“جمهورية الكاش”… لبنان يفتح معركة ضبط الصرافين

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
11 أيلول 2026

يخوض البنك المركزي أخطر معاركه فيما أصبح الصرافون منفذاً رئيساً للاقتصاد النقدي

منذ انهيار القطاع المصرفي في لبنان عام 2019، تحول الصرافون إلى منفذ رئيس للاقتصاد النقدي، وانتقلت إليهم عمليات شراء الدولار والتحويلات وتسعير العملة، بالتوازي مع توسع السوق السوداء وضعف الرقابة. ويقدّر البنك الدولي حجم الاقتصاد النقدي بنحو 9.9 مليار دولار، أي 45.7 في المئة من الناتج، فيما تضم السوق 291 مؤسسة صرافة مرخصة. ويسعى مصرف لبنان عبر القرار 13837 إلى رفع الرساميل والكشف عن المستفيدين الحقيقيين وتشديد التوثيق والامتثال لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

بعد خريف عام 2019 لم يسقط القطاع المصرفي في لبنان وحسب، بل انهار معه النظام الذي كان ينسق حركة المال ويراقب التحويلات ويحدد مسار الدولار. وجُمدت الودائع وتوقفت المصارف عن أداء وظائفها الطبيعية وتراجع الائتمان وتعذر على اللبنانيين سحب أموالهم أو تحويلها بحرية. وفي الفراغ الذي خلّفه سقوط المصارف، دخل الصرافون بقوة إلى قلب الاقتصاد، وتحولوا تدريجاً من قطاع مساعد إلى بديل فعلي للنظام المصرفي. منهم يُشترى الدولار وعبرهم تنتقل الأموال ومن تطبيقاتهم يحدد سعر الصرف الذي يتحكم بالأسعار والرواتب وكلفة المعيشة.

هكذا انتقل مركز الثقل المالي من المؤسسات المصرفية إلى محال الصيرفة وشركات تحويل الأموال والوسطاء النقديين. وصار الصراف في حالات كثيرة مصرفاً وصندوق تحويل ومنصة تسعي، ومركزاً لحفظ السيولة في آن. وبات هذا القطاع المنفذ الأوسع لما يعرف بـ”الاقتصاد النقدي” (Cash Economy)، أي الاقتصاد الذي تُدفع بواسطته الرواتب والفواتير والصفقات، وحتى أثمان العقارات والسيارات، نقداً وبالدولار، بعيداً من الحسابات المصرفية وقنوات الدفع القابلة للتتبع.

صحيح أن مؤسسات الصرافة المرخصة تخضع قانوناً لـ”مصرف لبنان”، لكن المشكلة كانت في مستوى الرقابة الفعلية وفي اتساع النشاط غير المرخص وفي قدرة الأموال على الانتقال بين الصراف القانوني والوسيط غير القانوني من دون حدود واضحة. وكشف تقييم “مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” عن أن عدد عمليات التفتيش على الصرافين تراجع من 83 عملية عام 2017 إلى 26 فقط عام 2021، فيما قدم القطاع 33 بلاغاً عن عمليات مشبوهة خلال خمس سنوات، مقارنة بـ1634 بلاغاً قدمتها المصارف. وهذه الفجوة لا تثبت تورط القطاع كله، لكنها تكشف عن محدودية المعلومات التي كانت تصل إلى أجهزة الرقابة.

ومع تمدد الاقتصاد النقدي، لم يعُد الصراف مجرد تاجر للعملات، بل أصبح نقطة يمكن أن تتقاطع عندها الأموال الشرعية مع الأموال مجهولة المصدر. فحين تنقل ملايين الدولارات نقداً من دون حسابات مصرفية واضحة أو تدقيق في المستفيد الحقيقي، يصبح المجال مفتوحاً أمام شبهات تبييض الأموال وتمويل أنشطة غير مشروعة والتهرب الضريبي ونقل الأموال عبر الحدود. ومن هنا خرج ملف الصرافين من نطاق السياسة النقدية الضيق، ليدخل مباشرة في صلب المواجهة الدولية مع شبكات التمويل غير المشروع.

تشدد أميركي

لهذا السبب اتخذت الإدارة الأميركية خلال الأعوام الأخيرة سلسلة إجراءات وعقوبات بحق صرافين وشركات وأفراد اتهمتهم بتسهيل نقل الأموال إلى “حزب الله”. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن عشرات ملايين الدولارات نقلت من إيران إلى الحزب عبر مؤسسات صرافة مرخصة وغير مرخصة، مستفيدة من طبيعة الاقتصاد اللبناني القائم على النقد. وفي أغسطس (آب) الماضي، تحدثت الخزانة عن شبكة تنقل النقد بواسطة مسافرين بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران، قادرة، وفق توقعاتها، على تحريك مئات ملايين الدولارات خارج النظام المالي الرسمي.

ولم يبقَ الاستهداف مالياً أو قضائياً، إذ تحول إلى جزء من الحرب الإسرائيلية على البنية الاقتصادية لـ”حزب الله”، فاستهدفت إسرائيل فروعاً لمؤسسة “القرض الحسن”، وهاجمت في عمليات منفصلة صرافين ومكاتب صيرفة، زاعمة أنها تشكل قنوات لتحويل الأموال الإيرانية وتبييضها وتمويل نشاطات الحزب. وفي أبريل (نيسان) الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف مكتبَي صيرفة في بيروت، متهماً إياهما بالعمل ضمن الشبكة المالية للحزب. وهذه الاتهامات والاستهدافات لا تشكل أحكاماً قضائية لبنانية، لكنها تؤكد أن الصيرفة تحولت من نشاط تجاري إلى هدف في حرب مالية وأمنية مفتوحة.

من هنا، لم تعُد المطالب الغربية والأميركية من لبنان محصورة بنزع سلاح “حزب الله” وضبط الحدود، بل بات الانتظام المالي جزءاً موازياً من مفهوم استعادة الدولة لسيادتها. فالسلاح يحتاج إلى تمويل، والتمويل يحتاج إلى قنوات لنقله وتخزينه وإخفاء مصدره. لذلك، تضع واشنطن والمؤسسات الدولية وزناً متزايداً لتنظيم الصرافين وشركات التحويل والكشف عن أصحاب الحقوق الاقتصادية وضبط حركة النقد عبر الحدود وإخضاع المؤسسات غير المصرفية لقواعد مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

قرار “مصرف لبنان”

ضمن هذا السياق، جاء قرار “مصرف لبنان” الأساس الرقم 13837 الصادر في الـ18 من أغسطس الماضي، رافعاً الحد الأدنى لرأسمال مؤسسة الصرافة من الفئة “أ” إلى 25 مليار ليرة، ومن الفئة “ب” إلى 10 مليارات، ومحدداً رأسمال الفئة “أ1” بـ100 مليار ليرة. ولم يقتصر القرار على زيادة رأس المال، بل فرض الإفصاح عن أصحاب الحقوق الاقتصادية والتحقق من أهلية المساهمين والمديرين وتطوير الأنظمة المحاسبية والبرمجيات والاحتفاظ بالسجلات 10 أعوام وتركيب كاميرات مراقبة والخضوع للتدقيق والتأمين والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، إضافة إلى غرامات تبدأ من 500 مليون ليرة عن المخالفة الواحدة.

ووفق اللائحة الرسمية لـ”مصرف لبنان”، بلغ عدد المؤسسات المرخصة في مايو (أيار) الماضي نحو 291 مؤسسة، بينها 47 من الفئة “أ”، و244 من الفئة “ب”. ويبلغ رأس المال الأكثر شيوعاً في الفئة “أ” نحو 750 مليون ليرة، مقابل 250 مليوناً في الفئة “ب”. وبالقياس إلى الأرقام المنشورة، لا تبلغ أية مؤسسة الحد الجديد، فيما تحتاج المؤسسة النموذجية من الفئة “أ” إلى مضاعفة رأسمالها أكثر من 33 مرة، ونظيرتها من الفئة “ب” إلى مضاعفته 40 مرة.

وإذا أرادت المؤسسات الـ291 الاستمرار ضمن فئاتها الحالية، فيرتفع مجموع رأس المال المطلوب إلى نحو 3.615 تريليون ليرة، مقابل رأسمال منشور يناهز 146.2 ملياراً، مما يعني حاجة نظرية إلى زيادة تقارب 3.469 تريليون ليرة، أو نحو 38.8 مليون دولار وفق سعر 89500 ليرة للدولار. إلا أن هذه الفجوة الحسابية لا تعني أن المؤسسات عاجزة جميعها عن زيادة رساميلها، إذ قد لا تعكس الأرقام المنشورة الملاءة الفعلية للمساهمين.

كما أن القفزة تبدو أقل حدة عند احتسابها بالدولار، فعام 2022 كان الحد الأدنى لرأسمال الفئة “أ” 10 مليارات ليرة، أي نحو 426 ألف دولار وفق سعر منصة “صيرفة” آنذاك، بينما تساوي الـ25 ملياراً الجديدة نحو 279 ألف دولار فقط. أما رأسمال الفئة “ب”، فتراجعت قيمته الفعلية من نحو 213 ألف دولار عام 2022 إلى نحو 112 ألفاً اليوم، أي إن القرار يمثل زيادة اسمية ضخمة بالليرة، لكن لا يوازيها تشدد مماثل بالقيمة الدولارية.

أما حجم السوق السوداء للصيرفة، فلا توجد جهة قادرة على تحديده بدقة، إذ لا تتوافر بيانات تفصل بين شراء الدولار خارج المؤسسات المرخصة والتحويلات النقدية القانونية وتجارة العملات بين الأفراد والأموال المحمولة عبر الحدود وعائدات الأنشطة غير المشروعة. والرقم الأقرب إلى توصيف البيئة الحاضنة لهذه السوق هو تقدير البنك الدولي الذي وضع حجم الاقتصاد النقدي اللبناني عند 9.9 مليار دولار عام 2022، بما يعادل 45.7 في المئة من الناتج المحلي.

الدولة العميقة

هذه الكتلة النقدية الضخمة، مع الحدود الرخوة وتراجع دور المصارف والملكية غير الشفافة لبعض الشركات، وفرت بيئة ملائمة لشبكات التهريب وتبييض العائدات. ولأعوام استُخدمت الأراضي والمرافئ والحدود اللبنانية، وفق تقارير دولية وعمليات ضبط معلنة، ممراً ضمن شبكات إقليمية لتهريب المخدرات والكبتاغون والبضائع والأموال. ولا يعني ذلك أن كل صراف متورط أو أن كل دولار نقدي غير مشروع، لكن غياب القدرة على تتبع المال يسمح بخلط الأموال النظيفة بعائدات التهريب والجريمة المنظمة.

وما يوصف لبنانياً بـ”الدولة العميقة” يظهر تحديداً عند هذه النقطة. فهي ليست مؤسسة واحدة، بل شبكة مصالح سياسية وقضائية وإدارية ومالية تستخدم الدولة حين تحتاج إلى ترخيص أو حماية أو غطاء، وتتجاوزها عندما تتحول الرقابة إلى تهديد. وهذه المنظومة قد توافق على القوانين ما دامت لا تطبق، لكنها تقاوم الكشف عن المالك الحقيقي والتدقيق في الحسابات وملاحقة حركة النقد، لأن الاستقامة المالية لا تكشف عن المخالفة وحدها، بل تكشف أيضاً عن شبكة الحماية السياسية والإدارية التي سمحت بها.

لبنان موجود منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024 على اللائحة الرمادية لـ”مجموعة العمل المالي” (FATF)، وبقي عليها في تحديث يونيو (حزيران) الماضي. أما اللائحة السوداء، فكانت تضم إيران وكوريا الشمالية وميانمار. بالتالي، فإن انتقال لبنان إليها ليس تلقائياً ولا وشيكاً، لكنه يصبح في خطر فعلي إذا استمر العجز عن معالجة النواقص الاستراتيجية وإثبات زيادة التحقيقات والأحكام في جرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب واستعادة الأصول وضبط نقل النقد والمعادن عبر الحدود.

جذور الأزمة

وفي مقاربة تربط فوضى الصرافة بجذور الانهيار النقدي، يرى الباحث الاقتصادي الدكتور باتريك مارديني أن “أزمة الليرة لا يمكن اختصارها بارتفاع سعر الدولار، إذ كشفت المرحلة الممتدة بين عامي 2019 و2023 عن خلل عميق في إدارة النقد وسوق القطع، دفع جزءاً كبيراً من عمليات الصيرفة إلى خارج المؤسسات المرخصة، وحوّل السوق السوداء إلى واقع يومي يتحكم بالأسعار وحياة اللبنانيين”.

ويُربط هذا التحول بالتوسع الهائل في الكتلة النقدية بالليرة التي كانت تقارب 4 تريليونات ليرة قبل عام 2019، قبل أن ترتفع إلى نحو 80 تريليوناً. ومع ضخ هذا الحجم من النقد في السوق، مقابل طلب متزايد على الدولار وتداول العملة الأميركية بسعر يفوق بأضعاف السعر الرسمي، أصبح انهيار سعر الصرف نتيجة شبه حتمية.

في المقابل، حاولت السلطات ضبط السوق بإجراءات أدت، بحسب مارديني، إلى “نتيجة معاكسة”. “فخلال عهد حكومة (رئيس الوزراء السابق) حسان دياب، تعرض الصرافون المرخصون لضغوط لشراء الدولار وبيعه وفق سعر 1500 ليرة، في وقت كانت قيمته الفعلية في السوق أعلى بكثير. وهنا وجد الصراف والمواطن نفسيهما أمام معادلة غير قابلة للاستمرار، كيف يمكن بيع الدولار بالسعر الرسمي فيما تصل قيمته الفعلية إلى أضعاف هذا السعر؟ وأدت هذه السياسات إلى تجميد جانب من سوق الصرافة النظامية، فيما انتقلت عمليات بيع الدولار وشرائه إلى المنازل والهواتف والوسطاء والقنوات غير الرسمية”.

ومع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الحقيقي، تحولت السوق السوداء إلى المرجع الفعلي لتسعير الدولار، في نتيجة يصفها مارديني بأنها “ثمرة أخطاء جسيمة في إدارة السياسة النقدية، وليست مجرد مخالفة ارتكبها بعض الصرافين”.

أما اليوم، فيرى مارديني أن “التنظيم الجديد يمثل محاولة لإعادة قطاع الصيرفة إلى الإطار الشرعي، ويرتبط بصورة مباشرة بموقع لبنان المالي الخارجي، ولا سيما بعد إدراجه على اللائحة الرمادية لـ’مجموعة العمل المالي‘. فاستمرار هذا الوضع يضر بسمعة لبنان وقدرته على استقبال الأموال، فيما يعتمد اقتصاده بصورة كبيرة على التحويلات الخارجية والسياحة، وهما قطاعان يحتاجان إلى قواعد مالية واضحة وثقة دولية تسمح بتوسع التعاملات”.

لكن منع عودة السوق السوداء مستقبلاً يحتاج، وفق مارديني، إلى “معالجة السبب لا النتيجة فقط”. ومن هنا يطرح إنشاء مجلس نقد يضمن تثبيت سعر صرف الليرة ويمنع تمويل العجز عبر طباعة النقد. فاستقرار الليرة يزيل البيئة التي تسمح بازدهار الصيرفة غير الشرعية، ويمهد لعودة جزء من عمليات القطع للقطاع المصرفي، بما يقلص حجم الاقتصاد النقدي ويحد من انتقال الأموال خارج النظام المالي.

ويخلص إلى أن “الإجراءات الجديدة قد تكون ضرورية لتنظيم القطاع خلال المرحلة المقبلة، لكنها لن تنتج فرقاً مستداماً إذا بقيت الأسباب النقدية التي دفعت اللبنانيين إلى السوق السوداء قائمة. فمستقبل الصرافة يرتبط في النهاية بمستقبل السياسة النقدية وبقدرة لبنان على استعادة الثقة بالليرة والنظام المالي. وعندها فقط تنتقل سوق الدولار من البحث الدائم عن ملاذ خارج الدولة إلى سوق منظمة تحكمها قواعد واضحة”.

تحديث مالي

من جهته يضع الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور لويس حبيقة تنظيم سوق الصرافة ضمن مسار أوسع لتحديث القوانين المصرفية والمالية والنقدية في لبنان، معتبراً أن “هذه الخطوة كان يفترض أن تحصل منذ أعوام، بعدما تحولت الصيرفة في مراحل مختلفة إلى مساحة يسهل دخولها، ويستطيع من خلالها كل من يملك مكتباً أو محلاً ممارسة عمليات الصرف من دون ضوابط تتناسب مع حساسية حركة الأموال”.

وبحسب حبيقة، “تتجاوز القضية تنظيم المهنة من الناحية الإدارية، لأن ضعف الضوابط يحمل أخطاراً مباشرة على المواطنين والاقتصاد، ويفتح المجال أمام عمليات الاحتيال والتحويلات غير الشرعية ونقل الأموال بطرق يصعب تتبعها. لذلك، لا بد من قواعد واضحة تحدد من يحق له ممارسة الصيرفة وكيفية تنفيذ العمليات والجهة التي تراقبها والمعايير المطلوبة لحماية المتعاملين ومنع استغلال القطاع في أنشطة مخالفة للقانون.

ويربط الفوضى التي أصابت سوق الصيرفة بالصورة الأوسع للأزمة اللبنانية، إذ لم يكُن الانهيار نتيجة خطأ منفرد، بل حصيلة تراكم طويل للفوضى المالية والمصرفية والنقدية، انتهت بأزمة الودائع وسقوط الثقة بالمصارف والعملة. ومن هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع تنظيم الصرافين كإجراء منفصل، بل كحلقة ضمن عملية إعادة بناء النظام المالي بكامله.

ولا يرى أن تنظيم القطاع مهمة مستحيلة أو تحتاج إلى ابتكار حلول شديدة التعقيد، إذ يستطيع لبنان الاستفادة من التجارب الأوروبية التي أخضعت عمليات الصرف لقواعد واضحة، وحددت الجهات التي يمكنها ممارسة النشاط، وفرضت آليات رقابة وتوثيق تحمي المتعاملين وتحدّ من التجاوزات. ويمكن تكييف هذه النماذج مع خصوصية السوق اللبنانية، بدلاً من إبقاء القطاع رهينة الفوضى والاستثناءات.

اختبار التنفيذ

بدوره يرى الصحافي الاقتصادي منير يونس أن “تعميم مصرف لبنان الجديد الخاص بمؤسسات الصرافة يتجاوز إعادة ترتيب القطاع أو رفع الرساميل، ليطاول مباشرة اقتصاد النقد الذي توسع بقوة بعد انهيار القطاع المصرفي، من خلال محاولة إخضاع حركة الأموال ومصادرها ووجهاتها لمستوى أعلى من التدقيق والتوثيق. ويوضع القرار الأساس الرقم 13837، المرفق بالتعميم الأساس الرقم 6، في سياق السعي إلى إدخال جزء أكبر من حركة النقد ضمن دائرة الرقابة، عبر فرض قواعد أكثر تشدداً على مؤسسات الصرافة والتحويل، وربط نشاطها بمتطلبات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”.

وتبرز أهمية التعميم، وفق يونس، “في ظل الضغوط الدولية الهادفة إلى ضبط القنوات التي يمكن استخدامها لنقل الأموال إلى جهات خاضعة للعقوبات، وفي مقدمتها ‘حزب الله'”. لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن “القرار لا يسمي الحزب، ولا يصح تقديمه رسمياً على أنه صدر لاستهدافه، وإن كان يأتي ضمن بيئة سياسية ومالية دولية تضغط لتجفيف قنوات التمويل غير المشروع”.

ويشرح يونس أن “القرار أعاد تقسيم مؤسسات الصرافة إلى فئات محددة ورفع متطلبات رأس المال وفرض معايير أكثر صرامة على الملكية والإدارة وكشف عن المستفيدين الحقيقيين من المؤسسات، إضافة إلى إلزامها أنظمة امتثال وتوثيق وحفظ للسجلات، بما يسمح بتتبع العمليات والعودة لها عند ظهور أية شبهة”.

وفي قراءة يونس، يشكّل السماح لمؤسسات الفئة “A2” بتنفيذ حوالات تجارية تصل إلى 200 ألف دولار شهرياً للعميل الواحد، مقابل 20 ألف دولار للحوالات الشخصية، إحدى أبرز نقاط القرار. ويوضح أن “السقف يتعلق بمجموع الحوالات خلال الشهر، وليس بكل حوالة منفردة، مما يفرض على المؤسسة مراقبة حركة العميل بصورة تراكمية، بدلاً من التدقيق في كل عملية بمعزل عن العمليات الأخرى”.

وقد يسهم رفع سقف الحوالات التجارية في تسهيل تمويل التجارة عبر مؤسسات مرخصة، ويخفف حاجة التجار إلى شبكات غير شرعية. لكن الخطر، وفق يونس، يكمن في التنفيذ، لأن نجاح النظام الجديد يتوقف على قدرة الجهات الرقابية على مطابقة طبيعة العملية ومصدر الأموال وهوية المستفيد الفعلي مع نشاط تجاري حقيقي، ومنع استخدام الفواتير أو الشركات كغطاء لتحويل الأموال.

ولا يرى يونس أن التعميم يلغي اقتصاد النقد، بل يعتبر أنه يسعى إلى إدخال جزء منه في مسار أكثر وضوحاً من حيث التسجيل والتوثيق وإمكان التتبع. فالحوالة قد تُدفع نقداً، وقد يتسلم المستفيد قيمتها نقداً أيضاً، ولذلك فإن الحديث عن “محاربة الكاش” ليس دقيقاً. والهدف الفعلي هو تنظيم حركة النقد والكشف عن مصدره ووجهته، لا إلغاء استخدامه.

ويربط يونس الإجراءات باستمرار وجود لبنان على اللائحة الرمادية لـ”مجموعة العمل المالي”، إذ يشكل ضبط المؤسسات المالية غير المصرفية والكشف عن المستفيدين الحقيقيين وتشديد الرقابة على انتقال الأموال النقدية، جزءاً أساساً من المتطلبات المفروضة على السلطات اللبنانية.

“جمهورية الكاش”… لبنان يفتح معركة ضبط الصرافين

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
11 أيلول 2026

يخوض البنك المركزي أخطر معاركه فيما أصبح الصرافون منفذاً رئيساً للاقتصاد النقدي

منذ انهيار القطاع المصرفي في لبنان عام 2019، تحول الصرافون إلى منفذ رئيس للاقتصاد النقدي، وانتقلت إليهم عمليات شراء الدولار والتحويلات وتسعير العملة، بالتوازي مع توسع السوق السوداء وضعف الرقابة. ويقدّر البنك الدولي حجم الاقتصاد النقدي بنحو 9.9 مليار دولار، أي 45.7 في المئة من الناتج، فيما تضم السوق 291 مؤسسة صرافة مرخصة. ويسعى مصرف لبنان عبر القرار 13837 إلى رفع الرساميل والكشف عن المستفيدين الحقيقيين وتشديد التوثيق والامتثال لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

بعد خريف عام 2019 لم يسقط القطاع المصرفي في لبنان وحسب، بل انهار معه النظام الذي كان ينسق حركة المال ويراقب التحويلات ويحدد مسار الدولار. وجُمدت الودائع وتوقفت المصارف عن أداء وظائفها الطبيعية وتراجع الائتمان وتعذر على اللبنانيين سحب أموالهم أو تحويلها بحرية. وفي الفراغ الذي خلّفه سقوط المصارف، دخل الصرافون بقوة إلى قلب الاقتصاد، وتحولوا تدريجاً من قطاع مساعد إلى بديل فعلي للنظام المصرفي. منهم يُشترى الدولار وعبرهم تنتقل الأموال ومن تطبيقاتهم يحدد سعر الصرف الذي يتحكم بالأسعار والرواتب وكلفة المعيشة.

هكذا انتقل مركز الثقل المالي من المؤسسات المصرفية إلى محال الصيرفة وشركات تحويل الأموال والوسطاء النقديين. وصار الصراف في حالات كثيرة مصرفاً وصندوق تحويل ومنصة تسعي، ومركزاً لحفظ السيولة في آن. وبات هذا القطاع المنفذ الأوسع لما يعرف بـ”الاقتصاد النقدي” (Cash Economy)، أي الاقتصاد الذي تُدفع بواسطته الرواتب والفواتير والصفقات، وحتى أثمان العقارات والسيارات، نقداً وبالدولار، بعيداً من الحسابات المصرفية وقنوات الدفع القابلة للتتبع.

صحيح أن مؤسسات الصرافة المرخصة تخضع قانوناً لـ”مصرف لبنان”، لكن المشكلة كانت في مستوى الرقابة الفعلية وفي اتساع النشاط غير المرخص وفي قدرة الأموال على الانتقال بين الصراف القانوني والوسيط غير القانوني من دون حدود واضحة. وكشف تقييم “مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” عن أن عدد عمليات التفتيش على الصرافين تراجع من 83 عملية عام 2017 إلى 26 فقط عام 2021، فيما قدم القطاع 33 بلاغاً عن عمليات مشبوهة خلال خمس سنوات، مقارنة بـ1634 بلاغاً قدمتها المصارف. وهذه الفجوة لا تثبت تورط القطاع كله، لكنها تكشف عن محدودية المعلومات التي كانت تصل إلى أجهزة الرقابة.

ومع تمدد الاقتصاد النقدي، لم يعُد الصراف مجرد تاجر للعملات، بل أصبح نقطة يمكن أن تتقاطع عندها الأموال الشرعية مع الأموال مجهولة المصدر. فحين تنقل ملايين الدولارات نقداً من دون حسابات مصرفية واضحة أو تدقيق في المستفيد الحقيقي، يصبح المجال مفتوحاً أمام شبهات تبييض الأموال وتمويل أنشطة غير مشروعة والتهرب الضريبي ونقل الأموال عبر الحدود. ومن هنا خرج ملف الصرافين من نطاق السياسة النقدية الضيق، ليدخل مباشرة في صلب المواجهة الدولية مع شبكات التمويل غير المشروع.

تشدد أميركي

لهذا السبب اتخذت الإدارة الأميركية خلال الأعوام الأخيرة سلسلة إجراءات وعقوبات بحق صرافين وشركات وأفراد اتهمتهم بتسهيل نقل الأموال إلى “حزب الله”. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن عشرات ملايين الدولارات نقلت من إيران إلى الحزب عبر مؤسسات صرافة مرخصة وغير مرخصة، مستفيدة من طبيعة الاقتصاد اللبناني القائم على النقد. وفي أغسطس (آب) الماضي، تحدثت الخزانة عن شبكة تنقل النقد بواسطة مسافرين بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران، قادرة، وفق توقعاتها، على تحريك مئات ملايين الدولارات خارج النظام المالي الرسمي.

ولم يبقَ الاستهداف مالياً أو قضائياً، إذ تحول إلى جزء من الحرب الإسرائيلية على البنية الاقتصادية لـ”حزب الله”، فاستهدفت إسرائيل فروعاً لمؤسسة “القرض الحسن”، وهاجمت في عمليات منفصلة صرافين ومكاتب صيرفة، زاعمة أنها تشكل قنوات لتحويل الأموال الإيرانية وتبييضها وتمويل نشاطات الحزب. وفي أبريل (نيسان) الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف مكتبَي صيرفة في بيروت، متهماً إياهما بالعمل ضمن الشبكة المالية للحزب. وهذه الاتهامات والاستهدافات لا تشكل أحكاماً قضائية لبنانية، لكنها تؤكد أن الصيرفة تحولت من نشاط تجاري إلى هدف في حرب مالية وأمنية مفتوحة.

من هنا، لم تعُد المطالب الغربية والأميركية من لبنان محصورة بنزع سلاح “حزب الله” وضبط الحدود، بل بات الانتظام المالي جزءاً موازياً من مفهوم استعادة الدولة لسيادتها. فالسلاح يحتاج إلى تمويل، والتمويل يحتاج إلى قنوات لنقله وتخزينه وإخفاء مصدره. لذلك، تضع واشنطن والمؤسسات الدولية وزناً متزايداً لتنظيم الصرافين وشركات التحويل والكشف عن أصحاب الحقوق الاقتصادية وضبط حركة النقد عبر الحدود وإخضاع المؤسسات غير المصرفية لقواعد مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

قرار “مصرف لبنان”

ضمن هذا السياق، جاء قرار “مصرف لبنان” الأساس الرقم 13837 الصادر في الـ18 من أغسطس الماضي، رافعاً الحد الأدنى لرأسمال مؤسسة الصرافة من الفئة “أ” إلى 25 مليار ليرة، ومن الفئة “ب” إلى 10 مليارات، ومحدداً رأسمال الفئة “أ1” بـ100 مليار ليرة. ولم يقتصر القرار على زيادة رأس المال، بل فرض الإفصاح عن أصحاب الحقوق الاقتصادية والتحقق من أهلية المساهمين والمديرين وتطوير الأنظمة المحاسبية والبرمجيات والاحتفاظ بالسجلات 10 أعوام وتركيب كاميرات مراقبة والخضوع للتدقيق والتأمين والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، إضافة إلى غرامات تبدأ من 500 مليون ليرة عن المخالفة الواحدة.

ووفق اللائحة الرسمية لـ”مصرف لبنان”، بلغ عدد المؤسسات المرخصة في مايو (أيار) الماضي نحو 291 مؤسسة، بينها 47 من الفئة “أ”، و244 من الفئة “ب”. ويبلغ رأس المال الأكثر شيوعاً في الفئة “أ” نحو 750 مليون ليرة، مقابل 250 مليوناً في الفئة “ب”. وبالقياس إلى الأرقام المنشورة، لا تبلغ أية مؤسسة الحد الجديد، فيما تحتاج المؤسسة النموذجية من الفئة “أ” إلى مضاعفة رأسمالها أكثر من 33 مرة، ونظيرتها من الفئة “ب” إلى مضاعفته 40 مرة.

وإذا أرادت المؤسسات الـ291 الاستمرار ضمن فئاتها الحالية، فيرتفع مجموع رأس المال المطلوب إلى نحو 3.615 تريليون ليرة، مقابل رأسمال منشور يناهز 146.2 ملياراً، مما يعني حاجة نظرية إلى زيادة تقارب 3.469 تريليون ليرة، أو نحو 38.8 مليون دولار وفق سعر 89500 ليرة للدولار. إلا أن هذه الفجوة الحسابية لا تعني أن المؤسسات عاجزة جميعها عن زيادة رساميلها، إذ قد لا تعكس الأرقام المنشورة الملاءة الفعلية للمساهمين.

كما أن القفزة تبدو أقل حدة عند احتسابها بالدولار، فعام 2022 كان الحد الأدنى لرأسمال الفئة “أ” 10 مليارات ليرة، أي نحو 426 ألف دولار وفق سعر منصة “صيرفة” آنذاك، بينما تساوي الـ25 ملياراً الجديدة نحو 279 ألف دولار فقط. أما رأسمال الفئة “ب”، فتراجعت قيمته الفعلية من نحو 213 ألف دولار عام 2022 إلى نحو 112 ألفاً اليوم، أي إن القرار يمثل زيادة اسمية ضخمة بالليرة، لكن لا يوازيها تشدد مماثل بالقيمة الدولارية.

أما حجم السوق السوداء للصيرفة، فلا توجد جهة قادرة على تحديده بدقة، إذ لا تتوافر بيانات تفصل بين شراء الدولار خارج المؤسسات المرخصة والتحويلات النقدية القانونية وتجارة العملات بين الأفراد والأموال المحمولة عبر الحدود وعائدات الأنشطة غير المشروعة. والرقم الأقرب إلى توصيف البيئة الحاضنة لهذه السوق هو تقدير البنك الدولي الذي وضع حجم الاقتصاد النقدي اللبناني عند 9.9 مليار دولار عام 2022، بما يعادل 45.7 في المئة من الناتج المحلي.

الدولة العميقة

هذه الكتلة النقدية الضخمة، مع الحدود الرخوة وتراجع دور المصارف والملكية غير الشفافة لبعض الشركات، وفرت بيئة ملائمة لشبكات التهريب وتبييض العائدات. ولأعوام استُخدمت الأراضي والمرافئ والحدود اللبنانية، وفق تقارير دولية وعمليات ضبط معلنة، ممراً ضمن شبكات إقليمية لتهريب المخدرات والكبتاغون والبضائع والأموال. ولا يعني ذلك أن كل صراف متورط أو أن كل دولار نقدي غير مشروع، لكن غياب القدرة على تتبع المال يسمح بخلط الأموال النظيفة بعائدات التهريب والجريمة المنظمة.

وما يوصف لبنانياً بـ”الدولة العميقة” يظهر تحديداً عند هذه النقطة. فهي ليست مؤسسة واحدة، بل شبكة مصالح سياسية وقضائية وإدارية ومالية تستخدم الدولة حين تحتاج إلى ترخيص أو حماية أو غطاء، وتتجاوزها عندما تتحول الرقابة إلى تهديد. وهذه المنظومة قد توافق على القوانين ما دامت لا تطبق، لكنها تقاوم الكشف عن المالك الحقيقي والتدقيق في الحسابات وملاحقة حركة النقد، لأن الاستقامة المالية لا تكشف عن المخالفة وحدها، بل تكشف أيضاً عن شبكة الحماية السياسية والإدارية التي سمحت بها.

لبنان موجود منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024 على اللائحة الرمادية لـ”مجموعة العمل المالي” (FATF)، وبقي عليها في تحديث يونيو (حزيران) الماضي. أما اللائحة السوداء، فكانت تضم إيران وكوريا الشمالية وميانمار. بالتالي، فإن انتقال لبنان إليها ليس تلقائياً ولا وشيكاً، لكنه يصبح في خطر فعلي إذا استمر العجز عن معالجة النواقص الاستراتيجية وإثبات زيادة التحقيقات والأحكام في جرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب واستعادة الأصول وضبط نقل النقد والمعادن عبر الحدود.

جذور الأزمة

وفي مقاربة تربط فوضى الصرافة بجذور الانهيار النقدي، يرى الباحث الاقتصادي الدكتور باتريك مارديني أن “أزمة الليرة لا يمكن اختصارها بارتفاع سعر الدولار، إذ كشفت المرحلة الممتدة بين عامي 2019 و2023 عن خلل عميق في إدارة النقد وسوق القطع، دفع جزءاً كبيراً من عمليات الصيرفة إلى خارج المؤسسات المرخصة، وحوّل السوق السوداء إلى واقع يومي يتحكم بالأسعار وحياة اللبنانيين”.

ويُربط هذا التحول بالتوسع الهائل في الكتلة النقدية بالليرة التي كانت تقارب 4 تريليونات ليرة قبل عام 2019، قبل أن ترتفع إلى نحو 80 تريليوناً. ومع ضخ هذا الحجم من النقد في السوق، مقابل طلب متزايد على الدولار وتداول العملة الأميركية بسعر يفوق بأضعاف السعر الرسمي، أصبح انهيار سعر الصرف نتيجة شبه حتمية.

في المقابل، حاولت السلطات ضبط السوق بإجراءات أدت، بحسب مارديني، إلى “نتيجة معاكسة”. “فخلال عهد حكومة (رئيس الوزراء السابق) حسان دياب، تعرض الصرافون المرخصون لضغوط لشراء الدولار وبيعه وفق سعر 1500 ليرة، في وقت كانت قيمته الفعلية في السوق أعلى بكثير. وهنا وجد الصراف والمواطن نفسيهما أمام معادلة غير قابلة للاستمرار، كيف يمكن بيع الدولار بالسعر الرسمي فيما تصل قيمته الفعلية إلى أضعاف هذا السعر؟ وأدت هذه السياسات إلى تجميد جانب من سوق الصرافة النظامية، فيما انتقلت عمليات بيع الدولار وشرائه إلى المنازل والهواتف والوسطاء والقنوات غير الرسمية”.

ومع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الحقيقي، تحولت السوق السوداء إلى المرجع الفعلي لتسعير الدولار، في نتيجة يصفها مارديني بأنها “ثمرة أخطاء جسيمة في إدارة السياسة النقدية، وليست مجرد مخالفة ارتكبها بعض الصرافين”.

أما اليوم، فيرى مارديني أن “التنظيم الجديد يمثل محاولة لإعادة قطاع الصيرفة إلى الإطار الشرعي، ويرتبط بصورة مباشرة بموقع لبنان المالي الخارجي، ولا سيما بعد إدراجه على اللائحة الرمادية لـ’مجموعة العمل المالي‘. فاستمرار هذا الوضع يضر بسمعة لبنان وقدرته على استقبال الأموال، فيما يعتمد اقتصاده بصورة كبيرة على التحويلات الخارجية والسياحة، وهما قطاعان يحتاجان إلى قواعد مالية واضحة وثقة دولية تسمح بتوسع التعاملات”.

لكن منع عودة السوق السوداء مستقبلاً يحتاج، وفق مارديني، إلى “معالجة السبب لا النتيجة فقط”. ومن هنا يطرح إنشاء مجلس نقد يضمن تثبيت سعر صرف الليرة ويمنع تمويل العجز عبر طباعة النقد. فاستقرار الليرة يزيل البيئة التي تسمح بازدهار الصيرفة غير الشرعية، ويمهد لعودة جزء من عمليات القطع للقطاع المصرفي، بما يقلص حجم الاقتصاد النقدي ويحد من انتقال الأموال خارج النظام المالي.

ويخلص إلى أن “الإجراءات الجديدة قد تكون ضرورية لتنظيم القطاع خلال المرحلة المقبلة، لكنها لن تنتج فرقاً مستداماً إذا بقيت الأسباب النقدية التي دفعت اللبنانيين إلى السوق السوداء قائمة. فمستقبل الصرافة يرتبط في النهاية بمستقبل السياسة النقدية وبقدرة لبنان على استعادة الثقة بالليرة والنظام المالي. وعندها فقط تنتقل سوق الدولار من البحث الدائم عن ملاذ خارج الدولة إلى سوق منظمة تحكمها قواعد واضحة”.

تحديث مالي

من جهته يضع الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور لويس حبيقة تنظيم سوق الصرافة ضمن مسار أوسع لتحديث القوانين المصرفية والمالية والنقدية في لبنان، معتبراً أن “هذه الخطوة كان يفترض أن تحصل منذ أعوام، بعدما تحولت الصيرفة في مراحل مختلفة إلى مساحة يسهل دخولها، ويستطيع من خلالها كل من يملك مكتباً أو محلاً ممارسة عمليات الصرف من دون ضوابط تتناسب مع حساسية حركة الأموال”.

وبحسب حبيقة، “تتجاوز القضية تنظيم المهنة من الناحية الإدارية، لأن ضعف الضوابط يحمل أخطاراً مباشرة على المواطنين والاقتصاد، ويفتح المجال أمام عمليات الاحتيال والتحويلات غير الشرعية ونقل الأموال بطرق يصعب تتبعها. لذلك، لا بد من قواعد واضحة تحدد من يحق له ممارسة الصيرفة وكيفية تنفيذ العمليات والجهة التي تراقبها والمعايير المطلوبة لحماية المتعاملين ومنع استغلال القطاع في أنشطة مخالفة للقانون.

ويربط الفوضى التي أصابت سوق الصيرفة بالصورة الأوسع للأزمة اللبنانية، إذ لم يكُن الانهيار نتيجة خطأ منفرد، بل حصيلة تراكم طويل للفوضى المالية والمصرفية والنقدية، انتهت بأزمة الودائع وسقوط الثقة بالمصارف والعملة. ومن هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع تنظيم الصرافين كإجراء منفصل، بل كحلقة ضمن عملية إعادة بناء النظام المالي بكامله.

ولا يرى أن تنظيم القطاع مهمة مستحيلة أو تحتاج إلى ابتكار حلول شديدة التعقيد، إذ يستطيع لبنان الاستفادة من التجارب الأوروبية التي أخضعت عمليات الصرف لقواعد واضحة، وحددت الجهات التي يمكنها ممارسة النشاط، وفرضت آليات رقابة وتوثيق تحمي المتعاملين وتحدّ من التجاوزات. ويمكن تكييف هذه النماذج مع خصوصية السوق اللبنانية، بدلاً من إبقاء القطاع رهينة الفوضى والاستثناءات.

اختبار التنفيذ

بدوره يرى الصحافي الاقتصادي منير يونس أن “تعميم مصرف لبنان الجديد الخاص بمؤسسات الصرافة يتجاوز إعادة ترتيب القطاع أو رفع الرساميل، ليطاول مباشرة اقتصاد النقد الذي توسع بقوة بعد انهيار القطاع المصرفي، من خلال محاولة إخضاع حركة الأموال ومصادرها ووجهاتها لمستوى أعلى من التدقيق والتوثيق. ويوضع القرار الأساس الرقم 13837، المرفق بالتعميم الأساس الرقم 6، في سياق السعي إلى إدخال جزء أكبر من حركة النقد ضمن دائرة الرقابة، عبر فرض قواعد أكثر تشدداً على مؤسسات الصرافة والتحويل، وربط نشاطها بمتطلبات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”.

وتبرز أهمية التعميم، وفق يونس، “في ظل الضغوط الدولية الهادفة إلى ضبط القنوات التي يمكن استخدامها لنقل الأموال إلى جهات خاضعة للعقوبات، وفي مقدمتها ‘حزب الله'”. لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن “القرار لا يسمي الحزب، ولا يصح تقديمه رسمياً على أنه صدر لاستهدافه، وإن كان يأتي ضمن بيئة سياسية ومالية دولية تضغط لتجفيف قنوات التمويل غير المشروع”.

ويشرح يونس أن “القرار أعاد تقسيم مؤسسات الصرافة إلى فئات محددة ورفع متطلبات رأس المال وفرض معايير أكثر صرامة على الملكية والإدارة وكشف عن المستفيدين الحقيقيين من المؤسسات، إضافة إلى إلزامها أنظمة امتثال وتوثيق وحفظ للسجلات، بما يسمح بتتبع العمليات والعودة لها عند ظهور أية شبهة”.

وفي قراءة يونس، يشكّل السماح لمؤسسات الفئة “A2” بتنفيذ حوالات تجارية تصل إلى 200 ألف دولار شهرياً للعميل الواحد، مقابل 20 ألف دولار للحوالات الشخصية، إحدى أبرز نقاط القرار. ويوضح أن “السقف يتعلق بمجموع الحوالات خلال الشهر، وليس بكل حوالة منفردة، مما يفرض على المؤسسة مراقبة حركة العميل بصورة تراكمية، بدلاً من التدقيق في كل عملية بمعزل عن العمليات الأخرى”.

وقد يسهم رفع سقف الحوالات التجارية في تسهيل تمويل التجارة عبر مؤسسات مرخصة، ويخفف حاجة التجار إلى شبكات غير شرعية. لكن الخطر، وفق يونس، يكمن في التنفيذ، لأن نجاح النظام الجديد يتوقف على قدرة الجهات الرقابية على مطابقة طبيعة العملية ومصدر الأموال وهوية المستفيد الفعلي مع نشاط تجاري حقيقي، ومنع استخدام الفواتير أو الشركات كغطاء لتحويل الأموال.

ولا يرى يونس أن التعميم يلغي اقتصاد النقد، بل يعتبر أنه يسعى إلى إدخال جزء منه في مسار أكثر وضوحاً من حيث التسجيل والتوثيق وإمكان التتبع. فالحوالة قد تُدفع نقداً، وقد يتسلم المستفيد قيمتها نقداً أيضاً، ولذلك فإن الحديث عن “محاربة الكاش” ليس دقيقاً. والهدف الفعلي هو تنظيم حركة النقد والكشف عن مصدره ووجهته، لا إلغاء استخدامه.

ويربط يونس الإجراءات باستمرار وجود لبنان على اللائحة الرمادية لـ”مجموعة العمل المالي”، إذ يشكل ضبط المؤسسات المالية غير المصرفية والكشف عن المستفيدين الحقيقيين وتشديد الرقابة على انتقال الأموال النقدية، جزءاً أساساً من المتطلبات المفروضة على السلطات اللبنانية.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار