“الثقافة” تطلب وقف أعمال “بحيرة الراعي”: أنقذوا وادي قاديشا

لم تَدُم فرحة المعترضين على مشروع إنشاء “بحيرة البطريرك الراعي” طويلاً، إذ عادت الأعمال في الموقع، رغم الاعتراضات المتكرّرة وتصدّي الأهالي والناشطين لها ميدانياً. وفوجئ المعترضون بأن جهودهم لم تُفضِ إلى وقف المشروع، رغم أن وزارة الثقافة لم تتأخر في الاستجابة لمطالبهم. فقد وجّهت الوزارة، استنادًا إلى تقرير المديرية العامة للآثار الرقم 3368، تاريخ 31 آب 2026، كتاباً واضحاً إلى محافظة الشمال، طلبت فيه الإيعاز إلى من يلزم بـ”إيقاف أية أعمال فوراً”، وعرض المشروع على المديرية العامة للآثار لدراسته وإبداء الرأي في مدى توافقه مع معايير إدراج الموقع على لائحة التراث.
محافظة الشمال تخفي المراسلة؟
الناشطون في المنطقة اتهموا محافظة الشمال بإخفاء كتاب وزارة الثقافة. وتهربت المصادر في المحافظة من الإجابة عن أسئلة “المدن”، متذرعة بعدم معاينة البريد للتأكد من وصول المراسلة. ثم استقصت “المدن” عن المراسلة الضائعة، وتمكّنت من الحصول على نسخة من الكتاب الموجّه من وزير الثقافة إلى محافظة الشمال، والمتعلق بمشروع البحيرة في الديمان. هذا فضلاً عن أن مكتب وزير الثقافة غسان سلامة أكد لـ”المدن” أن المراسلة سُلّمت باليد إلى قلم المحافظة في الأول من أيلول 2026، وسُجّلت تحت الرقم 1375. وحيال هذه البلبلة، تذرعت مصادر في محافظة الشمال أنها تسلمت المراسلة قبل ثلاثة أيام، وأنها ستبلغ الإدارات المعنية لمتابعة الموضوع.
تطرح هذه الواقعة علامات استفهام حول مصير كتاب وزارة الثقافة: هل وُضع عمداً في أدراج المحافظة إلى حين افتتاح البحيرة، تفادياً لإحراج البطريركية، لا سيما أن المشروع يحمل اسم البطريرك الراعي؟
وبعدما تأكد تسلّم المحافظة كتاب وزير الثقافة، تتجّه الأنظار الآن إلى الإجراءات التي ستتّخذها، لا سيما في ظلّ توجه ناشطين بيئيين، خلال الأيام المقبلة، إلى تقديم شكوى إلى وزير الداخلية بشأن ما يعتبرونه “إهمالًا مقصودًا” في التعامل مع هذا الملف.
وادي قاديشا المحرَّم
أدرجت اليونسكو وادي قاديشا المقدّس على قائمة التراث العالمي، استنادًا إلى قيمته الثقافية والطبيعية والروحية، وإلى تكامل المشهد الذي يشكّل عنصرًا أساسيًا من عناصر قيمته العالمية الاستثنائية.
وانطلاقًا من ذلك، تؤكّد وزارة الثقافة أن جميع المشاريع والأعمال والتدخلات المقترحة ضمن حديقة البطاركة، أو في أي جزء من الوادي المقدّس، والتي من شأنها التأثير في طبيعته أو مشهده أو قيمه، يجب أن تخضع مسبقًا للدراسات والتقييمات اللازمة، بما في ذلك تقييم الأثر على التراث وتقييم الأثر البيئي. ويهدف ذلك إلى التأكد من عدم تأثير هذه المشاريع سلباً في القيمة العالمية الاستثنائية للموقع، أو في عناصره الثقافية والطبيعية والروحية.
وفي هذا السياق، جاء قرار وزير الثقافة غسان سلامة بوقف الأعمال المخالفة للقوانين على كتف وادي قاديشا المقدّس، وفق الأصول، بحسب مكتب الوزير. وقد أُبلغت الجهات المعنية بمضمون القرار، وفي مقدّمها البطريركية المارونية ومحافظ الشمال، إضافة إلى الجهات الأمنية المختصة المولجة تنفيذ القرار واتخاذ ما يلزم لوقف الأعمال فورًا.
التنسيق مع وزارة الثقافة
وبحسب الآلية المتّبعة، يفترض بالمحافظة تبليغ الأجهزة الأمنية المعنية، ومنها آمر فصيلة بشري المخوّلة تنفيذ القرار على الأرض ووقف الأعمال في الموقع.
وفي سياق متّصل، تشير وزارة الثقافة إلى ضرورة التنسيق معها في جميع مراحل أي مشروع يتّصل بحديقة البطاركة أو بموقع وادي قاديشا، بدءاً من إعداد الدراسات والتصاميم، مروراً بمرحلة الترخيص والموافقات، وصولاً إلى التنفيذ والمتابعة.
كما تشدّد على ضرورة إبلاغها مسبقاً بأي أعمال أو مشاريع أو تدابير تتعلّق بحديقة البطاركة أو بأيّ جزء من موقع وادي قاديشا، بما يتيح للمديرية العامة للآثار اتخاذ التدابير اللازمة لضمان حماية الموقع وتراثه وقيمه الثقافية.
غير أن صلاحيات وزارة الثقافة تبقى محدودة في ما يتعلق بالتنفيذ الميداني. ويوضح مكتب الوزير أن “ليس بوسع الوزارة سوى الطلب إلى المالك إيقاف المشروع، والطلب من المحافظ اتخاذ التدابير الضرورية في هذا الخصوص، وإرسال الأجهزة الأمنية لتطبيق القرار”. وفي هذا الإطار، يشير إلى أن الوزارة تقدّمت بمشروع قانون لإنشاء نيابة عامة ثقافية، إلا أن المشروع لم يُناقش بعد في اللجان النيابية.
جدوى البحيرة وحظوظ صمودها
لا يزال سبب إنشاء البحيرة في حديقة البطاركة غامضًا، والأكثر إثارة للاستغراب إعلان الحديقة “حمى طبيعية”، من دون أن تتّضح المبرّرات البيئية التي استند إليها هذا الإعلان.
وفي حين يؤكد البعض أن البحيرة ستُستخدم لتخزين المياه وتأمين الري، يرى آخرون، أقل تفاؤلاً، أنها قد تشكّل مدخلاً للانقضاض على الوادي المقدّس بهدف رفع وصاية اليونسكو وفتح الباب أمام السياحة والاستثمار في المنطقة.
لكن، بعيداً من الغاية المفترضة من إنشائها، يبرز سؤال أكثر أساسية: هل يمكن أصلاً إنشاء بحيرة صناعية في هذه المنطقة تحديداً؟
في هذا الإطار، يشير الخبير الهيدروجيولوجي الدكتور المحاضر في الجامعة اللبنانية سمير زعاطيطي، المطلّع على طبيعة المنطقة والذي سبق أن كشف عليها في إطار دراسة لتحديد موقع حفر بئر، إلى أن “التخزين الجوفي” يُفضّل اعتماده كخيار أكثر أماناً من التخزين السطحي، كالبرك والمجمّعات المائية، نظراً إلى المخاطر التي قد يفرضها الأخير، ولا سيما لناحية التلوّث والتأثر المباشر بالهزات والنشاط الزلزالي.
ويشرح زعاطيطي، في حديث إلى “المدن”، أن هذه السلسلة الجبلية المرتفعة تضم نسبة كبيرة من الكسور الأرضية الناتجة عن النشاط الزلزالي، نظراً إلى قربها من فالق اليمونة ومن الخط الأساسي للكسور الفرعية.
مدى ملاءمة البحيرة جيولوجياً وبيئياً
ويضيف أن التربة في المناطق المرتفعة تكون، في كثير من الأحيان، رملية ـ صلصالية؛ إذ تتشرّب المياه خلال فصل الشتاء، وتتحوّل إلى بيئة طينية قابلة للانزلاق، “ما يشكّل خطراً على ثبات الصخور والطبقات الأرضية تحت أي بركة صناعية“.
ومع ذلك، يرى زعاطيطي أن المعطيات المتوافرة لا تزال غير كافية للحكم بصورة نهائية على جدوى البحيرة، لا سيما أن سعتها وحجمها غير معلومين، ولا نعلم ما هي الدراسات التي نُفّذت قبل البدء بالحفر“.
وبذلك، لا تبدو المسألة محصورة في جدوى إنشاء البحيرة من الناحية المائية فحسب، بل تشمل أيضاً مدى ملاءمة موقعها جيولوجياً وبيئياً، وما إذا كانت الدراسات الفنية والبيئية اللازمة قد أُنجزت قبل المباشرة بالأعمال.
ورغم الاعتراضات البيئية والقانونية، تستمر الأعمال في مشروع “بحيرة البطريرك الراعي”، اذ لا عائق ميدانياً يحول دون استمرارها حتى الآن. وفي ظلّ قرار وزارة الثقافة المطالب بوقف الأعمال وإحالة المشروع إلى المديرية العامة للآثار، تبقى الكلمة التنفيذية الفصل لدى المحافظة. فهل تستجيب محافظة الشمال لطلب وزارة الثقافة، وتوقف الأعمال إلى حين استكمال الدراسات والموافقات المطلوبة، أم يبقى القرار ضائعاً بين ملفاتها؟
“الثقافة” تطلب وقف أعمال “بحيرة الراعي”: أنقذوا وادي قاديشا

لم تَدُم فرحة المعترضين على مشروع إنشاء “بحيرة البطريرك الراعي” طويلاً، إذ عادت الأعمال في الموقع، رغم الاعتراضات المتكرّرة وتصدّي الأهالي والناشطين لها ميدانياً. وفوجئ المعترضون بأن جهودهم لم تُفضِ إلى وقف المشروع، رغم أن وزارة الثقافة لم تتأخر في الاستجابة لمطالبهم. فقد وجّهت الوزارة، استنادًا إلى تقرير المديرية العامة للآثار الرقم 3368، تاريخ 31 آب 2026، كتاباً واضحاً إلى محافظة الشمال، طلبت فيه الإيعاز إلى من يلزم بـ”إيقاف أية أعمال فوراً”، وعرض المشروع على المديرية العامة للآثار لدراسته وإبداء الرأي في مدى توافقه مع معايير إدراج الموقع على لائحة التراث.
محافظة الشمال تخفي المراسلة؟
الناشطون في المنطقة اتهموا محافظة الشمال بإخفاء كتاب وزارة الثقافة. وتهربت المصادر في المحافظة من الإجابة عن أسئلة “المدن”، متذرعة بعدم معاينة البريد للتأكد من وصول المراسلة. ثم استقصت “المدن” عن المراسلة الضائعة، وتمكّنت من الحصول على نسخة من الكتاب الموجّه من وزير الثقافة إلى محافظة الشمال، والمتعلق بمشروع البحيرة في الديمان. هذا فضلاً عن أن مكتب وزير الثقافة غسان سلامة أكد لـ”المدن” أن المراسلة سُلّمت باليد إلى قلم المحافظة في الأول من أيلول 2026، وسُجّلت تحت الرقم 1375. وحيال هذه البلبلة، تذرعت مصادر في محافظة الشمال أنها تسلمت المراسلة قبل ثلاثة أيام، وأنها ستبلغ الإدارات المعنية لمتابعة الموضوع.
تطرح هذه الواقعة علامات استفهام حول مصير كتاب وزارة الثقافة: هل وُضع عمداً في أدراج المحافظة إلى حين افتتاح البحيرة، تفادياً لإحراج البطريركية، لا سيما أن المشروع يحمل اسم البطريرك الراعي؟
وبعدما تأكد تسلّم المحافظة كتاب وزير الثقافة، تتجّه الأنظار الآن إلى الإجراءات التي ستتّخذها، لا سيما في ظلّ توجه ناشطين بيئيين، خلال الأيام المقبلة، إلى تقديم شكوى إلى وزير الداخلية بشأن ما يعتبرونه “إهمالًا مقصودًا” في التعامل مع هذا الملف.
وادي قاديشا المحرَّم
أدرجت اليونسكو وادي قاديشا المقدّس على قائمة التراث العالمي، استنادًا إلى قيمته الثقافية والطبيعية والروحية، وإلى تكامل المشهد الذي يشكّل عنصرًا أساسيًا من عناصر قيمته العالمية الاستثنائية.
وانطلاقًا من ذلك، تؤكّد وزارة الثقافة أن جميع المشاريع والأعمال والتدخلات المقترحة ضمن حديقة البطاركة، أو في أي جزء من الوادي المقدّس، والتي من شأنها التأثير في طبيعته أو مشهده أو قيمه، يجب أن تخضع مسبقًا للدراسات والتقييمات اللازمة، بما في ذلك تقييم الأثر على التراث وتقييم الأثر البيئي. ويهدف ذلك إلى التأكد من عدم تأثير هذه المشاريع سلباً في القيمة العالمية الاستثنائية للموقع، أو في عناصره الثقافية والطبيعية والروحية.
وفي هذا السياق، جاء قرار وزير الثقافة غسان سلامة بوقف الأعمال المخالفة للقوانين على كتف وادي قاديشا المقدّس، وفق الأصول، بحسب مكتب الوزير. وقد أُبلغت الجهات المعنية بمضمون القرار، وفي مقدّمها البطريركية المارونية ومحافظ الشمال، إضافة إلى الجهات الأمنية المختصة المولجة تنفيذ القرار واتخاذ ما يلزم لوقف الأعمال فورًا.
التنسيق مع وزارة الثقافة
وبحسب الآلية المتّبعة، يفترض بالمحافظة تبليغ الأجهزة الأمنية المعنية، ومنها آمر فصيلة بشري المخوّلة تنفيذ القرار على الأرض ووقف الأعمال في الموقع.
وفي سياق متّصل، تشير وزارة الثقافة إلى ضرورة التنسيق معها في جميع مراحل أي مشروع يتّصل بحديقة البطاركة أو بموقع وادي قاديشا، بدءاً من إعداد الدراسات والتصاميم، مروراً بمرحلة الترخيص والموافقات، وصولاً إلى التنفيذ والمتابعة.
كما تشدّد على ضرورة إبلاغها مسبقاً بأي أعمال أو مشاريع أو تدابير تتعلّق بحديقة البطاركة أو بأيّ جزء من موقع وادي قاديشا، بما يتيح للمديرية العامة للآثار اتخاذ التدابير اللازمة لضمان حماية الموقع وتراثه وقيمه الثقافية.
غير أن صلاحيات وزارة الثقافة تبقى محدودة في ما يتعلق بالتنفيذ الميداني. ويوضح مكتب الوزير أن “ليس بوسع الوزارة سوى الطلب إلى المالك إيقاف المشروع، والطلب من المحافظ اتخاذ التدابير الضرورية في هذا الخصوص، وإرسال الأجهزة الأمنية لتطبيق القرار”. وفي هذا الإطار، يشير إلى أن الوزارة تقدّمت بمشروع قانون لإنشاء نيابة عامة ثقافية، إلا أن المشروع لم يُناقش بعد في اللجان النيابية.
جدوى البحيرة وحظوظ صمودها
لا يزال سبب إنشاء البحيرة في حديقة البطاركة غامضًا، والأكثر إثارة للاستغراب إعلان الحديقة “حمى طبيعية”، من دون أن تتّضح المبرّرات البيئية التي استند إليها هذا الإعلان.
وفي حين يؤكد البعض أن البحيرة ستُستخدم لتخزين المياه وتأمين الري، يرى آخرون، أقل تفاؤلاً، أنها قد تشكّل مدخلاً للانقضاض على الوادي المقدّس بهدف رفع وصاية اليونسكو وفتح الباب أمام السياحة والاستثمار في المنطقة.
لكن، بعيداً من الغاية المفترضة من إنشائها، يبرز سؤال أكثر أساسية: هل يمكن أصلاً إنشاء بحيرة صناعية في هذه المنطقة تحديداً؟
في هذا الإطار، يشير الخبير الهيدروجيولوجي الدكتور المحاضر في الجامعة اللبنانية سمير زعاطيطي، المطلّع على طبيعة المنطقة والذي سبق أن كشف عليها في إطار دراسة لتحديد موقع حفر بئر، إلى أن “التخزين الجوفي” يُفضّل اعتماده كخيار أكثر أماناً من التخزين السطحي، كالبرك والمجمّعات المائية، نظراً إلى المخاطر التي قد يفرضها الأخير، ولا سيما لناحية التلوّث والتأثر المباشر بالهزات والنشاط الزلزالي.
ويشرح زعاطيطي، في حديث إلى “المدن”، أن هذه السلسلة الجبلية المرتفعة تضم نسبة كبيرة من الكسور الأرضية الناتجة عن النشاط الزلزالي، نظراً إلى قربها من فالق اليمونة ومن الخط الأساسي للكسور الفرعية.
مدى ملاءمة البحيرة جيولوجياً وبيئياً
ويضيف أن التربة في المناطق المرتفعة تكون، في كثير من الأحيان، رملية ـ صلصالية؛ إذ تتشرّب المياه خلال فصل الشتاء، وتتحوّل إلى بيئة طينية قابلة للانزلاق، “ما يشكّل خطراً على ثبات الصخور والطبقات الأرضية تحت أي بركة صناعية“.
ومع ذلك، يرى زعاطيطي أن المعطيات المتوافرة لا تزال غير كافية للحكم بصورة نهائية على جدوى البحيرة، لا سيما أن سعتها وحجمها غير معلومين، ولا نعلم ما هي الدراسات التي نُفّذت قبل البدء بالحفر“.
وبذلك، لا تبدو المسألة محصورة في جدوى إنشاء البحيرة من الناحية المائية فحسب، بل تشمل أيضاً مدى ملاءمة موقعها جيولوجياً وبيئياً، وما إذا كانت الدراسات الفنية والبيئية اللازمة قد أُنجزت قبل المباشرة بالأعمال.
ورغم الاعتراضات البيئية والقانونية، تستمر الأعمال في مشروع “بحيرة البطريرك الراعي”، اذ لا عائق ميدانياً يحول دون استمرارها حتى الآن. وفي ظلّ قرار وزارة الثقافة المطالب بوقف الأعمال وإحالة المشروع إلى المديرية العامة للآثار، تبقى الكلمة التنفيذية الفصل لدى المحافظة. فهل تستجيب محافظة الشمال لطلب وزارة الثقافة، وتوقف الأعمال إلى حين استكمال الدراسات والموافقات المطلوبة، أم يبقى القرار ضائعاً بين ملفاتها؟









