الملف اللبناني لم يعد أولوية أميركية

الكاتب: جوني منيّر | المصدر: الجمهورية
3 أيلول 2026

مَن يزور العاصمة الأميركية واشنطن يلاحظ فوراً غياب لبنان عن وسائل الإعلام الأميركية، رغم أنّه كان حاضراً بقوة خلال الأسابيع والأشهر الماضية. صحيح أنّ الإنشغال الأميركي هو بالحملات الإنتخابية الحامية الوطيس بين الحزبين الجمهوري الحاكم والديمقراطي المعارض، إلّا أنّ ثمة هامشاً لا بأس به متروك لقضايا أخرى، داخلية كانت مثل تلك المتعلقة بالعاصفة التي تضرب ولاية تكساس، أم خارجية، حيث يأتي الملف الإيراني في الطليعة. لكن الملف اللبناني، والذي يشكّل امتداداً للحرب القائمة مع إيران، كان أخذ حيزاً واسعاً من الإهتمام الإعلامي، قبل أن يعود ويتراجع إلى درجة عدم ذكره حالياً.

يعود زوار واشنطن من السياسيين اللبنانيين، وهم كثر في هذه الأيام، بانطباع أنّ الملف اللبناني لم يعد محط اهتمام فعلي لدى الإدارة الأميركية في الوقت الراهن. لكن هذا لا يعني أنّه جرى وضع الملف على الرف أو في الأدراج، والتوصيف الحقيقي والواقعي يشير إلى أنّه لا يزال على المكتب، ولو أنّه جرى إغلاقه ووضعه جانباً في المرحلة الحالية، وسط ازدحام ملفات أخرى باتت تشكّل أولوية ملحّة. وبالتالي، كلما اقتربنا من موعد فتح صناديق الإقتراع للإنتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني المقبل، كلما غاب الملف اللبناني عن اهتمامات البيت الأبيض.

وهو ما يعني أنّ التأثير الأميركي الفاعل، والذي يعوّل عليه لبنان لتأمين الدفع المطلوب بغية إحراز التقدّم في المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، قد لا يحصل خلال الأسابيع الفاصلة عن موعد الإنتخابات الأميركية. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير الإجتماع الفريد من نوعه، والذي عقده السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. فالضغط الأميركي يحصل عادة على مستوى موفد رئاسي أميركي لا على مستوى سفير، خصوصاً أنّ نتنياهو نفسه يتحضّر لانتخابات صعبة ومصيرية تسبق الإنتخابات الأميركية بأيام معدودة.

لكن زوار واشنطن يسمعون ما هو أخطر. إذ إنّ كبار مسؤولي إدارة ترامب لا يتردّدون في «تصحيح» ما يعتبرونه «خطأ لبنانياً شائعاً»، بأنّ واشنطن ستمارس ضغوطاً كبيرة على الحكومة الإسرائيلية لدفعها للإنسحاب تلقائياً من جنوب لبنان، من دون أن تكون السلطات اللبنانية قد نفّذت خطوات أمنية وعسكرية في جنوب لبنان، تعتبرها إسرائيل ضمانات تطال أمنها. ووفق هؤلاء المسؤولين، فإنّ على لبنان أن يدرك أنّه بعد عملية السابع من أوكتوبر والتي نفّذتها حركة «حماس» في غزة، بات هنالك حسابات أمنية مختلفة لدى إسرائيل، وهو ما تتفهمّه واشنطن بالكامل.

ومن هذه الزاوية، تنطلق الأوساط الأميركية لتتحدث بإسهاب، عن أنّ السلطات اللبنانية لم تقم بكل ما هو مطلوب منها ولا بما التزمت القيام به، خصوصاً على المستوى الميداني في جنوب لبنان. وهي بالتالي لم تستفد بالشكل الذي كان مأمولاً به من «المومينتوم» الذي كان قائماً، والذي كان يلعب لمصلحتها. ومن هذه الزاوية، تبدو الإدارة الأميركية وكأنّها أكثر اقتناعاً بالأعذار التي تسوقها إسرائيل، والتي تتهم من خلالها الجيش اللبناني بالتقاعس عن القيام بما هو مطلوب منه.

