خاص- الجيش: من زيارة السفير لزوطر إلى مؤتمر باريس

يعمل الجيش اللبناني بين نارين: الحذر من الوقوع في المحظور الفتنوي، ووجوب تنفيذ قرارات الحكومة في ما خصّ حصريّة السلاح بيد القوى الشرعية. هو يحتاج إلى تجهيزات ومعدّات ودعم مالي كي يتمكّن من القيام بمهامّه في بسط سلطة الدولة، وفي الوقت عينه لا تقدِم الولايات المتّحدة، داعمته الأولى، على إمداداه بما يحتاج إليه بسبب عدم ثقتها بأنّه سيقوم بدوره ولن يتردّد في سحب السلاح لأسباب سياسية أكثر منها لوجستية.
فعلاقة واشنطن بالجيش اللبناني تتّسم بمعادلة دقيقة تُعرف بـ “الدعم المقيد” أو “الحفاظ على التوازن الجيوسياسي”. وتقوم الرؤية الأمريكية على أن الجيش اللبناني هو المؤسسة الشرعية الوحيدة الضامنة للاستقرار والمنافس الاستراتيجي الأبرز لنفوذ حزب الله، وبالتالي لا يمكن إهماله؛ وفي الوقت نفسه، تحظر واشنطن تزويده بأسلحة كاسرة للتوازن أو هجومية متطورة لخوفها من وقوعها في يد “حزب الله”، وحرصاً على التفوق العسكري الإسرائيلي.
وفي السنوات الأخيرة، مرّت العلاقة بين الجيش والإدارة الأميركية بمراحل من المدّ والجزر. ولطالما مورست ضغوطات من داخل الكونغرس لوقف المساعدات للجيش اللبناني بحجّة تنسيقه مع “الحزب”. ولكن الإدارة الأميركية كانت تحرص دائماً على إبقاء خطّ المساعدات “المحدودة” مفتوحاً، حتّى أنّها قامت خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة بتقديم دعم مالي ورواتب شهرية للعسكريين.
واليوم، أصبح دور الجيش محوريّاً في مهمّة حصر السلاح. فهو الجهة المخوّلة القيام بذلك، ولكنّها لا تقدِم خوفاً من وقوع فتنة داخلية. ومن هنا، باتت المساعدات المطلوبة للجيش من أجل القيام بمهامّه مرتبطة بمدى قدرته على التنفيذ وبالخطوات العملية التي يقوم بها في هذا المجال.
وفي خلال الزيارة الأخيرة لقائد الجيش رودولف هيكل لواشنطن، والتي أعقبت إلغاء موعد كان محدداً قبل ذلك، سلّمت واشنطن هيكل شروطاً محدّدة من أجل إعطاء الضوء الأخضر لصرف مساعدات وعمليّات تسليح. ولكن الجيش حاول إظهار تجاوب، فقام بالانتشار في زوطر الغربية وفرون وصريفا التي انسحبت منها القوّات الإسرائيلية كمناطق تجريبية. لكن إسرائيل شكّكت بقيام الجيش بتفتيش المنطقة ومنع “الحزب” من التحرّك فيها، وأعلنت أنّه لن تكون هناك انسحابات جديدة.
حتّى أنّ زيارة رئيس الجمهورية جوزف عون للبيت الأبيض، والتي اتّسمت بلقاء إيجابي مع الرئيس دونالد ترامب، لم تسفر عمليّاً عن الإفراج عن المساعدات المطلوبة، على أساس أن الإدارة الأميركية تريد خطوات عملية لم تحصل حتّى الآن.
ومع أنّ باريس تمكّنت أمس من عقد مؤتمر تحضيري لمؤتمر دعم الجيش، إلّا أنّ أي ترجمة عمليّة للنتائج، بمعنى السماح بمنح الجيش المساعدات التي يحتاج إليها، تبقى محكومة بالسقف الأميركي، الذي يشدّد على أولويّة تنفيذ قرار حصر السلاح وبسط سلطة الدولة والإمساك بالمعابر الحدودية الشرعية وغير الشرعية.
لذلك اقتصر المؤتمر على مباحثات عسكرية وتحضير الأرضية، ولم يشهد الإعلان عن أي مساعدات ومنح، كما لم يحدَّد موعد للمؤتمر الأساسي الذي تنوي باريس تنظيمه. فهذا يحتاج إلى ضوء أخضر أميركي لم يُعطَ بعد. وقد أكّد المسؤول الأميركي السابق ديفيد شينكر أنّ “المشكلة الأساسية للجيش اللبناني لم تكن يوماً في نقص الموارد، بل في نقص الإرادة السياسية لمواجهة سلاح حزب الله”.وهذا يعني أنّ المساعدات الأمريكية الواسعة باتت مرهونة بجدول زمني واضح لتفكيك البنية العسكرية لـ “الحزب”.
ولكن، على رغم ذلك، تبقى واشنطن حريصة على دور الجيش الذي لا بديل منه في تطبيق الاتفاق الإطار في مرحلة لاحقة، ولو كان بالاستعانة بقوة دولية جديدة تحلّ محلّ قوات اليونيفيل التي تنهي انتدابها قريباً.
وقد حرص السفير الأميركي ميشال عيسى على القيام بزيارة اتّسمت بأهمّية قصوى لزوطر الغربية، بعد إعلان إسرائيل تشكيكها بدور الجيش. فالسفير يريد التشديد على أن لا بديل من الجيش، ويسعى إلى إعطائه فرصة جديدة لإثبات قدرته على القيام بدوره. لذا أراد أن تكون زوطر التي دخلها الجيش ضمن المناطق التجريبية هي محطّة زيارته.
معضلة تسليح الجيش تبقى بلا حلّ، إلّا إذا حصل تغيير كبير وتمكّن المؤسّسة العسكرية اللبنانية من تجاوز المحاذير الداخلية لإثبات قدرتها على الإمساك بالأرض، أو إذا حصلت تطوّرات إقليمية بدّلت المشهد تماماً.
خاص- الجيش: من زيارة السفير لزوطر إلى مؤتمر باريس

يعمل الجيش اللبناني بين نارين: الحذر من الوقوع في المحظور الفتنوي، ووجوب تنفيذ قرارات الحكومة في ما خصّ حصريّة السلاح بيد القوى الشرعية. هو يحتاج إلى تجهيزات ومعدّات ودعم مالي كي يتمكّن من القيام بمهامّه في بسط سلطة الدولة، وفي الوقت عينه لا تقدِم الولايات المتّحدة، داعمته الأولى، على إمداداه بما يحتاج إليه بسبب عدم ثقتها بأنّه سيقوم بدوره ولن يتردّد في سحب السلاح لأسباب سياسية أكثر منها لوجستية.
فعلاقة واشنطن بالجيش اللبناني تتّسم بمعادلة دقيقة تُعرف بـ “الدعم المقيد” أو “الحفاظ على التوازن الجيوسياسي”. وتقوم الرؤية الأمريكية على أن الجيش اللبناني هو المؤسسة الشرعية الوحيدة الضامنة للاستقرار والمنافس الاستراتيجي الأبرز لنفوذ حزب الله، وبالتالي لا يمكن إهماله؛ وفي الوقت نفسه، تحظر واشنطن تزويده بأسلحة كاسرة للتوازن أو هجومية متطورة لخوفها من وقوعها في يد “حزب الله”، وحرصاً على التفوق العسكري الإسرائيلي.
وفي السنوات الأخيرة، مرّت العلاقة بين الجيش والإدارة الأميركية بمراحل من المدّ والجزر. ولطالما مورست ضغوطات من داخل الكونغرس لوقف المساعدات للجيش اللبناني بحجّة تنسيقه مع “الحزب”. ولكن الإدارة الأميركية كانت تحرص دائماً على إبقاء خطّ المساعدات “المحدودة” مفتوحاً، حتّى أنّها قامت خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة بتقديم دعم مالي ورواتب شهرية للعسكريين.
واليوم، أصبح دور الجيش محوريّاً في مهمّة حصر السلاح. فهو الجهة المخوّلة القيام بذلك، ولكنّها لا تقدِم خوفاً من وقوع فتنة داخلية. ومن هنا، باتت المساعدات المطلوبة للجيش من أجل القيام بمهامّه مرتبطة بمدى قدرته على التنفيذ وبالخطوات العملية التي يقوم بها في هذا المجال.
وفي خلال الزيارة الأخيرة لقائد الجيش رودولف هيكل لواشنطن، والتي أعقبت إلغاء موعد كان محدداً قبل ذلك، سلّمت واشنطن هيكل شروطاً محدّدة من أجل إعطاء الضوء الأخضر لصرف مساعدات وعمليّات تسليح. ولكن الجيش حاول إظهار تجاوب، فقام بالانتشار في زوطر الغربية وفرون وصريفا التي انسحبت منها القوّات الإسرائيلية كمناطق تجريبية. لكن إسرائيل شكّكت بقيام الجيش بتفتيش المنطقة ومنع “الحزب” من التحرّك فيها، وأعلنت أنّه لن تكون هناك انسحابات جديدة.
حتّى أنّ زيارة رئيس الجمهورية جوزف عون للبيت الأبيض، والتي اتّسمت بلقاء إيجابي مع الرئيس دونالد ترامب، لم تسفر عمليّاً عن الإفراج عن المساعدات المطلوبة، على أساس أن الإدارة الأميركية تريد خطوات عملية لم تحصل حتّى الآن.
ومع أنّ باريس تمكّنت أمس من عقد مؤتمر تحضيري لمؤتمر دعم الجيش، إلّا أنّ أي ترجمة عمليّة للنتائج، بمعنى السماح بمنح الجيش المساعدات التي يحتاج إليها، تبقى محكومة بالسقف الأميركي، الذي يشدّد على أولويّة تنفيذ قرار حصر السلاح وبسط سلطة الدولة والإمساك بالمعابر الحدودية الشرعية وغير الشرعية.
لذلك اقتصر المؤتمر على مباحثات عسكرية وتحضير الأرضية، ولم يشهد الإعلان عن أي مساعدات ومنح، كما لم يحدَّد موعد للمؤتمر الأساسي الذي تنوي باريس تنظيمه. فهذا يحتاج إلى ضوء أخضر أميركي لم يُعطَ بعد. وقد أكّد المسؤول الأميركي السابق ديفيد شينكر أنّ “المشكلة الأساسية للجيش اللبناني لم تكن يوماً في نقص الموارد، بل في نقص الإرادة السياسية لمواجهة سلاح حزب الله”.وهذا يعني أنّ المساعدات الأمريكية الواسعة باتت مرهونة بجدول زمني واضح لتفكيك البنية العسكرية لـ “الحزب”.
ولكن، على رغم ذلك، تبقى واشنطن حريصة على دور الجيش الذي لا بديل منه في تطبيق الاتفاق الإطار في مرحلة لاحقة، ولو كان بالاستعانة بقوة دولية جديدة تحلّ محلّ قوات اليونيفيل التي تنهي انتدابها قريباً.
وقد حرص السفير الأميركي ميشال عيسى على القيام بزيارة اتّسمت بأهمّية قصوى لزوطر الغربية، بعد إعلان إسرائيل تشكيكها بدور الجيش. فالسفير يريد التشديد على أن لا بديل من الجيش، ويسعى إلى إعطائه فرصة جديدة لإثبات قدرته على القيام بدوره. لذا أراد أن تكون زوطر التي دخلها الجيش ضمن المناطق التجريبية هي محطّة زيارته.
معضلة تسليح الجيش تبقى بلا حلّ، إلّا إذا حصل تغيير كبير وتمكّن المؤسّسة العسكرية اللبنانية من تجاوز المحاذير الداخلية لإثبات قدرتها على الإمساك بالأرض، أو إذا حصلت تطوّرات إقليمية بدّلت المشهد تماماً.





