آثار في منازل اللبنانيين… وزارة الثقافة تختبر “حسن نية” المواطنين ام تعجز عن ملاحقة تلك القطع ووضع اليد عليها؟

اذا كانت الآثار ملك الدولة، فلمَ لا تُصادر من منازل يتباهى اصحابها باقتنائها ومن مؤسسات خاصة تعرضها عند مداخلها؟ هنا تكمن المسألة الأساسية.
في بلدٍ تختزن أرضه آثار حضارات تعاقبت على مرّ آلاف السنين، ليس غريباً أن تختبئ قطعة أثرية في منزل لبناني، أو أن تُتوارث أخرى من جيل إلى جيل.
وبينما كان يمكن سابقاً بيع الممتلكات الأثرية وفق الأطر القانونية المعمول بها آنذاك، أعادت وزارة الثقافة تذكير المواطنين، في بيان، بصدور المرسوم الرقم 198/2025 الذي مدّد العمل بمندرجات المرسوم الرقم 3065/2016 المتعلق بتنظيم الجرد العام للآثار القديمة المنقولة العائدة إلى الأشخاص. وبموجب المرسوم الجديد، أمام حائزي القطع الأثرية مهلة ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد، للمبادرة إلى تسجيل مقتنياتهم لدى المديرية العامة للآثار.
لكن خلف هذا الإعلان تساؤلات عدّة: من يملك قطعاً أثرية؟ هل هم من أصحاب النفوذ؟ ولمَ لا تصادر الدولة هذه القطع ما دامت الآثار ملكاً لها؟
بحسب المدير العام للآثار سركيس خوري، لا ترتبط حيازة هذه القطع بالضرورة بالنفوذ أو السلطة، بل تعود إلى ظروف تاريخية وتشريعية مختلفة. ويشرح لـ”النهار” أن جزءاً من هذه المقتنيات يرقى إلى حِقَب كان خلالها العثور على الآثار داخل الأراضي والعقارات الخاصة أمراً وارداً وطبيعياً.
ففي الخمسينيات وحتى قبل ذلك، كان مواطنون يعثرون على قطع أثرية في أثناء أعمال البناء أو الزراعة في عقاراتهم. وبمرور السنوات، انتقلت بعض هذه القطع من الأجداد إلى الأبناء ثم الأحفاد، من دون أن تكون بالضرورة نتيجة اعتداء على موقع أثري أو عملية سرقة.
أما الفئة الأخرى، فتعود إلى مرحلة ما قبل عام 1990. في ذلك الوقت، لم تكن تجارة الآثار محظورة كما هي اليوم، وكانت متاجر “الأنتيكا” المرخّصة من وزارة الثقافة تبيع قطعاً أثرية بصورة قانونية. وبالتالي، كان يمكن الأشخاص الذين يملكون القدرة الشرائية شراء قطع أثرية وفق الأصول، والاحتفاظ بها في منازلهم.
الآثار ملكاً للدولة
إذا كانت الآثار ملك الدولة، فلمَ لا تُصادر؟ هنا تكمن المسألة الأساسية. وفق خوري، تعتبر التشريعات اللبنانية والاتفاقيات الدولية الآثار ملكاً للدولة أينما وجدت، لكن المرسوم 3065/2016 لا يهدف إلى إعطاء الأشخاص ملكية مطلقة للقطع، بل إلى تنظيم حيازتها.
بمعنى آخر، لا يعطي التسجيل المواطن حق التصرّف المطلق بالقطعة، فلا يمكنه بيعها أو نقلها أو إتلافها، في حين تستطيع المديرية العامة للآثار الكشف عليها ومراقبة حالتها وصيانتها.
كذلك تحتفظ الدولة بحق استرداد القطعة في أي وقت إذا ظهرت أدلة تثبت أنها مسروقة من موقع أثري أو أنها خرجت بصورة غير شرعية من دولة أخرى.
مهلة لتسوية الماضي
يقول خوري: “بادر حتى الآن عشرات المواطنين إلى تسجيل القطع الأثرية الموجودة في حيازتهم”، إلا أن هذا الرقم لا يسمح بتكوين فكرة واضحة عن حجم الظاهرة، إذ لا يمكن معرفة عدد القطع الموجودة أصلاً داخل المنازل، أو عدد الأشخاص الذين يحتفظون بمقتنيات أثرية ولم يبادروا إلى التصريح عنها.
ويحذّر خوري من أن عدم التصريح قد يسقط عن الحائز غطاء “حسن النية”، ويعرّضه للملاحقة القانونية والمصادرة.
ويأتي تمديد المهلة، وفق خوري، في ظل ظروف استثنائية يعيشها لبنان، من جائحة كورونا إلى الأزمات المتلاحقة، لإتاحة فرصة أمام الحائزين من أجل تسوية أوضاع مقتنياتهم.
لكن هذا الطرح يفتح في المقابل باباً مشروعاً للأسئلة: إذا كانت المديرية العامة للآثار لا تعرف أصلاً عدد القطع الأثرية الموجودة داخل المنازل، فكيف يمكن الدولة أن تتحقق من أن جميع الحائزين قد صرّحوا عن مقتنياتهم؟
في هذا السياق، يشير خوري إلى إن الأجهزة الأمنية والجمارك والقضاء سبق أن ضبطت في حالات عدة قطعاً مزيفة أو مسروقة أو مرتبطة بعمليات تهريب، وإن عدم التصريح يفقد الحائز غطاء “حسن النية”.
هكذا تبدو عملية الجرد محاولة ضرورية لحماية التراث اللبناني وتنظيم حيازة قطع توارثتها عائلات أو اقتنتها بصورة قانونية في مراحل سابقة. ولكن هل يكفي الاتّكال على حسن نية المواطنين ومبادرتهم الطوعية؟
آثار في منازل اللبنانيين… وزارة الثقافة تختبر “حسن نية” المواطنين ام تعجز عن ملاحقة تلك القطع ووضع اليد عليها؟

اذا كانت الآثار ملك الدولة، فلمَ لا تُصادر من منازل يتباهى اصحابها باقتنائها ومن مؤسسات خاصة تعرضها عند مداخلها؟ هنا تكمن المسألة الأساسية.
في بلدٍ تختزن أرضه آثار حضارات تعاقبت على مرّ آلاف السنين، ليس غريباً أن تختبئ قطعة أثرية في منزل لبناني، أو أن تُتوارث أخرى من جيل إلى جيل.
وبينما كان يمكن سابقاً بيع الممتلكات الأثرية وفق الأطر القانونية المعمول بها آنذاك، أعادت وزارة الثقافة تذكير المواطنين، في بيان، بصدور المرسوم الرقم 198/2025 الذي مدّد العمل بمندرجات المرسوم الرقم 3065/2016 المتعلق بتنظيم الجرد العام للآثار القديمة المنقولة العائدة إلى الأشخاص. وبموجب المرسوم الجديد، أمام حائزي القطع الأثرية مهلة ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد، للمبادرة إلى تسجيل مقتنياتهم لدى المديرية العامة للآثار.
لكن خلف هذا الإعلان تساؤلات عدّة: من يملك قطعاً أثرية؟ هل هم من أصحاب النفوذ؟ ولمَ لا تصادر الدولة هذه القطع ما دامت الآثار ملكاً لها؟
بحسب المدير العام للآثار سركيس خوري، لا ترتبط حيازة هذه القطع بالضرورة بالنفوذ أو السلطة، بل تعود إلى ظروف تاريخية وتشريعية مختلفة. ويشرح لـ”النهار” أن جزءاً من هذه المقتنيات يرقى إلى حِقَب كان خلالها العثور على الآثار داخل الأراضي والعقارات الخاصة أمراً وارداً وطبيعياً.
ففي الخمسينيات وحتى قبل ذلك، كان مواطنون يعثرون على قطع أثرية في أثناء أعمال البناء أو الزراعة في عقاراتهم. وبمرور السنوات، انتقلت بعض هذه القطع من الأجداد إلى الأبناء ثم الأحفاد، من دون أن تكون بالضرورة نتيجة اعتداء على موقع أثري أو عملية سرقة.
أما الفئة الأخرى، فتعود إلى مرحلة ما قبل عام 1990. في ذلك الوقت، لم تكن تجارة الآثار محظورة كما هي اليوم، وكانت متاجر “الأنتيكا” المرخّصة من وزارة الثقافة تبيع قطعاً أثرية بصورة قانونية. وبالتالي، كان يمكن الأشخاص الذين يملكون القدرة الشرائية شراء قطع أثرية وفق الأصول، والاحتفاظ بها في منازلهم.
الآثار ملكاً للدولة
إذا كانت الآثار ملك الدولة، فلمَ لا تُصادر؟ هنا تكمن المسألة الأساسية. وفق خوري، تعتبر التشريعات اللبنانية والاتفاقيات الدولية الآثار ملكاً للدولة أينما وجدت، لكن المرسوم 3065/2016 لا يهدف إلى إعطاء الأشخاص ملكية مطلقة للقطع، بل إلى تنظيم حيازتها.
بمعنى آخر، لا يعطي التسجيل المواطن حق التصرّف المطلق بالقطعة، فلا يمكنه بيعها أو نقلها أو إتلافها، في حين تستطيع المديرية العامة للآثار الكشف عليها ومراقبة حالتها وصيانتها.
كذلك تحتفظ الدولة بحق استرداد القطعة في أي وقت إذا ظهرت أدلة تثبت أنها مسروقة من موقع أثري أو أنها خرجت بصورة غير شرعية من دولة أخرى.
مهلة لتسوية الماضي
يقول خوري: “بادر حتى الآن عشرات المواطنين إلى تسجيل القطع الأثرية الموجودة في حيازتهم”، إلا أن هذا الرقم لا يسمح بتكوين فكرة واضحة عن حجم الظاهرة، إذ لا يمكن معرفة عدد القطع الموجودة أصلاً داخل المنازل، أو عدد الأشخاص الذين يحتفظون بمقتنيات أثرية ولم يبادروا إلى التصريح عنها.
ويحذّر خوري من أن عدم التصريح قد يسقط عن الحائز غطاء “حسن النية”، ويعرّضه للملاحقة القانونية والمصادرة.
ويأتي تمديد المهلة، وفق خوري، في ظل ظروف استثنائية يعيشها لبنان، من جائحة كورونا إلى الأزمات المتلاحقة، لإتاحة فرصة أمام الحائزين من أجل تسوية أوضاع مقتنياتهم.
لكن هذا الطرح يفتح في المقابل باباً مشروعاً للأسئلة: إذا كانت المديرية العامة للآثار لا تعرف أصلاً عدد القطع الأثرية الموجودة داخل المنازل، فكيف يمكن الدولة أن تتحقق من أن جميع الحائزين قد صرّحوا عن مقتنياتهم؟
في هذا السياق، يشير خوري إلى إن الأجهزة الأمنية والجمارك والقضاء سبق أن ضبطت في حالات عدة قطعاً مزيفة أو مسروقة أو مرتبطة بعمليات تهريب، وإن عدم التصريح يفقد الحائز غطاء “حسن النية”.
هكذا تبدو عملية الجرد محاولة ضرورية لحماية التراث اللبناني وتنظيم حيازة قطع توارثتها عائلات أو اقتنتها بصورة قانونية في مراحل سابقة. ولكن هل يكفي الاتّكال على حسن نية المواطنين ومبادرتهم الطوعية؟









