صفقة الرؤوس الأميركية الخارقة: زمن السلاح انتهى

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
17 أيلول 2026

بات واضحاً أنّ هناك توافقاً عربياً وإقليمياً ودولياً على أنّ زمن السلاح قد انتهى تماماً في لبنان، توازياً مع أفول نجم طهران كمحور توسعي في الإقليم. فالهدف واضح بين مختلف القوى المعنية والفاعلة حول هذا الهدف، وإن كانت هناك تباينات في التكتيك

تكشف الاستراتيجية الأميركية نمطاً مزدوجاً بالغ الدقة والتعقيد في ما يتعلق بلبنان وإسرائيل، وهي ​تتجسد حالياً في مسارين متوازيين:

المسار الأول يتمثل بالضغط الديبلوماسي “الناعم”، وحركة السفير الأميركي ميشال عيسى في اتجاه القوى الشعبية الشيعية بين بيروت وبعض بلدات الجنوب، كرسالة سياسية واضحة مفادها أنّ واشنطن في مقابل سعيها إلى ضبط اندفاعة إسرائيل، تحرص على تغيير الوقائع داخل البيئة الشيعية، والبيئة الحاضنة لـ”حزب الله” تحديداً. فلا إعادة إعمار ولا استقرار مستداماً في لبنان، من دون تكريس حصرية السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني.

المسار الثاني، الموازي، يتمثل بمحاولة الإدارة الأميركية إثبات دعمها لإسرائيل لوجستياً، من خلال صفقة الأسلحة الضخمة بقيمة 2.8 مليار دولار، والتي تتضمن رؤوساً حربية خارقة للتحصينات من طراز آي-2000 وقنابل ثقيلة، لتعكس الرؤية الأميركية التي تختصر بتزويد إسرائيل أدوات كفيلة باجتثاث منشآت “حزب الله” الحصينة فوق الأرض وتحتها، كما حدث في مرتفعات علي الطاهر. وهذا الدعم التسليحي المكشوف لإسرائيل، في توقيت واضح، لا ينفصل عن الرغبة الأميركية في تمكين إسرائيل من تحقيق تفوق ناري وعملياتي سيتكفل بفرض واقع عسكري يُجبر “الحزب” على تقديم تنازلات جوهرية. ولذلك، تُواصل إسرائيل توسيع “الخط الأصفر” والحزام الأمني، وتنهي أي وجود لـ”الحزب” فيه، من دون اعتراض أميركي مباشر.

في الموازاة، تستعجل واشنطن قطف الثمار دبلوماسياً، من خلال إبقاء الشكليات التفاوضية قائمة. وهذا ما ترجمته بالجلسة الأخيرة بين سفيري لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة، بحضور نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي جاي منس. فالأميركيون يدركون أن لا مجال لتحقيق اختراق ناضج في المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية في مدى قريب، وأن لا اتفاقات جديدة منتظرة فعلاً قبل الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول المقبل. لكن الهدف الأميركي في الوقت الضائع، مع تأجيل المفاوضات حتى الشهر المقبل، هو توفير مظلة تمنع الإعلان الرسمي عن فشل مسار التفاوض. ولكن، في الانتظار، تواصل واشنطن منح إسرائيل هامشاً كافياً لإنهاء ملف السلاح في لبنان، بناء على منطوق “الاتفاق الإطاري” الذي وقعه الأطراف المعنيون، والذي يسمح لإسرائيل بتنفيذ الضربات البنيوية وتفكيك مواقع “حزب الله”. لكن واشنطن تحاذر حصول اجتياح بري واسع، يشمل المدن الكبرى، كالنبطية، لتجنب نسف الاستقرار وعرقلة مناخات التفاوض.

الخلاصة الأساسية التي يتوافق عليها الأميركيون والإسرائيليون هي أنّ النزع التام للسلاح دخل المشهد بوصفه حجر الزاوية في الحراك الميداني والسياسي المقبل. فإسرائيل تعتبر أنّ أي انسحاب أو تراجع ميداني سيكون مرهوناً بإفراغ جنوب الليطاني وشماله من السلاح، وهي في ذلك تحظى بتغطية واضحة من واشنطن. ومن هنا، على “حزب الله” أن يدرك تماماً مغزى صفقة الرؤوس الأميركية الخارقة التي ستمنح لإسرائيل.

بات واضحاً أنّ هناك توافقاً عربياً وإقليمياً ودولياً على أنّ زمن السلاح قد انتهى تماماً في لبنان، توازياً مع أفول نجم طهران كمحور توسعي في الإقليم. فالهدف واضح بين مختلف القوى المعنية والفاعلة حول هذا الهدف، وإن كانت هناك تباينات في التكتيك. وفيما تمنح واشنطن دعمها للجيش اللبناني كمظلة لا بد منها، كي يملأ فراغ “حزب الله”، ​فإنها تخوض لعبة توزيع أدوار، تتلخص بتأمين غطاء عسكري وناري استراتيجي لإسرائيل، بهدف تفكيك منظومات “حزب الله” تحت الأرض وفوقها. ​وإذا لم يبادر “الحزب” إلى خطوة سريعة خارقة، تتمثل بتسليم الدولة سلاحه وقراره العسكري بالكامل، فإنّ اتجاه التطورات سيكون محسوماً، إذ ستواصل إسرائيل توسيع حزامها الأمني، فيما سيبقى لبنان يتخبط في لعبة تناقضات داخلية حول السلاح، إلى ما لا نهاية.

صفقة الرؤوس الأميركية الخارقة: زمن السلاح انتهى

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
17 أيلول 2026

بات واضحاً أنّ هناك توافقاً عربياً وإقليمياً ودولياً على أنّ زمن السلاح قد انتهى تماماً في لبنان، توازياً مع أفول نجم طهران كمحور توسعي في الإقليم. فالهدف واضح بين مختلف القوى المعنية والفاعلة حول هذا الهدف، وإن كانت هناك تباينات في التكتيك

تكشف الاستراتيجية الأميركية نمطاً مزدوجاً بالغ الدقة والتعقيد في ما يتعلق بلبنان وإسرائيل، وهي ​تتجسد حالياً في مسارين متوازيين:

المسار الأول يتمثل بالضغط الديبلوماسي “الناعم”، وحركة السفير الأميركي ميشال عيسى في اتجاه القوى الشعبية الشيعية بين بيروت وبعض بلدات الجنوب، كرسالة سياسية واضحة مفادها أنّ واشنطن في مقابل سعيها إلى ضبط اندفاعة إسرائيل، تحرص على تغيير الوقائع داخل البيئة الشيعية، والبيئة الحاضنة لـ”حزب الله” تحديداً. فلا إعادة إعمار ولا استقرار مستداماً في لبنان، من دون تكريس حصرية السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني.

المسار الثاني، الموازي، يتمثل بمحاولة الإدارة الأميركية إثبات دعمها لإسرائيل لوجستياً، من خلال صفقة الأسلحة الضخمة بقيمة 2.8 مليار دولار، والتي تتضمن رؤوساً حربية خارقة للتحصينات من طراز آي-2000 وقنابل ثقيلة، لتعكس الرؤية الأميركية التي تختصر بتزويد إسرائيل أدوات كفيلة باجتثاث منشآت “حزب الله” الحصينة فوق الأرض وتحتها، كما حدث في مرتفعات علي الطاهر. وهذا الدعم التسليحي المكشوف لإسرائيل، في توقيت واضح، لا ينفصل عن الرغبة الأميركية في تمكين إسرائيل من تحقيق تفوق ناري وعملياتي سيتكفل بفرض واقع عسكري يُجبر “الحزب” على تقديم تنازلات جوهرية. ولذلك، تُواصل إسرائيل توسيع “الخط الأصفر” والحزام الأمني، وتنهي أي وجود لـ”الحزب” فيه، من دون اعتراض أميركي مباشر.

في الموازاة، تستعجل واشنطن قطف الثمار دبلوماسياً، من خلال إبقاء الشكليات التفاوضية قائمة. وهذا ما ترجمته بالجلسة الأخيرة بين سفيري لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة، بحضور نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي جاي منس. فالأميركيون يدركون أن لا مجال لتحقيق اختراق ناضج في المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية في مدى قريب، وأن لا اتفاقات جديدة منتظرة فعلاً قبل الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول المقبل. لكن الهدف الأميركي في الوقت الضائع، مع تأجيل المفاوضات حتى الشهر المقبل، هو توفير مظلة تمنع الإعلان الرسمي عن فشل مسار التفاوض. ولكن، في الانتظار، تواصل واشنطن منح إسرائيل هامشاً كافياً لإنهاء ملف السلاح في لبنان، بناء على منطوق “الاتفاق الإطاري” الذي وقعه الأطراف المعنيون، والذي يسمح لإسرائيل بتنفيذ الضربات البنيوية وتفكيك مواقع “حزب الله”. لكن واشنطن تحاذر حصول اجتياح بري واسع، يشمل المدن الكبرى، كالنبطية، لتجنب نسف الاستقرار وعرقلة مناخات التفاوض.

الخلاصة الأساسية التي يتوافق عليها الأميركيون والإسرائيليون هي أنّ النزع التام للسلاح دخل المشهد بوصفه حجر الزاوية في الحراك الميداني والسياسي المقبل. فإسرائيل تعتبر أنّ أي انسحاب أو تراجع ميداني سيكون مرهوناً بإفراغ جنوب الليطاني وشماله من السلاح، وهي في ذلك تحظى بتغطية واضحة من واشنطن. ومن هنا، على “حزب الله” أن يدرك تماماً مغزى صفقة الرؤوس الأميركية الخارقة التي ستمنح لإسرائيل.

بات واضحاً أنّ هناك توافقاً عربياً وإقليمياً ودولياً على أنّ زمن السلاح قد انتهى تماماً في لبنان، توازياً مع أفول نجم طهران كمحور توسعي في الإقليم. فالهدف واضح بين مختلف القوى المعنية والفاعلة حول هذا الهدف، وإن كانت هناك تباينات في التكتيك. وفيما تمنح واشنطن دعمها للجيش اللبناني كمظلة لا بد منها، كي يملأ فراغ “حزب الله”، ​فإنها تخوض لعبة توزيع أدوار، تتلخص بتأمين غطاء عسكري وناري استراتيجي لإسرائيل، بهدف تفكيك منظومات “حزب الله” تحت الأرض وفوقها. ​وإذا لم يبادر “الحزب” إلى خطوة سريعة خارقة، تتمثل بتسليم الدولة سلاحه وقراره العسكري بالكامل، فإنّ اتجاه التطورات سيكون محسوماً، إذ ستواصل إسرائيل توسيع حزامها الأمني، فيما سيبقى لبنان يتخبط في لعبة تناقضات داخلية حول السلاح، إلى ما لا نهاية.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار