطي ليقول إنّه “لا يغلق الباب في صورة نهائية أمام إمكان التواصل المباشر مع الأميركيين، وأن القرار سيُتخذ وفق المصلحة والظروف المناسبة”. ولكن ما يعتبره ظروفاً مناسبة لم يعد كذلك بالنسبة إلى الإدارة الأميركية التي اتّخذت قرارها بأن لا مساومة بعد الآن ولا مقابل لنزع السلاح، خصوصاً أنّ إيران و”الحزب” مُنيا بخسائر كبيرة، وليس من المنطق تقديم حوافز في مقابل تسليم السلاح.
وهذا بالتحديد ما أكّده السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، الذي شدّد على أنّ “الولايات المتحدة لم تطرح ولا مرّة التفاوض مع الحزب، ولكنها مستعدة للتفاوض معه إذا كان عنده شيء ليقدّمه”. و”نحن ما بدنا منّو شي تاني، بدنا يسلّم سلاحه”، حسب تعبيره.
وهذا يعني في شكل واضح أنّ موضوع السلاح لم يعد محلّ مقايضة، بل هو مطلب لا تراجع عنه. أمّا دعوة قماطي إلى الحوار مع الأميركيين فأتت متأخّرة جدّاً، حيث كان العرض الأخير المقدّم في أيّام هوكشتاين، ولكن إيران لم تسمح لـ “الحزب” بالاستفادة منه. والآن لم يعد هناك من جدوى من هذا الأمر، بعد ثلاث سنوات من الحرب جعلت “الحزب” في موقع ضعيف جدّاً، فيما إسرائيل تحتلّ أجزاء واسعة من الجنوب، ولن تنسحب منها ما دام السلاح لم يُسلَّم والبنية التحتية لم تدمّر.
وعلى العكس من ذلك، فإنّ المواقف الأخيرة للسفير الأميركي كانت واضحة لجهة انتقاد المنطق التفاوضي السائد في لبنان، عندما قال: “تطلبون كل شيء من إسرائيل في مقابل عدم طلب شيء من حزب الله”، بمعنى أنّ الوفد المفاوض اللبناني يطلب في كلّ مرّة أن تنسحب إسرائيل من “مناطق تجريبية” جديدة، في حين أنّ الشرط الأساسي الذي نصّ عليه “الاتفاق الإطار” هو تسليم السلاح على الأراضي اللبنانية كافّة.
لذا، فإنّ هذا الموقف الأميركي يعني بكلّ وضوح نوعاً من الغطاء لإسرائيل للاستمرار في العمليّات التي تقوم بها في الجنوب، وأنّ واشنطن لن تضغط بعد الآن على تلّ أبيب من أجل تنفيذ أيّ انسحابات، ما دام الجانب اللبناني لا يقوم بما هو مطلوب منه في ملفّ السلاح.
وقد تلقّفت إسرائيل هذا الموقف في سرعة، وأبلغت الولايات المتّحدة “فشل خطّة المناطق التجريبية”، منتقدة أداء الجيش اللبناني في هذا الإطار. فهي تعتبر أنّ الجيش لم يدمّر البنى التحتية وفق الإحداثيات التي تُعطى له، ولا يريد الاصطدام بـ “الحزب”.
لذا، فإنّ إسرائيل قد أعلنت أنّها في حلّ من استكمال “المناطق التجريبية”. وعليه، لن تقوم بأيّ انسحاب، بل هي تعمل على تعزيز احتلالها عبر التوغّل إلى مناطق جديدة عن طريق اتباع سياسة “القضم”، كما تنتظر اللحظة المناسبة للدخول إلى علي الطاهر، ما دام “الحزب” ما زال يرفض تسليمها إلى الجيش اللبناني.
وتنعكس هذه الصورة على موعد الجولة المقبلة من المفاوضات في روما، والتي لم تحدّد واشنطن موعداً لها بعد في أيلول المقبل. فهذه المفاوضات ستكون بلا جدوى ما لم يتّخذ لبنان خطوات واضحة في موضوع السلاح. وهناك احتمال لعدم انعقادها أو أن تنعقد على سبيل المجاملة التي لا تقدّم ولا تؤخّر.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار