واشنطن منحت باريس “هامش تحرك”.. لكن دعم الجيش مرهون بالسلاح

بعد محاولات فرنسية متكرّرة لاستعادة دورٍ فاعل في الملف اللبناني، حصلت باريس أخيرًا على الضوء الأخضر لاستضافة الاجتماع التحضيري لدعم الجيش اللبناني، ضمن مسار العقبة وبرعاية أردنية. غير أنّ انعقاد الاجتماع في العاصمة الفرنسية لا يعني بالضرورة أنّ باريس استعادت زمام المبادرة؛ إذ يبدو أنّ هامش تحرّكها لا يزال محكومًا بسقف أميركي واضح وبالتحولات المرتقبة في جنوب لبنان.
تسعى فرنسا إلى تكريس نفسها مجددًا شريكًا أساسيًا في المرحلة المقبلة، مستندةً إلى علاقتها التاريخية بلبنان، وإلى حضورها العسكري ضمن قوات اليونيفل. كما تبحث، بالتنسيق مع إيطاليا، في شكل الدور الدولي الذي قد يلي انتهاء مهمة القوة الأممية، وسط تداول احتمالات تتعلق بإرسال بعثات عسكرية أوروبية أو اعتماد صيغة جديدة لمواكبة الجيش اللبناني في الجنوب.
لكن بين الطموح الفرنسي والواقع الميداني مسافة واسعة. فالاجتماع ليس مؤتمرًا للمانحين، ولم يشهد إعلان مساعدات مالية جديدة، كما لم يُحدَّد بعد موعد نهائي لمؤتمر دعم الجيش. ولذلك، تبدو الخطوة في مرحلتها الحالية أقرب إلى تثبيت إطار سياسي وعسكري للتحرك، منها إلى إطلاق مسار تنفيذي سريع ذي نتائج ملموسة.
اجتماع عسكري–سياسي في باريس
منذ ساعات الصباح الأولى، توزّعت الاجتماعات بين قصر الإليزيه ومجمّع ليزانفاليد. وعند الثانية عشرة ظهرًا بتوقيت باريس، افتتح رئيس الجمهورية جوزاف عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الاجتماع التحضيري، بحضور ممثلين عن سبع عشرة دولة وعدد من الهيئات الدولية.
وشارك في الاجتماع قادة جيوش ورؤساء هيئات أركان من لبنان وفرنسا وإيطاليا والكويت وهولندا والمملكة المتحدة، إلى جانب ممثلين رفيعي المستوى عن قطاعات الدفاع والأمن في الولايات المتحدة وألمانيا وقطر وباكستان وكندا ومصر وإسبانيا والإمارات العربية المتحدة. كما حضر ممثلون عن الاتحاد الأوروبي واللجنة الفنية العسكرية من أجل لبنان “MTC4L“.
وركّز الرئيس عون في كلمته على مبدأ الدولة وضرورة مساعدة لبنان في هذه المرحلة الدقيقة، فيما عرض قائد الجيش العماد رودولف هيكل، بحسب مصادر عسكرية لبنانية، رؤية المؤسسة العسكرية للمرحلة المقبلة وحاجاتها العملية.
وأكد هيكل في كلمة القاها امام الوفود استعداد الجيش لتنفيذ مهماته ضمن الأطر المتفق عليها، والعمل على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بالتعاون مع سائر المؤسسات الأمنية. كما قدّم شرحًا للمتطلبات المالية واللوجستية والتقنية التي يحتاج إليها الجيش للاضطلاع بالأدوار المتزايدة الملقاة على عاتقه.
وتصف مصادر عسكرية الاجتماع بأنه جيد جدًا، لكنها تشدّد في الوقت نفسه على أنّ قيمة هذه المبادرات ستُقاس بما ينتج منها على الأرض. فالجيش لا يحتاج إلى دعم سياسي ومعنوي فحسب، بل إلى تمويل ثابت وتجهيزات ومعلومات استخبارية وقدرات لوجستية تتيح له تنفيذ المهمات المطلوبة منه، ولا سيما في الجنوب.
الدعم مرتبط بمسار حصر السلاح
تقول مصادر في الإليزيه إن الهدف الأساسي من الاجتماع هو وضع إطار عملي لدور الجيش اللبناني خلال المرحلة المقبلة. إلا أنّ الخطاب الفرنسي يتجنّب الربط العلني والحاد بين تقديم الدعم وبين ملف حصر السلاح بيد الدولة، على الرغم من أنّ هذا الشرط يبقى حاضرًا في خلفية النقاشات الدولية.
فالدول المشاركة تنظر إلى دعم الجيش باعتباره جزءًا من مسار سياسي وأمني أوسع، عنوانه تمكين مؤسسات الدولة اللبنانية من احتكار السلاح وقرارَي الحرب والسلم. وبذلك، لا ينفصل ملف المساعدات عن كيفية تطبيق الترتيبات الأمنية في الجنوب، ومستقبل سلاح حزب الله، ومسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.
أما المشاركة الأميركية، وحضور السفير ميشال عيسى، فيعكسان موافقة واشنطن على عقد الاجتماع ومنح باريس مساحة للتحرك. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن القرار التنفيذي والقدرة على تحويل النقاشات إلى ترتيبات ميدانية ومساعدات فعلية لا يزالان، إلى حدّ بعيد، في يد الولايات المتحدة.
من هنا، يشكّل اجتماع باريس نافذة أمل للبنان وفرنسا، لكنه لا يؤسس حتى الآن لاختراق سياسي أو مالي. فأي انتقال إلى مرحلة التنفيذ سيبقى مرتبطًا بالتفاهمات الإقليمية والدولية، وبمسار المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، فضلًا عن الحسابات السياسية داخل إسرائيل والانتخابات المرتقبة فيها.
ما بعد اليونيفل: فراغ ينتظر التصوّر اللبناني والموافقة الإسرائيلية؟
ويبرز في خلفية الاجتماع سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا بعد انتهاء مهمة “اليونيفل”؟ بحسب مصادر الإليزيه، تعمل فرنسا مع إيطاليا على بلورة خيارات للمرحلة اللاحقة، وقد تشمل هذه الخيارات إرسال بعثات عسكرية تساهم في مواكبة الجيش اللبناني أو تحلّ، ضمن صيغة جديدة، مكان القوة الدولية الحالية.
غير أنّ أي مشروع من هذا النوع يصطدم حتى الآن بغياب تصوّر لبناني رسمي ومتكامل يُقدَّم إلى الأمم المتحدة بشأن شكل الوجود الدولي المقبل، ومهماته، وقواعد عمله، وعلاقته بالجيش اللبناني.
وترى المصادر الفرنسية أن بيروت تنسّق في هذا الملف مع واشنطن على أعلى المستويات، وأن الأولوية اللبنانية تبقى لما يمكن الاتفاق عليه مع الجانب الأميركي. كما يرتبط أي ترتيب جديد بالتفاهمات الأمنية بين لبنان وإسرائيل، في ظل معلومات تفيد بأن تل أبيب لا ترغب في منح فرنسا دورًا مباشرًا في الملفات المرتبطة بالحدود والمفاوضات الثنائية.
وعليه، يكشف اجتماع باريس أكثر مما يحسم: فهو يثبت حاجة لبنان إلى دعم دولي واسع لتمكين جيشه، ويعبّر في الوقت نفسه عن محاولة فرنسية للعودة إلى قلب المشهد اللبناني. لكن نجاح هذه العودة لن يُقاس بعدد الدول المشاركة أو بحجم التصريحات السياسية، بل بقدرة باريس على تحويل الاجتماع التحضيري إلى مساعدات ملموسة، وصياغة دور مقبول في جنوب لبنان، ضمن مساحة لا تزال واشنطن تمسك بمفاتيحها الأساسية.
واشنطن منحت باريس “هامش تحرك”.. لكن دعم الجيش مرهون بالسلاح

بعد محاولات فرنسية متكرّرة لاستعادة دورٍ فاعل في الملف اللبناني، حصلت باريس أخيرًا على الضوء الأخضر لاستضافة الاجتماع التحضيري لدعم الجيش اللبناني، ضمن مسار العقبة وبرعاية أردنية. غير أنّ انعقاد الاجتماع في العاصمة الفرنسية لا يعني بالضرورة أنّ باريس استعادت زمام المبادرة؛ إذ يبدو أنّ هامش تحرّكها لا يزال محكومًا بسقف أميركي واضح وبالتحولات المرتقبة في جنوب لبنان.
تسعى فرنسا إلى تكريس نفسها مجددًا شريكًا أساسيًا في المرحلة المقبلة، مستندةً إلى علاقتها التاريخية بلبنان، وإلى حضورها العسكري ضمن قوات اليونيفل. كما تبحث، بالتنسيق مع إيطاليا، في شكل الدور الدولي الذي قد يلي انتهاء مهمة القوة الأممية، وسط تداول احتمالات تتعلق بإرسال بعثات عسكرية أوروبية أو اعتماد صيغة جديدة لمواكبة الجيش اللبناني في الجنوب.
لكن بين الطموح الفرنسي والواقع الميداني مسافة واسعة. فالاجتماع ليس مؤتمرًا للمانحين، ولم يشهد إعلان مساعدات مالية جديدة، كما لم يُحدَّد بعد موعد نهائي لمؤتمر دعم الجيش. ولذلك، تبدو الخطوة في مرحلتها الحالية أقرب إلى تثبيت إطار سياسي وعسكري للتحرك، منها إلى إطلاق مسار تنفيذي سريع ذي نتائج ملموسة.
اجتماع عسكري–سياسي في باريس
منذ ساعات الصباح الأولى، توزّعت الاجتماعات بين قصر الإليزيه ومجمّع ليزانفاليد. وعند الثانية عشرة ظهرًا بتوقيت باريس، افتتح رئيس الجمهورية جوزاف عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الاجتماع التحضيري، بحضور ممثلين عن سبع عشرة دولة وعدد من الهيئات الدولية.
وشارك في الاجتماع قادة جيوش ورؤساء هيئات أركان من لبنان وفرنسا وإيطاليا والكويت وهولندا والمملكة المتحدة، إلى جانب ممثلين رفيعي المستوى عن قطاعات الدفاع والأمن في الولايات المتحدة وألمانيا وقطر وباكستان وكندا ومصر وإسبانيا والإمارات العربية المتحدة. كما حضر ممثلون عن الاتحاد الأوروبي واللجنة الفنية العسكرية من أجل لبنان “MTC4L“.
وركّز الرئيس عون في كلمته على مبدأ الدولة وضرورة مساعدة لبنان في هذه المرحلة الدقيقة، فيما عرض قائد الجيش العماد رودولف هيكل، بحسب مصادر عسكرية لبنانية، رؤية المؤسسة العسكرية للمرحلة المقبلة وحاجاتها العملية.
وأكد هيكل في كلمة القاها امام الوفود استعداد الجيش لتنفيذ مهماته ضمن الأطر المتفق عليها، والعمل على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بالتعاون مع سائر المؤسسات الأمنية. كما قدّم شرحًا للمتطلبات المالية واللوجستية والتقنية التي يحتاج إليها الجيش للاضطلاع بالأدوار المتزايدة الملقاة على عاتقه.
وتصف مصادر عسكرية الاجتماع بأنه جيد جدًا، لكنها تشدّد في الوقت نفسه على أنّ قيمة هذه المبادرات ستُقاس بما ينتج منها على الأرض. فالجيش لا يحتاج إلى دعم سياسي ومعنوي فحسب، بل إلى تمويل ثابت وتجهيزات ومعلومات استخبارية وقدرات لوجستية تتيح له تنفيذ المهمات المطلوبة منه، ولا سيما في الجنوب.
الدعم مرتبط بمسار حصر السلاح
تقول مصادر في الإليزيه إن الهدف الأساسي من الاجتماع هو وضع إطار عملي لدور الجيش اللبناني خلال المرحلة المقبلة. إلا أنّ الخطاب الفرنسي يتجنّب الربط العلني والحاد بين تقديم الدعم وبين ملف حصر السلاح بيد الدولة، على الرغم من أنّ هذا الشرط يبقى حاضرًا في خلفية النقاشات الدولية.
فالدول المشاركة تنظر إلى دعم الجيش باعتباره جزءًا من مسار سياسي وأمني أوسع، عنوانه تمكين مؤسسات الدولة اللبنانية من احتكار السلاح وقرارَي الحرب والسلم. وبذلك، لا ينفصل ملف المساعدات عن كيفية تطبيق الترتيبات الأمنية في الجنوب، ومستقبل سلاح حزب الله، ومسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.
أما المشاركة الأميركية، وحضور السفير ميشال عيسى، فيعكسان موافقة واشنطن على عقد الاجتماع ومنح باريس مساحة للتحرك. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن القرار التنفيذي والقدرة على تحويل النقاشات إلى ترتيبات ميدانية ومساعدات فعلية لا يزالان، إلى حدّ بعيد، في يد الولايات المتحدة.
من هنا، يشكّل اجتماع باريس نافذة أمل للبنان وفرنسا، لكنه لا يؤسس حتى الآن لاختراق سياسي أو مالي. فأي انتقال إلى مرحلة التنفيذ سيبقى مرتبطًا بالتفاهمات الإقليمية والدولية، وبمسار المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، فضلًا عن الحسابات السياسية داخل إسرائيل والانتخابات المرتقبة فيها.
ما بعد اليونيفل: فراغ ينتظر التصوّر اللبناني والموافقة الإسرائيلية؟
ويبرز في خلفية الاجتماع سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا بعد انتهاء مهمة “اليونيفل”؟ بحسب مصادر الإليزيه، تعمل فرنسا مع إيطاليا على بلورة خيارات للمرحلة اللاحقة، وقد تشمل هذه الخيارات إرسال بعثات عسكرية تساهم في مواكبة الجيش اللبناني أو تحلّ، ضمن صيغة جديدة، مكان القوة الدولية الحالية.
غير أنّ أي مشروع من هذا النوع يصطدم حتى الآن بغياب تصوّر لبناني رسمي ومتكامل يُقدَّم إلى الأمم المتحدة بشأن شكل الوجود الدولي المقبل، ومهماته، وقواعد عمله، وعلاقته بالجيش اللبناني.
وترى المصادر الفرنسية أن بيروت تنسّق في هذا الملف مع واشنطن على أعلى المستويات، وأن الأولوية اللبنانية تبقى لما يمكن الاتفاق عليه مع الجانب الأميركي. كما يرتبط أي ترتيب جديد بالتفاهمات الأمنية بين لبنان وإسرائيل، في ظل معلومات تفيد بأن تل أبيب لا ترغب في منح فرنسا دورًا مباشرًا في الملفات المرتبطة بالحدود والمفاوضات الثنائية.
وعليه، يكشف اجتماع باريس أكثر مما يحسم: فهو يثبت حاجة لبنان إلى دعم دولي واسع لتمكين جيشه، ويعبّر في الوقت نفسه عن محاولة فرنسية للعودة إلى قلب المشهد اللبناني. لكن نجاح هذه العودة لن يُقاس بعدد الدول المشاركة أو بحجم التصريحات السياسية، بل بقدرة باريس على تحويل الاجتماع التحضيري إلى مساعدات ملموسة، وصياغة دور مقبول في جنوب لبنان، ضمن مساحة لا تزال واشنطن تمسك بمفاتيحها الأساسية.