وفي المقابل، يشرح زوار العاصمة الأميركية عن الأفخاخ التي تضعها إسرائيل، وعن الصورة المغلوطة التي ترسمها تل أبيب حول الوضع، وإنّ إسرائيل هي التي لم تُقدم على أي خطوة جدّية تتعلق بوقف إطلاق النار أو بانسحابات فعلية، ما سيدفع لبنان لاتخاذ خطوات مقابلة. كما أنّ إسرائيل نعت عبر إعلامها الخطة المتعلقة بالمنطقة التجريبية، في وقت يعمل فيه لبنان على إتمام مهمّته. إلّا أنّ الأوساط الأميركية تقول إنّ المنطقة التجريبية الأولى لم تكن مشجعة، وإنّ إسرائيل زودت الدوائر الأميركية المعنية بالمعلومات والصور حول عودة عناصر من «حزب الله» إلى زوطر، إن من خلال أطقم الإسعاف أو من خلال التغلغل بين المدنيين، وإنّ هذا هو السبب الذي جعل إسرائيل تعلن بأنّ خطة المناطق التجريبية قد فشلت. فتل أبيب تتذرّع بأنّه في حال نفّذت إنسحابات من مناطق أوسع وداخل المنطقة الصفراء، فهذا سيؤدي إلى عودة «حزب الله»، وحيث سيعيد بناء قوته العسكرية كما حصل سابقاً. وتلفت هذه الأوساط إلى أنّه لهذا السبب بالذات لم يجر التمديد لقوات «اليونيفيل» العاملة في جنوب لبنان. إضافة إلى أنّ إسرائيل زودت واشنطن بوثائق حول مداخل الأنفاق ومستودعات الذخيرة التي اكتشفتها في المناطق التي احتلتها. وفي المقابل لا يزال لبنان يرفض قيام الجيش بتفتيش كل المنازل بذريعة النصوص القانونية.

وفي واشنطن كلام بأنّ المساعدات العسكرية والإقتصادية جرى ربطها بالكونغرس، والذي يشترط ضرورة حصول خطوات لبنانية عملية قبل الإفراج عنها. والمساعدة العسكرية الوحيدة التي جرى إقرارها للجيش اللبناني حصلت من خلال موازنة وزارة الدفاع والتي اقتصرت على مبلغ 36 مليون دولار. لكن هذه المساعدة جرى تحديد وجهة صرفها، لتشمل ثلاثة أفواج عسكرية، تُعتبر من أفواج النخبة، وهي: المغاوير، مغاوير البحر والمجوقل. صحيح أنّها ليست المرّة الأولى التي يجري فيها تحديد وجهة استعمال هذه المساعدة، لكن حصرها بثلاثة أفواج تُعتبر من النخبة لها دلالاتها، خصوصاً في هذا التوقيت. وباختصار، فإنّ المساعدة الأكبر من واشنطن ستكون عن طريق الكونغرس، والذي يشترط استباقها بخطوات عملية.

وثمة توجّهات أميركية جديدة. فالحديث في واشنطن عن وجود توجّه جدّي لعدم تولّي الولايات المتحدة الأميركية وحدها مسؤولية مساعدة الجيش اللبناني مستقبلاً. فهنالك من يقترح أن تجري إحالة هذه المساعدات السنوية، والتي تقارب الـ200 مليون دولار إلى مجموعة من الدول الأوروبية والخليجية. وقد يشكّل المؤتمر التحضيري للجيش، والذي سيُعقد في باريس، مدخلاً لذلك. فتتفق الدول الراعية لتولّي جانب عسكري ما تحت الإشراف الأميركي. لكن اللافت أنّ السعودية، والتي وافقت على مشاركتها في مؤتمر باريس، بعد تدخّل ملحّ من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال زيارة الأخير لفرنسا. لكن المشاركة الحضورية السعودية لن تعني بالضرورة مشاركة فاعلة بالنتائج التي ستصدر.

ووفق ما تقدّم، يبدو واضحاً أنّ التعويل على نتائج  سياسية أو تفاوضية يبقى في غير محله للأسابيع وربما الأشهر المقبلة. ويربط المراقبون ذلك بانتظار الإنتخابات الإسرائيلية، خصوصاً أنّ نتنياهو المحشور إنتخابياً يراهن على مكاسب حربية، عبر سعيه لاحتلال تلة علي الطاهر، وتوظيف هذه الورقة التي جرى تضخيمها في المزايدات الإنتخابية. ولكن إقفال الإنتخابات لن يعني نهاية مشوار التعنت، فلا بدّ من انتظار تشكيل الحكومة الإسرائيلية، وهو ما قد يأخذ مدة أطول. فالأوساط المتابعة ما زالت ترجح عودة نتنياهو رغم إقرارها بتراجع قوته الإنتخابية. فتشكيل الحكومة الإسرائيلية يخضع لقواعد أخرى، وفي طليعتها نجاح الكتل بتشكيل إئتلاف حكومي واسع. لكن حتى في حال نجاح غريمه المباشر، أي غادي أيزنكوت، فإنّ الأوساط الأميركية تصنّفه هو أيضاً في خانة الشخصيات المتشدّدة. خصوصاً أنّ بروز نجمه السياسي جاء على خلفية كونه عسكرياً ورئيساً سابقاً للأركان، ما يعني أنّ الشارع الإسرائيلي ما زال يميل باتجاه القوة العسكرية، وأنّ تراجع نتنياهو سببه إتهامه بمسايرة واشنطن وعدم إكمال المسار الحربي.

وفي واشنطن، تشتد الحماوة الإنتخابية، وسط استطلاعات متلاحقة تُظهر تراجع شعبية ترامب ومعه الحزب الجمهوري. وكان استطلاع «رويترز» و«إيبسوس» قد أظهر أنّ 33% فقط باتوا يؤيّدون ترامب، في تراجع جديد بلغ نقطتين خلال أسبوعين. وهذه النسبة كانت قد سُجّلت في كانون الأول 2017 بعد وصول ترامب لأول مرّة إلى البيت الأبيض، وهو ما أدّى لاحقاً لفوز الحزب الديمقراطي. ويركّز الديمقراطيون على الأزمات الحياتية الداخلية وفي طليعتها الإقتصاد، وحيث يلعب مضيق هرمز دوراً أساسياً في ارتفاع غلاء المعيشة. وحتى الآن يقرّ الجميع بمن فيهم الجمهوريون، بأنّ الأغلبية النيابية باتت لصالح الحزب الديموقراطي. وما يضاعف من قلق قيادة الحزب الجمهوري، هو عدم حماسة القاعدة الجمهورية الناخبة للمشاركة في الإقتراع. وإذا ما تحقق ذلك لاحقاً فهذا سيشكّل عبئاً داخلياً على ترامب، والذي سيتعرّض لمشاكسات قوية وإزعاج حقيقي. ورغم ذلك، فإنّ ترامب لن يتراجع عن مساره في معركته مع إيران. فهو لا يريد أن ينتهي كما انتهى قبله جيمي كارتر. هو يريد، كما يؤكّد فريقه، أن يكتب عنه التاريخ الأميركي وفق ما ستؤول إليه المعركة مع إيران. والتاريخ لن يهتم كثيراً بمسائل المهاجرين وغيرها من الملفات المشابهة. لذلك لن يردعه فوز الحزب الديموقراطي في حال تحقق، عن استمرار اندفاعته تجاه إيران.

ولكن الجديد، ما يجري تناقله همساً، حول شكل إدارة ترامب بعد الإنتخابات النصفية. فهنالك كلام حول خروج ستيف ويتكوف من الدائرة القريبة من ترامب، خصوصاً أنّ الأمور ذهبت باتجاه الخيار الحربي، إثر فشل المسار التفاوضي. كما أنّ حركة التغييرات ستطال أسماء أخرى، لاسيما وأنّ النصف الثاني من الولاية الثانية والأخيرة لترامب ستشهد أيضاً تبنّي المرشح الرئاسي المقبل للحزب الجمهوري، وحيث برز اسم نائب الرئيس جي دي فانس. لكن اللوبي اليهودي لا يبدو مرحّباً به. في وقت يتحدث فيه البعض عن حماسة قطرية له. وخلال الأيام الماضية، إلتقى فانس بقادة اللوبي اليهودي في جلسة مغلقة لم يرشح عنها شيء، رغم الحديث عن استمرار الأجواء السلبية.

في المحصلة، فإنّ المشهدين الإسرائيلي والأميركي لا يوحيان بإنجازات «تفاوضية» قريبة. والأجدر ترقّب مصير تلة «علي الطاهر»، والأرجح ما بعد «علي الطاهر».

الملف اللبناني لم يعد أولوية أميركية

الكاتب: جوني منيّر | المصدر: الجمهورية
3 أيلول 2026

مَن يزور العاصمة الأميركية واشنطن يلاحظ فوراً غياب لبنان عن وسائل الإعلام الأميركية، رغم أنّه كان حاضراً بقوة خلال الأسابيع والأشهر الماضية. صحيح أنّ الإنشغال الأميركي هو بالحملات الإنتخابية الحامية الوطيس بين الحزبين الجمهوري الحاكم والديمقراطي المعارض، إلّا أنّ ثمة هامشاً لا بأس به متروك لقضايا أخرى، داخلية كانت مثل تلك المتعلقة بالعاصفة التي تضرب ولاية تكساس، أم خارجية، حيث يأتي الملف الإيراني في الطليعة. لكن الملف اللبناني، والذي يشكّل امتداداً للحرب القائمة مع إيران، كان أخذ حيزاً واسعاً من الإهتمام الإعلامي، قبل أن يعود ويتراجع إلى درجة عدم ذكره حالياً.

يعود زوار واشنطن من السياسيين اللبنانيين، وهم كثر في هذه الأيام، بانطباع أنّ الملف اللبناني لم يعد محط اهتمام فعلي لدى الإدارة الأميركية في الوقت الراهن. لكن هذا لا يعني أنّه جرى وضع الملف على الرف أو في الأدراج، والتوصيف الحقيقي والواقعي يشير إلى أنّه لا يزال على المكتب، ولو أنّه جرى إغلاقه ووضعه جانباً في المرحلة الحالية، وسط ازدحام ملفات أخرى باتت تشكّل أولوية ملحّة. وبالتالي، كلما اقتربنا من موعد فتح صناديق الإقتراع للإنتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني المقبل، كلما غاب الملف اللبناني عن اهتمامات البيت الأبيض.

وهو ما يعني أنّ التأثير الأميركي الفاعل، والذي يعوّل عليه لبنان لتأمين الدفع المطلوب بغية إحراز التقدّم في المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، قد لا يحصل خلال الأسابيع الفاصلة عن موعد الإنتخابات الأميركية. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير الإجتماع الفريد من نوعه، والذي عقده السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. فالضغط الأميركي يحصل عادة على مستوى موفد رئاسي أميركي لا على مستوى سفير، خصوصاً أنّ نتنياهو نفسه يتحضّر لانتخابات صعبة ومصيرية تسبق الإنتخابات الأميركية بأيام معدودة.

لكن زوار واشنطن يسمعون ما هو أخطر. إذ إنّ كبار مسؤولي إدارة ترامب لا يتردّدون في «تصحيح» ما يعتبرونه «خطأ لبنانياً شائعاً»، بأنّ واشنطن ستمارس ضغوطاً كبيرة على الحكومة الإسرائيلية لدفعها للإنسحاب تلقائياً من جنوب لبنان، من دون أن تكون السلطات اللبنانية قد نفّذت خطوات أمنية وعسكرية في جنوب لبنان، تعتبرها إسرائيل ضمانات تطال أمنها. ووفق هؤلاء المسؤولين، فإنّ على لبنان أن يدرك أنّه بعد عملية السابع من أوكتوبر والتي نفّذتها حركة «حماس» في غزة، بات هنالك حسابات أمنية مختلفة لدى إسرائيل، وهو ما تتفهمّه واشنطن بالكامل.

ومن هذه الزاوية، تنطلق الأوساط الأميركية لتتحدث بإسهاب، عن أنّ السلطات اللبنانية لم تقم بكل ما هو مطلوب منها ولا بما التزمت القيام به، خصوصاً على المستوى الميداني في جنوب لبنان. وهي بالتالي لم تستفد بالشكل الذي كان مأمولاً به من «المومينتوم» الذي كان قائماً، والذي كان يلعب لمصلحتها. ومن هذه الزاوية، تبدو الإدارة الأميركية وكأنّها أكثر اقتناعاً بالأعذار التي تسوقها إسرائيل، والتي تتهم من خلالها الجيش اللبناني بالتقاعس عن القيام بما هو مطلوب منه.

وفي المقابل، يشرح زوار العاصمة الأميركية عن الأفخاخ التي تضعها إسرائيل، وعن الصورة المغلوطة التي ترسمها تل أبيب حول الوضع، وإنّ إسرائيل هي التي لم تُقدم على أي خطوة جدّية تتعلق بوقف إطلاق النار أو بانسحابات فعلية، ما سيدفع لبنان لاتخاذ خطوات مقابلة. كما أنّ إسرائيل نعت عبر إعلامها الخطة المتعلقة بالمنطقة التجريبية، في وقت يعمل فيه لبنان على إتمام مهمّته. إلّا أنّ الأوساط الأميركية تقول إنّ المنطقة التجريبية الأولى لم تكن مشجعة، وإنّ إسرائيل زودت الدوائر الأميركية المعنية بالمعلومات والصور حول عودة عناصر من «حزب الله» إلى زوطر، إن من خلال أطقم الإسعاف أو من خلال التغلغل بين المدنيين، وإنّ هذا هو السبب الذي جعل إسرائيل تعلن بأنّ خطة المناطق التجريبية قد فشلت. فتل أبيب تتذرّع بأنّه في حال نفّذت إنسحابات من مناطق أوسع وداخل المنطقة الصفراء، فهذا سيؤدي إلى عودة «حزب الله»، وحيث سيعيد بناء قوته العسكرية كما حصل سابقاً. وتلفت هذه الأوساط إلى أنّه لهذا السبب بالذات لم يجر التمديد لقوات «اليونيفيل» العاملة في جنوب لبنان. إضافة إلى أنّ إسرائيل زودت واشنطن بوثائق حول مداخل الأنفاق ومستودعات الذخيرة التي اكتشفتها في المناطق التي احتلتها. وفي المقابل لا يزال لبنان يرفض قيام الجيش بتفتيش كل المنازل بذريعة النصوص القانونية.

وفي واشنطن كلام بأنّ المساعدات العسكرية والإقتصادية جرى ربطها بالكونغرس، والذي يشترط ضرورة حصول خطوات لبنانية عملية قبل الإفراج عنها. والمساعدة العسكرية الوحيدة التي جرى إقرارها للجيش اللبناني حصلت من خلال موازنة وزارة الدفاع والتي اقتصرت على مبلغ 36 مليون دولار. لكن هذه المساعدة جرى تحديد وجهة صرفها، لتشمل ثلاثة أفواج عسكرية، تُعتبر من أفواج النخبة، وهي: المغاوير، مغاوير البحر والمجوقل. صحيح أنّها ليست المرّة الأولى التي يجري فيها تحديد وجهة استعمال هذه المساعدة، لكن حصرها بثلاثة أفواج تُعتبر من النخبة لها دلالاتها، خصوصاً في هذا التوقيت. وباختصار، فإنّ المساعدة الأكبر من واشنطن ستكون عن طريق الكونغرس، والذي يشترط استباقها بخطوات عملية.

وثمة توجّهات أميركية جديدة. فالحديث في واشنطن عن وجود توجّه جدّي لعدم تولّي الولايات المتحدة الأميركية وحدها مسؤولية مساعدة الجيش اللبناني مستقبلاً. فهنالك من يقترح أن تجري إحالة هذه المساعدات السنوية، والتي تقارب الـ200 مليون دولار إلى مجموعة من الدول الأوروبية والخليجية. وقد يشكّل المؤتمر التحضيري للجيش، والذي سيُعقد في باريس، مدخلاً لذلك. فتتفق الدول الراعية لتولّي جانب عسكري ما تحت الإشراف الأميركي. لكن اللافت أنّ السعودية، والتي وافقت على مشاركتها في مؤتمر باريس، بعد تدخّل ملحّ من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال زيارة الأخير لفرنسا. لكن المشاركة الحضورية السعودية لن تعني بالضرورة مشاركة فاعلة بالنتائج التي ستصدر.

ووفق ما تقدّم، يبدو واضحاً أنّ التعويل على نتائج  سياسية أو تفاوضية يبقى في غير محله للأسابيع وربما الأشهر المقبلة. ويربط المراقبون ذلك بانتظار الإنتخابات الإسرائيلية، خصوصاً أنّ نتنياهو المحشور إنتخابياً يراهن على مكاسب حربية، عبر سعيه لاحتلال تلة علي الطاهر، وتوظيف هذه الورقة التي جرى تضخيمها في المزايدات الإنتخابية. ولكن إقفال الإنتخابات لن يعني نهاية مشوار التعنت، فلا بدّ من انتظار تشكيل الحكومة الإسرائيلية، وهو ما قد يأخذ مدة أطول. فالأوساط المتابعة ما زالت ترجح عودة نتنياهو رغم إقرارها بتراجع قوته الإنتخابية. فتشكيل الحكومة الإسرائيلية يخضع لقواعد أخرى، وفي طليعتها نجاح الكتل بتشكيل إئتلاف حكومي واسع. لكن حتى في حال نجاح غريمه المباشر، أي غادي أيزنكوت، فإنّ الأوساط الأميركية تصنّفه هو أيضاً في خانة الشخصيات المتشدّدة. خصوصاً أنّ بروز نجمه السياسي جاء على خلفية كونه عسكرياً ورئيساً سابقاً للأركان، ما يعني أنّ الشارع الإسرائيلي ما زال يميل باتجاه القوة العسكرية، وأنّ تراجع نتنياهو سببه إتهامه بمسايرة واشنطن وعدم إكمال المسار الحربي.

وفي واشنطن، تشتد الحماوة الإنتخابية، وسط استطلاعات متلاحقة تُظهر تراجع شعبية ترامب ومعه الحزب الجمهوري. وكان استطلاع «رويترز» و«إيبسوس» قد أظهر أنّ 33% فقط باتوا يؤيّدون ترامب، في تراجع جديد بلغ نقطتين خلال أسبوعين. وهذه النسبة كانت قد سُجّلت في كانون الأول 2017 بعد وصول ترامب لأول مرّة إلى البيت الأبيض، وهو ما أدّى لاحقاً لفوز الحزب الديمقراطي. ويركّز الديمقراطيون على الأزمات الحياتية الداخلية وفي طليعتها الإقتصاد، وحيث يلعب مضيق هرمز دوراً أساسياً في ارتفاع غلاء المعيشة. وحتى الآن يقرّ الجميع بمن فيهم الجمهوريون، بأنّ الأغلبية النيابية باتت لصالح الحزب الديموقراطي. وما يضاعف من قلق قيادة الحزب الجمهوري، هو عدم حماسة القاعدة الجمهورية الناخبة للمشاركة في الإقتراع. وإذا ما تحقق ذلك لاحقاً فهذا سيشكّل عبئاً داخلياً على ترامب، والذي سيتعرّض لمشاكسات قوية وإزعاج حقيقي. ورغم ذلك، فإنّ ترامب لن يتراجع عن مساره في معركته مع إيران. فهو لا يريد أن ينتهي كما انتهى قبله جيمي كارتر. هو يريد، كما يؤكّد فريقه، أن يكتب عنه التاريخ الأميركي وفق ما ستؤول إليه المعركة مع إيران. والتاريخ لن يهتم كثيراً بمسائل المهاجرين وغيرها من الملفات المشابهة. لذلك لن يردعه فوز الحزب الديموقراطي في حال تحقق، عن استمرار اندفاعته تجاه إيران.

ولكن الجديد، ما يجري تناقله همساً، حول شكل إدارة ترامب بعد الإنتخابات النصفية. فهنالك كلام حول خروج ستيف ويتكوف من الدائرة القريبة من ترامب، خصوصاً أنّ الأمور ذهبت باتجاه الخيار الحربي، إثر فشل المسار التفاوضي. كما أنّ حركة التغييرات ستطال أسماء أخرى، لاسيما وأنّ النصف الثاني من الولاية الثانية والأخيرة لترامب ستشهد أيضاً تبنّي المرشح الرئاسي المقبل للحزب الجمهوري، وحيث برز اسم نائب الرئيس جي دي فانس. لكن اللوبي اليهودي لا يبدو مرحّباً به. في وقت يتحدث فيه البعض عن حماسة قطرية له. وخلال الأيام الماضية، إلتقى فانس بقادة اللوبي اليهودي في جلسة مغلقة لم يرشح عنها شيء، رغم الحديث عن استمرار الأجواء السلبية.

في المحصلة، فإنّ المشهدين الإسرائيلي والأميركي لا يوحيان بإنجازات «تفاوضية» قريبة. والأجدر ترقّب مصير تلة «علي الطاهر»، والأرجح ما بعد «علي الطاهر».

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار