بديل اليونيفيل يتعثر في روما..والجيش يختبر المانحين في باريس

أتت زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى روما عند تقاطع ثلاثة إستحقاقات: تعثر بلورة آلية التحقق في الجنوب، صعوبة التمديد لليونيفيل، والتحضير لاجتماع باريس المخصص لدعم الجيش والقوى الأمنية.
هيكل حمل إلى العاصمة الإيطالية ملفاً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي، لاستطلاع مدى إستعداد روما للانتقال من دورها داخل اليونيفيل إلى موقع أكثر تقدماً في الترتيبات المقبلة، سواء بالمشاركة في آلية التحقق أو في قوة محتملة تخلف القوات الدولية.
مصادر عسكرية كشفت لـــ”المدن”، أن المباحثات لم تنتهِ إلى صيغة تنفيذية أو التزام إيطالي نهائي، إنما كشفت حجم العقبات التي تحول دون ولادة القوة الجديدة. فإيطاليا أبدت اهتماماً جدياً باستقرار لبنان ودعم جيشه، من دون أن تبدي استعداداً للدخول في مهمة لم تُحدَّد طبيعتها وصلاحياتها ومرجعيتها.
وتريد روما، قبل اتخاذ أي قرار، معرفة التفويض القانوني للقوة، ومساحة انتشارها، وقواعد اشتباكها، والجهة التي ستقودها، ومدى حرية حركتها، وآلية التنسيق بينها وبين الجيش، إضافة إلى الضمانات التي تمنع تحولها إلى طرف في مواجهة مفتوحة.
أما لبنان، فيريد قوة تساعد الجيش ولا تحل مكانه، وتعمل تحت سلطته وبالتنسيق معه، ولا تتحول إلى مرجعية موازية تفرض مهمات تتعارض مع القانون اللبناني أو تهدد الاستقرار الداخلي.
لا تفاهم جاهزاً
تقول مصادر سياسية لــ”المدن” إن هيكل ذهب إلى روما لتقليص الغموض المحيط بالدور الذي يمكن أن تؤديه إيطاليا، بالدرجة الاولى.
وبقيت الحصيلة ضمن حدود تثبيت الاهتمام الإيطالي وتوسيع النقاش التقني. أما الانتقال إلى قرار عملي، فلا يزال مرتبطاً بتفاهم دولي لم ينضج، وخصوصاً على المستويين الأميركي والإسرائيلي.
وعلى الرغم من أن إيطاليا تبدو الدولة الأكثر قبولاً لدى الأطراف المعنية، فإنها لا تريد تحمل مسؤولية ترتيبات لم تتضح حدودها، أو قيادة قوة تتولى مراقبة ملف شديد الحساسية من دون اتفاق على التزامات إسرائيل ومستقبل انتشارها في الجنوب.
التحقق أم مراقبة الجيش؟
تكمن العقدة في أن الخلاف لا يقتصر على هوية الدول المشاركة، بل على جوهر المهمة: ما الذي ستتحقق منه القوة، ومن تراقب، ولمن ترفع تقاريرها، وما الحدود الفاصلة بين التثبت من التنفيذ وتقييم أداء الجيش؟
ووفق المصادر العسكرية، لا يعترض الجيش على وجود جهة دولية تتحقق من تنفيذ التفاهمات، شرط أن يكون التحقق متبادلاً، وأن يشمل انتشار الجيش وانسحاب إسرائيل ووقف الاعتداءات، لا أن يتحول إلى عملية تدقيق في الجانب اللبناني وحده.
ويقبل الجيش الاستعانة بمراقبين وخبراء دوليين يعملون بالتنسيق معه، لكنه يرفض إنشاء سلطة أمنية مستقلة فوق الأراضي اللبنانية، أو تحويل القوة إلى جهة تمنحه شهادة نجاح أو فشل وفق المعايير الإسرائيلية.
ويبقى تفتيش المنازل أخطر نقاط الخلاف. فالجيش لا يستطيع دخول الأملاك الخاصة عشوائياً، أو تنفيذ عمليات مسح جماعية من دون معلومات محددة وأسس قانونية وإشراف قضائي. أما منح قوات أجنبية هذه الصلاحية، فقد ينقل آلية التحقق من مهمة لمساندة الدولة إلى مصدر توتر بينها وبين السكان.
التمديد شبه مستحيل
يتمسك لبنان بتمديد إضافي لليونيفيل، لا لأنه يعتبر الصيغة الحالية حلاً نهائياً، بل لأن البديل لم يتبلور، ولأن إنهاء المهمة الأممية قبل الاتفاق على ما سيخلفها سيترك فراغاً أمنياً وسياسياً واسعاً.
لكن المصادر المعنية تقر بأن التمديد يبدو حتى الآن بالغ الصعوبة، إن لم يكن شبه مستحيل، بعدما إصطدم الطلب اللبناني خلال مشاورات مجلس الأمن برفض أميركي منع تبلور توافق على تجديد الولاية، فيما لا تزال القوة البديلة وصلاحياتها وقيادتها وجنسيات المشاركين فيها مجرد أفكار أولية.
فلم يُحسم عدد عناصر القوة أو تسليحها أو مناطق إنتشارها، ولا ما إذا كانت ستعمل تحت مظلة الأمم المتحدة أو ضمن تحالف متعدد الجنسيات أو من خلال إتفاقات ثنائية. كما لم يتقرر ما إذا كانت مهمتها ستقتصر على المراقبة أم تشمل التفتيش، ولا الجهة التي ستتلقى تقاريرها.
وتعتبر المصادر أن المأزق يكمن في أن واشنطن لا تبدو متحمسة لاستمرار اليونيفيل، لكنها لم تساعد حتى الآن على إنتاج بديل مكتمل يحظى بموافقة لبنان والدول المرشحة للمشاركة.
وخروج اليونيفيل دفعة واحدة سيضع الجيش أمام فراغ يفوق قدراته، إذ لا تقتصر المسألة على تعويض آلاف الجنود الدوليين، بل تشمل مهمات المراقبة والاتصال والنقل وإزالة الألغام والدعم الطبي والهندسي واللوجستي.
كما توفر اليونيفيل شرعية دولية وقنوات إتصال وبنية ميدانية وآليات تنسيق مع الجيش، فيما يمنح تمديدها لبنان وقتاً للتفاوض على البديل من دون الاضطرار إلى قبول شروط واسعة تحت ضغط الفراغ.
الجيش إلى باريس
يتوجه الجيش إلى الاجتماع التحضيري لمؤتمر باريس في 17 أيلول حاملاً، وفق مصادر عسكرية، تصوراً متكاملاً للمهام والقدرات المطلوبة، لا لائحة تقليدية بالأسلحة.
فالجيش مطالب بالانتشار جنوباً، وضبط الحدود، ومكافحة الإرهاب والتهريب، وحماية الاستقرار الداخلي، وتنفيذ خطة حصر السلاح، والاستعداد لتسلّم مهمات إضافية نتيجة أي خفض في عديد اليونيفيل.
وتضع القيادة العسكرية تثبيت العنصر البشري في مقدمة أولوياتها عبر الحفاظ على حقوق العسكريين.
وتشمل الحاجات أيضاً الآليات ووسائل النقل والاتصال، وقدرات المراقبة والاستطلاع، والطائرات المسيّرة والرادارات والتجهيزات الهندسية لكشف الأنفاق وإزالة الألغام، فضلاً عن إنشاء المراكز والثكنات وتطوير قدرات القيادة والسيطرة والدعم البحري والجوي.
وسيشرح الوفد للمانحين أن تنفيذ خطة حصر السلاح لا يقاس بالمهل وحدها، بل بتوافر الإمكانات والغطاء السياسي والمعلومات القابلة للتنفيذ، وبانسحاب إسرائيل ووقف إعتداءاتها.
أولويات عون
يتقاطع طرح الجيش مع أولويات رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، لكن الأخير يقارب مؤتمر باريس من زاوية سياسية أوسع. فهو يريد تحويل الدعم الدولي إلى التزام على المدى البعيد.
كما يسعى إلى ربط دعم الجيش بمسار يضغط لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وإنجاز الانسحاب وعودة السكان وإطلاق إعادة الإعمار. فاستمرار الاحتلال لا يعطل مهمة الجيش فقط، بل يمنح حزب الله مبرراً للتمسك بسلاحه، ويضعف قدرة الدولة على إقناع الجنوبيين بأنها قادرة على حمايتهم.
أما الأولوية الثالثة، فهي منع تحويل المساعدات إلى وسيلة لدفع الجيش نحو صدام داخلي. فالرئيس عون يريد مساعدة المؤسسة على بسط سلطة الدولة، لا وضعها أمام إختبار يؤدي إلى إستنزافها أو ضرب وحدتها وعلاقتها بجزء من اللبنانيين.
بين روما وباريس، يسعى الرئيس عون إلى تثبيت توازن لا يزال مفقوداً: كلما إتسعت المهمات الملقاة على الجيش، وجب أن تتقدم في موازاتها خطوات الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وتأمين الموارد. فلا يمكن فرض سلطة الدولة من خلال إستنزاف مؤسستها العسكرية، أو مطالبتها بتغطية إختلال سياسي وميداني لم يعالج الاتفاق أسبابه بعد.
بديل اليونيفيل يتعثر في روما..والجيش يختبر المانحين في باريس

أتت زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى روما عند تقاطع ثلاثة إستحقاقات: تعثر بلورة آلية التحقق في الجنوب، صعوبة التمديد لليونيفيل، والتحضير لاجتماع باريس المخصص لدعم الجيش والقوى الأمنية.
هيكل حمل إلى العاصمة الإيطالية ملفاً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي، لاستطلاع مدى إستعداد روما للانتقال من دورها داخل اليونيفيل إلى موقع أكثر تقدماً في الترتيبات المقبلة، سواء بالمشاركة في آلية التحقق أو في قوة محتملة تخلف القوات الدولية.
مصادر عسكرية كشفت لـــ”المدن”، أن المباحثات لم تنتهِ إلى صيغة تنفيذية أو التزام إيطالي نهائي، إنما كشفت حجم العقبات التي تحول دون ولادة القوة الجديدة. فإيطاليا أبدت اهتماماً جدياً باستقرار لبنان ودعم جيشه، من دون أن تبدي استعداداً للدخول في مهمة لم تُحدَّد طبيعتها وصلاحياتها ومرجعيتها.
وتريد روما، قبل اتخاذ أي قرار، معرفة التفويض القانوني للقوة، ومساحة انتشارها، وقواعد اشتباكها، والجهة التي ستقودها، ومدى حرية حركتها، وآلية التنسيق بينها وبين الجيش، إضافة إلى الضمانات التي تمنع تحولها إلى طرف في مواجهة مفتوحة.
أما لبنان، فيريد قوة تساعد الجيش ولا تحل مكانه، وتعمل تحت سلطته وبالتنسيق معه، ولا تتحول إلى مرجعية موازية تفرض مهمات تتعارض مع القانون اللبناني أو تهدد الاستقرار الداخلي.
لا تفاهم جاهزاً
تقول مصادر سياسية لــ”المدن” إن هيكل ذهب إلى روما لتقليص الغموض المحيط بالدور الذي يمكن أن تؤديه إيطاليا، بالدرجة الاولى.
وبقيت الحصيلة ضمن حدود تثبيت الاهتمام الإيطالي وتوسيع النقاش التقني. أما الانتقال إلى قرار عملي، فلا يزال مرتبطاً بتفاهم دولي لم ينضج، وخصوصاً على المستويين الأميركي والإسرائيلي.
وعلى الرغم من أن إيطاليا تبدو الدولة الأكثر قبولاً لدى الأطراف المعنية، فإنها لا تريد تحمل مسؤولية ترتيبات لم تتضح حدودها، أو قيادة قوة تتولى مراقبة ملف شديد الحساسية من دون اتفاق على التزامات إسرائيل ومستقبل انتشارها في الجنوب.
التحقق أم مراقبة الجيش؟
تكمن العقدة في أن الخلاف لا يقتصر على هوية الدول المشاركة، بل على جوهر المهمة: ما الذي ستتحقق منه القوة، ومن تراقب، ولمن ترفع تقاريرها، وما الحدود الفاصلة بين التثبت من التنفيذ وتقييم أداء الجيش؟
ووفق المصادر العسكرية، لا يعترض الجيش على وجود جهة دولية تتحقق من تنفيذ التفاهمات، شرط أن يكون التحقق متبادلاً، وأن يشمل انتشار الجيش وانسحاب إسرائيل ووقف الاعتداءات، لا أن يتحول إلى عملية تدقيق في الجانب اللبناني وحده.
ويقبل الجيش الاستعانة بمراقبين وخبراء دوليين يعملون بالتنسيق معه، لكنه يرفض إنشاء سلطة أمنية مستقلة فوق الأراضي اللبنانية، أو تحويل القوة إلى جهة تمنحه شهادة نجاح أو فشل وفق المعايير الإسرائيلية.
ويبقى تفتيش المنازل أخطر نقاط الخلاف. فالجيش لا يستطيع دخول الأملاك الخاصة عشوائياً، أو تنفيذ عمليات مسح جماعية من دون معلومات محددة وأسس قانونية وإشراف قضائي. أما منح قوات أجنبية هذه الصلاحية، فقد ينقل آلية التحقق من مهمة لمساندة الدولة إلى مصدر توتر بينها وبين السكان.
التمديد شبه مستحيل
يتمسك لبنان بتمديد إضافي لليونيفيل، لا لأنه يعتبر الصيغة الحالية حلاً نهائياً، بل لأن البديل لم يتبلور، ولأن إنهاء المهمة الأممية قبل الاتفاق على ما سيخلفها سيترك فراغاً أمنياً وسياسياً واسعاً.
لكن المصادر المعنية تقر بأن التمديد يبدو حتى الآن بالغ الصعوبة، إن لم يكن شبه مستحيل، بعدما إصطدم الطلب اللبناني خلال مشاورات مجلس الأمن برفض أميركي منع تبلور توافق على تجديد الولاية، فيما لا تزال القوة البديلة وصلاحياتها وقيادتها وجنسيات المشاركين فيها مجرد أفكار أولية.
فلم يُحسم عدد عناصر القوة أو تسليحها أو مناطق إنتشارها، ولا ما إذا كانت ستعمل تحت مظلة الأمم المتحدة أو ضمن تحالف متعدد الجنسيات أو من خلال إتفاقات ثنائية. كما لم يتقرر ما إذا كانت مهمتها ستقتصر على المراقبة أم تشمل التفتيش، ولا الجهة التي ستتلقى تقاريرها.
وتعتبر المصادر أن المأزق يكمن في أن واشنطن لا تبدو متحمسة لاستمرار اليونيفيل، لكنها لم تساعد حتى الآن على إنتاج بديل مكتمل يحظى بموافقة لبنان والدول المرشحة للمشاركة.
وخروج اليونيفيل دفعة واحدة سيضع الجيش أمام فراغ يفوق قدراته، إذ لا تقتصر المسألة على تعويض آلاف الجنود الدوليين، بل تشمل مهمات المراقبة والاتصال والنقل وإزالة الألغام والدعم الطبي والهندسي واللوجستي.
كما توفر اليونيفيل شرعية دولية وقنوات إتصال وبنية ميدانية وآليات تنسيق مع الجيش، فيما يمنح تمديدها لبنان وقتاً للتفاوض على البديل من دون الاضطرار إلى قبول شروط واسعة تحت ضغط الفراغ.
الجيش إلى باريس
يتوجه الجيش إلى الاجتماع التحضيري لمؤتمر باريس في 17 أيلول حاملاً، وفق مصادر عسكرية، تصوراً متكاملاً للمهام والقدرات المطلوبة، لا لائحة تقليدية بالأسلحة.
فالجيش مطالب بالانتشار جنوباً، وضبط الحدود، ومكافحة الإرهاب والتهريب، وحماية الاستقرار الداخلي، وتنفيذ خطة حصر السلاح، والاستعداد لتسلّم مهمات إضافية نتيجة أي خفض في عديد اليونيفيل.
وتضع القيادة العسكرية تثبيت العنصر البشري في مقدمة أولوياتها عبر الحفاظ على حقوق العسكريين.
وتشمل الحاجات أيضاً الآليات ووسائل النقل والاتصال، وقدرات المراقبة والاستطلاع، والطائرات المسيّرة والرادارات والتجهيزات الهندسية لكشف الأنفاق وإزالة الألغام، فضلاً عن إنشاء المراكز والثكنات وتطوير قدرات القيادة والسيطرة والدعم البحري والجوي.
وسيشرح الوفد للمانحين أن تنفيذ خطة حصر السلاح لا يقاس بالمهل وحدها، بل بتوافر الإمكانات والغطاء السياسي والمعلومات القابلة للتنفيذ، وبانسحاب إسرائيل ووقف إعتداءاتها.
أولويات عون
يتقاطع طرح الجيش مع أولويات رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، لكن الأخير يقارب مؤتمر باريس من زاوية سياسية أوسع. فهو يريد تحويل الدعم الدولي إلى التزام على المدى البعيد.
كما يسعى إلى ربط دعم الجيش بمسار يضغط لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وإنجاز الانسحاب وعودة السكان وإطلاق إعادة الإعمار. فاستمرار الاحتلال لا يعطل مهمة الجيش فقط، بل يمنح حزب الله مبرراً للتمسك بسلاحه، ويضعف قدرة الدولة على إقناع الجنوبيين بأنها قادرة على حمايتهم.
أما الأولوية الثالثة، فهي منع تحويل المساعدات إلى وسيلة لدفع الجيش نحو صدام داخلي. فالرئيس عون يريد مساعدة المؤسسة على بسط سلطة الدولة، لا وضعها أمام إختبار يؤدي إلى إستنزافها أو ضرب وحدتها وعلاقتها بجزء من اللبنانيين.
بين روما وباريس، يسعى الرئيس عون إلى تثبيت توازن لا يزال مفقوداً: كلما إتسعت المهمات الملقاة على الجيش، وجب أن تتقدم في موازاتها خطوات الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وتأمين الموارد. فلا يمكن فرض سلطة الدولة من خلال إستنزاف مؤسستها العسكرية، أو مطالبتها بتغطية إختلال سياسي وميداني لم يعالج الاتفاق أسبابه بعد.






