القرار البابوي أبعد من عزل البطاركة

الكاتب: ديزي حوّاط | المصدر: نداء الوطن
3 أيلول 2026

منح البابا لاوون الرابع عشر صلاحية تاريخية في تعديل بنيوي في القانون الكنسي وهيكلية المؤسسة الكنسية، في خطوة تسدّ ثغرة قانونية لطالما كانت قائمة في “مجموعة قوانين الكنائس الشرقية”. فالقوانين لم تكن تتضمن إجراء واضحًا للتعامل مع حالة حدوث ضرر جسيم أو قطيعة في الرابط بين البطريرك، بوصفه الأب والرأس، وسائر الأساقفة، في حال رفض البطريرك تقديم استقالته رغم طلب “السينودس” ذلك لسبب خطير يضرّ بالحياة الكنسية.

جاء القانون الجديد لسدّ هذا الفراغ القانوني. وكان متوقعًا صدور معالجة لهذه المسألة، إلا أن شكل القرار جاء على نحو لم يكن متوقعًا، ما رفع من جرأة الخطوة ووقعها.

قانون مرتقب لكن يتجاوز التوقعات

في مقابلة مع “نداء الوطن”، يرى الأب الدكتور باسم الراعي، أستاذ الفلسفة السياسية والباحث المتخصص في اللاهوت السياسي، أن القرار “غير محصور بفكرة إقالة البطريرك فقط، بل هو أبعد من ذلك، لقيادة تشاركية في الجسم الأسقفي في الكنيسة الشرقية”.

ويشرح أن أهمية القرار تكمن في بُعده الكنسي، إذ يتناول بعض الصعوبات التي تظهر في الكنائس الكاثوليكية الشرقية نتيجة سوء الفهم بين مجلس الأساقفة والبطاركة، وهي فجوة لم تكن مُعالجة، وأتى النص في هذا السياق.

ويشير الراعي إلى أن بُعدًا آخر جعل وقع القرار أكبر، إذ كان المنتظر صدور قرار آخر يتعلق بتحديد عمر الكرادلة، وكان يُتوقع أن يشمل البطاركة أيضًا، عند سن الثمانين. إلا أن “قرار صلاحية الإقالة” المفاجئ جاء في اتجاه آخر، الأمر الذي أعطاه هذا الوقع.

كيف يعمل الإجراء الجديد؟

يبدأ الإجراء بطلب الاستقالة… بوجود سبب خطير ومعترف به، يحق للسينودس أن يطلب من البطريرك الاستقالة، كخطوة أولى وأقل تصعيدًا.

وفي حال امتنع البطريرك، يُطرح عزله عبر اقتراع سري يتطلب موافقة ثلثي الأعضاء أصحاب حق التصويت، مع حفظ حق البطريرك الكامل في الدفاع عن نفسه.

أما قرار العزل، فيبقى بحاجة إلى موافقة الحبر الأعظم ليصبح نافذًا، وتُعلن عندها شغور السدة البطريركية. ويضع ذلك الفاتيكان في موقع الضامن لاستقلالية وحرية الأساقفة.

على أن يوافق البابا على العزل إذا ثبت له أن هذه الخطوة هي الدواء الضروري والأخير لإنقاذ الكنيسة من شلل ما، ويبحث في شرط أن يكون القرار شرعيًا، وأن يكون قد اتُّخذ بنزاهة قانونية كاملة، وبمنأى عن أي ضغوط.

لا مساس بصلاحيات البطريرك

لن يمسّ القرار بصلاحيات البطريرك داخل كنيسته، ولا بصلاحيات الأساقفة، وهو تعديل لا يتداخل مع التراتبية التي اعتدنا عليها في الكنيسة، إلّا أنّه قرار محوري يعيد النظر في آلية العلاقة بين البطريرك والجسم الأسقفي.

ويوضح الأب الراعي: “الإدارة ستبقى كما هي فيما يخص موقع الأساقفة بالنسبة إلى البطريرك والبطريرك بالنسبة إلى الأساقفة، ولن تمسّ بالتراتبية التي اعتدنا عليها في الكنيسة من حيث موقع البطريرك”.

ويضع الراعي النص في سياق رغبة بدأت منذ البابا فرنسيس، ومنذ المجمع الفاتيكاني الثاني، في تعزيز قضية السينودوسية، التي يواصل البابا الحالي العمل عليها.

ويقول إن الهدف هو “تعزيز التشاركية في قلب الكنيسة، ليكون الجسم كله مشاركًا في المسؤولية وإدارة الكنيسة”.

ويشدد الراعي على أن “بهذا الإطار يجب أن نضع النص الفاتيكاني”.

بين الإصلاح واحتمال سوء الاستخدام

الكنيسة، ككل مؤسسة، قد يشوبها الفساد، والكاهن ابن بيئته وقد يتأثر أو يتشبث بقرارات أو مواقف قد لا تخدم مصلحة الكنيسة العليا. من هنا يأتي مبدأ المشاركة في إدارة المؤسسة الكنسية.

وقد وضع المشرّع الكنسي هذا النص، ليكون ذا بُعد إصلاحي وتشاركي داخل إدارة الكنيسة، مع وجود تخوف من استغلاله، بحسب الراعي.

وتعزيزًا لمبدأ انتخاب البطريرك “الديمقراطي”، الذي يأتي رأسًا وأبًا لكنيسته، تبرز هذه الخطوة كوجه من أوجه الديمقراطية.

إلا أن الآلية، بحسب الراعي، لم تكن واضحة، وقد تكون قابلة للاستغلال. ويرى أن الموضوع “ربما يحتاج إلى دراسة قانونية من خبراء قانونيين لمطابقة الآلية التنفيذية لنية النص”، إذ إن هناك بعض الالتباس على صعيد التطبيق.

ويقول: “يجب فهم الروح العميقة لهذا النص، وإلا فمن الممكن أن يُستغل من أجل صراعات داخلية إذا ابتعد عن عمقه وما كانوا يشكون منه على صعيد العلاقة بين الأساقفة والبطريرك”.

كما يلفت إلى أن التدخل قد يصنع فرقًا خلافًا للتقاليد الشرقية، مشيرًا إلى أن النص “حمّال تفسير” لدى الممارسة، إذ إن المشرّع يشرّع بعقل غربي لا يتماشى مع العقلية الشرقية.

ماذا يعني القرار للكنائس اللبنانية؟

بالانتقال من العام إلى الخاص، يشمل القرار كل الطوائف المسيحية الكاثوليكية التي تتبع روما، أي الطائفة المارونية، والملكيين الكاثوليك، والطائفة الأرمنية الكاثوليكية، وطائفة السريان الكاثوليك، وطائفة الكلدان الكاثوليك، وطائفة اللاتين.

وكما اعتدنا أن يكون هناك شيء من الخصوصية والاستقلالية لدى الموارنة، خلافًا للطوائف الكاثوليكية الأخرى، يطرح شمول جميع الكنائس الشرقية بالقرار سؤالا حول مدى انعكاسه على خصوصيات كل منها.

وفي هذا الإطار، يقول الراعي: “شمل كل الكنائس الشرقية بالمستوى نفسه بهذا القرار. أعتقد أنه يجب أن يكون بتأن أكبر وألّا يشمل كل الكنائس، لأن الكنائس الشرقية لم تُوجد كلّها بالطريقة نفسها، ومنها ما له اعتبارات تاريخية تختلف عن بعضها البعض، وبالتالي سينعكس على خصوصيات كل الكنائس”.

ويضيف: “مجرّد شمول كل الكنائس، هذا أول تجاوز للخصوصية لهذه الكنائس، ونرى بالممارسة ومع الوقت مدى تأثير العلاقة بين السينودس والبطاركة”.

ويشير إلى أن المسألة كانت معروضة منذ فترة، قائلا: “لا أعلم إذا كان هذا الحل يوافق طبيعة الكنائس الشرقية، فالموضوع يحتاج إلى بعض الوقت لحسم الموضوع”.

أما في ما يتعلق بكون القرار إصلاحيًا، فيقول الراعي: “مشكلتنا في الشرق تختلف، ومفهومنا عن فهم الغرب للقوانين يختلف”.

ويشرح: “الشرق “شاطر” في التعامل مع القوانين، وروح التعاطي مع القوانين مختلفة لدى الغرب، وتعكس عقلانية أوسع في التعامل مع القوانين مما هي عليه في الشرق، والخطورة أن نلبس قميصًا مخيّطًا في الغرب بمنطق العقل الغربي، من دون أن نعلم إذا كان الغرب آخذًا بعين الاعتبار العقل والمنطق الشرقي”.

صمت الكنيسة اللبنانية… انتظار التمعّن

حتى الآن، لم يصدر موقف من الكنيسة اللبنانية تجاه القرار، رغم وقعه المجتمعي.

وفي تفسيره لهذا الصمت، يقول الراعي إن شبكة الإصلاح المرتبطة بمسألة السينودوسية “ابتدأت من الكنائس الغربية أيضًا، وليس فقط الشرقية”، مشيرًا إلى أن هناك “مروحة من التعديلات التي يفرضها مبدأ السينودوسية على كل الكنائس المتحدة مع روما”.

ويرى أن القرار صدر حديثًا، ولم يتسنّ للكنيسة بعد التمعّن في الموضوع وإجراء الاتصالات اللازمة لمعرفة حدوده وانعكاساته.

القرار البابوي أبعد من عزل البطاركة

الكاتب: ديزي حوّاط | المصدر: نداء الوطن
3 أيلول 2026

منح البابا لاوون الرابع عشر صلاحية تاريخية في تعديل بنيوي في القانون الكنسي وهيكلية المؤسسة الكنسية، في خطوة تسدّ ثغرة قانونية لطالما كانت قائمة في “مجموعة قوانين الكنائس الشرقية”. فالقوانين لم تكن تتضمن إجراء واضحًا للتعامل مع حالة حدوث ضرر جسيم أو قطيعة في الرابط بين البطريرك، بوصفه الأب والرأس، وسائر الأساقفة، في حال رفض البطريرك تقديم استقالته رغم طلب “السينودس” ذلك لسبب خطير يضرّ بالحياة الكنسية.

جاء القانون الجديد لسدّ هذا الفراغ القانوني. وكان متوقعًا صدور معالجة لهذه المسألة، إلا أن شكل القرار جاء على نحو لم يكن متوقعًا، ما رفع من جرأة الخطوة ووقعها.

قانون مرتقب لكن يتجاوز التوقعات

في مقابلة مع “نداء الوطن”، يرى الأب الدكتور باسم الراعي، أستاذ الفلسفة السياسية والباحث المتخصص في اللاهوت السياسي، أن القرار “غير محصور بفكرة إقالة البطريرك فقط، بل هو أبعد من ذلك، لقيادة تشاركية في الجسم الأسقفي في الكنيسة الشرقية”.

ويشرح أن أهمية القرار تكمن في بُعده الكنسي، إذ يتناول بعض الصعوبات التي تظهر في الكنائس الكاثوليكية الشرقية نتيجة سوء الفهم بين مجلس الأساقفة والبطاركة، وهي فجوة لم تكن مُعالجة، وأتى النص في هذا السياق.

ويشير الراعي إلى أن بُعدًا آخر جعل وقع القرار أكبر، إذ كان المنتظر صدور قرار آخر يتعلق بتحديد عمر الكرادلة، وكان يُتوقع أن يشمل البطاركة أيضًا، عند سن الثمانين. إلا أن “قرار صلاحية الإقالة” المفاجئ جاء في اتجاه آخر، الأمر الذي أعطاه هذا الوقع.

كيف يعمل الإجراء الجديد؟

يبدأ الإجراء بطلب الاستقالة… بوجود سبب خطير ومعترف به، يحق للسينودس أن يطلب من البطريرك الاستقالة، كخطوة أولى وأقل تصعيدًا.

وفي حال امتنع البطريرك، يُطرح عزله عبر اقتراع سري يتطلب موافقة ثلثي الأعضاء أصحاب حق التصويت، مع حفظ حق البطريرك الكامل في الدفاع عن نفسه.

أما قرار العزل، فيبقى بحاجة إلى موافقة الحبر الأعظم ليصبح نافذًا، وتُعلن عندها شغور السدة البطريركية. ويضع ذلك الفاتيكان في موقع الضامن لاستقلالية وحرية الأساقفة.

على أن يوافق البابا على العزل إذا ثبت له أن هذه الخطوة هي الدواء الضروري والأخير لإنقاذ الكنيسة من شلل ما، ويبحث في شرط أن يكون القرار شرعيًا، وأن يكون قد اتُّخذ بنزاهة قانونية كاملة، وبمنأى عن أي ضغوط.

لا مساس بصلاحيات البطريرك

لن يمسّ القرار بصلاحيات البطريرك داخل كنيسته، ولا بصلاحيات الأساقفة، وهو تعديل لا يتداخل مع التراتبية التي اعتدنا عليها في الكنيسة، إلّا أنّه قرار محوري يعيد النظر في آلية العلاقة بين البطريرك والجسم الأسقفي.

ويوضح الأب الراعي: “الإدارة ستبقى كما هي فيما يخص موقع الأساقفة بالنسبة إلى البطريرك والبطريرك بالنسبة إلى الأساقفة، ولن تمسّ بالتراتبية التي اعتدنا عليها في الكنيسة من حيث موقع البطريرك”.

ويضع الراعي النص في سياق رغبة بدأت منذ البابا فرنسيس، ومنذ المجمع الفاتيكاني الثاني، في تعزيز قضية السينودوسية، التي يواصل البابا الحالي العمل عليها.

ويقول إن الهدف هو “تعزيز التشاركية في قلب الكنيسة، ليكون الجسم كله مشاركًا في المسؤولية وإدارة الكنيسة”.

ويشدد الراعي على أن “بهذا الإطار يجب أن نضع النص الفاتيكاني”.

بين الإصلاح واحتمال سوء الاستخدام

الكنيسة، ككل مؤسسة، قد يشوبها الفساد، والكاهن ابن بيئته وقد يتأثر أو يتشبث بقرارات أو مواقف قد لا تخدم مصلحة الكنيسة العليا. من هنا يأتي مبدأ المشاركة في إدارة المؤسسة الكنسية.

وقد وضع المشرّع الكنسي هذا النص، ليكون ذا بُعد إصلاحي وتشاركي داخل إدارة الكنيسة، مع وجود تخوف من استغلاله، بحسب الراعي.

وتعزيزًا لمبدأ انتخاب البطريرك “الديمقراطي”، الذي يأتي رأسًا وأبًا لكنيسته، تبرز هذه الخطوة كوجه من أوجه الديمقراطية.

إلا أن الآلية، بحسب الراعي، لم تكن واضحة، وقد تكون قابلة للاستغلال. ويرى أن الموضوع “ربما يحتاج إلى دراسة قانونية من خبراء قانونيين لمطابقة الآلية التنفيذية لنية النص”، إذ إن هناك بعض الالتباس على صعيد التطبيق.

ويقول: “يجب فهم الروح العميقة لهذا النص، وإلا فمن الممكن أن يُستغل من أجل صراعات داخلية إذا ابتعد عن عمقه وما كانوا يشكون منه على صعيد العلاقة بين الأساقفة والبطريرك”.

كما يلفت إلى أن التدخل قد يصنع فرقًا خلافًا للتقاليد الشرقية، مشيرًا إلى أن النص “حمّال تفسير” لدى الممارسة، إذ إن المشرّع يشرّع بعقل غربي لا يتماشى مع العقلية الشرقية.

ماذا يعني القرار للكنائس اللبنانية؟

بالانتقال من العام إلى الخاص، يشمل القرار كل الطوائف المسيحية الكاثوليكية التي تتبع روما، أي الطائفة المارونية، والملكيين الكاثوليك، والطائفة الأرمنية الكاثوليكية، وطائفة السريان الكاثوليك، وطائفة الكلدان الكاثوليك، وطائفة اللاتين.

وكما اعتدنا أن يكون هناك شيء من الخصوصية والاستقلالية لدى الموارنة، خلافًا للطوائف الكاثوليكية الأخرى، يطرح شمول جميع الكنائس الشرقية بالقرار سؤالا حول مدى انعكاسه على خصوصيات كل منها.

وفي هذا الإطار، يقول الراعي: “شمل كل الكنائس الشرقية بالمستوى نفسه بهذا القرار. أعتقد أنه يجب أن يكون بتأن أكبر وألّا يشمل كل الكنائس، لأن الكنائس الشرقية لم تُوجد كلّها بالطريقة نفسها، ومنها ما له اعتبارات تاريخية تختلف عن بعضها البعض، وبالتالي سينعكس على خصوصيات كل الكنائس”.

ويضيف: “مجرّد شمول كل الكنائس، هذا أول تجاوز للخصوصية لهذه الكنائس، ونرى بالممارسة ومع الوقت مدى تأثير العلاقة بين السينودس والبطاركة”.

ويشير إلى أن المسألة كانت معروضة منذ فترة، قائلا: “لا أعلم إذا كان هذا الحل يوافق طبيعة الكنائس الشرقية، فالموضوع يحتاج إلى بعض الوقت لحسم الموضوع”.

أما في ما يتعلق بكون القرار إصلاحيًا، فيقول الراعي: “مشكلتنا في الشرق تختلف، ومفهومنا عن فهم الغرب للقوانين يختلف”.

ويشرح: “الشرق “شاطر” في التعامل مع القوانين، وروح التعاطي مع القوانين مختلفة لدى الغرب، وتعكس عقلانية أوسع في التعامل مع القوانين مما هي عليه في الشرق، والخطورة أن نلبس قميصًا مخيّطًا في الغرب بمنطق العقل الغربي، من دون أن نعلم إذا كان الغرب آخذًا بعين الاعتبار العقل والمنطق الشرقي”.

صمت الكنيسة اللبنانية… انتظار التمعّن

حتى الآن، لم يصدر موقف من الكنيسة اللبنانية تجاه القرار، رغم وقعه المجتمعي.

وفي تفسيره لهذا الصمت، يقول الراعي إن شبكة الإصلاح المرتبطة بمسألة السينودوسية “ابتدأت من الكنائس الغربية أيضًا، وليس فقط الشرقية”، مشيرًا إلى أن هناك “مروحة من التعديلات التي يفرضها مبدأ السينودوسية على كل الكنائس المتحدة مع روما”.

ويرى أن القرار صدر حديثًا، ولم يتسنّ للكنيسة بعد التمعّن في الموضوع وإجراء الاتصالات اللازمة لمعرفة حدوده وانعكاساته.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار