مَن يحق له اتهام أو محاكمة الرئيس السابق ميشال عون؟

شكّلت التسريبات الصحافية لمطالعة المحامي العام التمييزي محمد صعب خضّةً داخلية على المستوى الشعبي والقضائي والسياسي أيضاً! ومن دون الغوص في مضمونها والأسباب التي أصبحت معلومة، لا بدّ من الإشارة إلى احتفاء اللبنانيّين باستحصالهم على «المعلومة»، على قاعدة لا خفي إلّا وسيظهر لهم، بعدما أصبحوا بغالبيّتهم متمرّسين
في علم التحقيق والتحليل والاستقصاء، فتراهم يتسابقون لتسريبها حتى لو خالفوا القوانين!
هل يمكن ملاحقة الرئيس السابق للجمهورية العماد ميشال عون؟ هنا يجب السؤال، لماذا أُنشئت الحصانة؟ فمبدأ إنشاء الحصانة هو للحماية السياسية، لكي لا يكون الرئيس عرضة لملاحقات قضائية يكون أساسها سياسياً انتقامياً للتشهير، وعرقلة مهمّته في إدارة البلاد.
في الوقائع، وبحسب مصدر قضائي رفيع، وبحسب الدستور اللبناني، تتميَّز حصانة رئيس الجمهورية عن حصانة رؤساء الحكومات والوزراء، ويجب الانطلاق من أحكام المادة 60 من الدستور الواضحة، إذ لا يُساءل رئيس الجمهورية إلّا في حالتَي الخيانة العظمى وخرق الدستور، وخلال تولّيه مهمّته في إدارة البلاد، أي فترة رئاسته، ولا تمتد بعد انتهاء ولايته، إلّا إذا وقع الفعل الجرمي المنسوب إليه ضمن فترة ولايته.
وهناك فرق واضح بالدستور بين الحصانة الممنوحة لرئيس الجمهورية والحصانة الممنوحة لرئيس الحكومة والوزراء، لأنّ هؤلاء يُلاحقون بالأعمال التي جرت أثناء ولاياتهم من إهمال وظيفي وغيرها من الجرائم الناتجة منها، وأنّه لو أراد المشترع محاسبة رئيس الجمهورية عن الإهمال في الوظيفة خلال ولايته، لكان أدرج هذا النص صراحة، كما أدرجه عندما تكلّم عن مسؤولية رؤساء الحكومات والوزراء.
وهذا يلتقي مع النص الفرنسي قبل تعديله عام 2007، والذي يجب التدقيق في معناه وأسبابه، وهو أعطى صلاحية كبيرة لرئيس الجمهورية لحمايته سياسياً.
أمّا الجرائم العادية، فيمكن ملاحقته عليها وفقاً للقوانين العامة، ولا يمكن اتهامه بأية جريمة إلّا من قِبل مجلس النواب، من خلال مسار برلماني طويل ومعقّد، يبدأ بعريضة اتهام موقّعة من قبل خمسة نواب، وبعد دراسة الطلب والموافقة عليه يُستدعى المتهم إلى مواجهة المجلس النيابي، وبعد التحقيق معه من قِبل لجنة برلمانية تُعيَّن لهذا الغرض، ويقتضي التصويت من قبل ثلثَي المجلس للموافقة على إحالته على المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء المنصوص عليه في المادة 80 من الدستور، والذي يتكوَّن من سبعة نواب ينتخبهم النواب وثمانية من كبار القضاة، وتُحدَّد أصول المحاكمات وكيفية اتخاذ الإجراءات وفق قانون خاص، كما يصدُر الحكم بموافقة 10 من الأعضاء المذكورين. علماً أنّ هذا المجلس هو الذي يحدِّد المواد والوقائع الجرمية.
القرار لِمَن؟
في حالة الرئيس السابق ميشال عون، إذا صحّت التسريبات التي نُسِبَت إليه في الإهمال الوظيفي، فلا يحق للمحقق العدلي ولا للمحامي العام التمييزي توجيه الاتهام له، بل يحق له سرد الوقائع التي بنى عليها، ويحق لخمسة نواب التقدّم بعريضة اتهام بحقه.
التفسير لِمَن؟
المشكلة اليوم، كيف ستُفسَّر مخالفة الرئيس السابق للأعمال الوظيفية؟ ومَن سيُفسِّر الواقعة التي حصلت؟ فهل ستُعتبَر من ضمن الجرائم العادية أو من خلال أدائه لوظيفته، أي مخالفة الدستور والخيانة العظمى إذ إنّ الإهمال لا يشكّل فعلاً محسوساً؟ يقدّر، ضمن الخيانة العظمى أو مخالفة الدستور.
البعض المؤيّد سيقول إنّها تندرج ضمن الأعمال الوظيفية للرئيس، إنما سيعلو رأي آخر ليقول، إنّ عبارة «وظيفية» لا تفرض الإهمال وعدم اتخاذ أي إجراء، بالتالي إنّه جرم عادي. أي عندما وصل الملف إلى الرئيس السابق، فإنّه فعلياً وضعه جانباً ولم يقرّر أي إجراء. وفي هذه الحالة يُحاكم كجرم عادي…
في الواقع، يوضح مصدر قضائي آخر رفيع، أنّه لا يمكن مساءلة رئيس الجمهورية بالإهمال الوظيفي الناتج من فترة تولّيه الرئاسة، بخلاف رئيس الحكومة والوزراء، إلّا إذا اتحد هذا الإهمال مع الخيانة العظمى أو مخالفة الدستور، وهذا أمر من الصعوبة بمكان تحققه، علماً أنّ الجرائم العادية المقصودة في المادة 60 من الدستور، هي الجرائم المرتكبة خارج إطار صلاحياته كرئيس للجمهورية.
في كافة الأحوال، فإنّ القرار، وتحديداً قرار الاتهام، هو من صلاحية أكثرية مجلس النواب وليس النيابة العامة التمييزية ولا المحقق العدلي، «لذلك لا صلاحية للنيابة العامة بالبتّ بقرار اتهام الرئيس السابق إذا أهمل أو لم يُهمل، فليس هم مَن يقرّرون، بل عليهم فقط سرد الوقائع، أنّه تبيَّن معهم أنّ هناك احتمال جرم، وليس الاتهام، وهناك فرق بين سرد الواقعة والاتهام». لذلك، وفي مطلق الأحوال، الأصول القضائية تقضي إحالتها إلى مجلس النواب، الذي يحيلها بدوره إلى اللجنة البرلمانية كما ذكرنا أعلاه. وبعدها، إذا ثَبُت الاتهام، تحال إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الوزراء والرؤساء، وهو الذي يحدِّد المواد والوقائع الجرمية.
إنما السؤال الكبير، هل سبق أن حقق المجلس الأعلى يوماً مع أحد الرؤساء في لبنان؟ الجواب طبعاً لا! لذلك، إنّ تحقق مسار التحقيق وفق الملاحقة البرلمانية التي ذُكرت أعلاه، تكون سابقة قضائية في تاريخ لبنان الحديث. على أمل أن يكون هذا المسار القضائي المعقّد غير مقصود لأسباب أو لأخرى! وعلى أمل أن يصبّ في مسار الوصول إلى العدالة والحقيقة، وليس تصويباً أو استهدافاً سياسياً.
مَن يحق له اتهام أو محاكمة الرئيس السابق ميشال عون؟

شكّلت التسريبات الصحافية لمطالعة المحامي العام التمييزي محمد صعب خضّةً داخلية على المستوى الشعبي والقضائي والسياسي أيضاً! ومن دون الغوص في مضمونها والأسباب التي أصبحت معلومة، لا بدّ من الإشارة إلى احتفاء اللبنانيّين باستحصالهم على «المعلومة»، على قاعدة لا خفي إلّا وسيظهر لهم، بعدما أصبحوا بغالبيّتهم متمرّسين
في علم التحقيق والتحليل والاستقصاء، فتراهم يتسابقون لتسريبها حتى لو خالفوا القوانين!
هل يمكن ملاحقة الرئيس السابق للجمهورية العماد ميشال عون؟ هنا يجب السؤال، لماذا أُنشئت الحصانة؟ فمبدأ إنشاء الحصانة هو للحماية السياسية، لكي لا يكون الرئيس عرضة لملاحقات قضائية يكون أساسها سياسياً انتقامياً للتشهير، وعرقلة مهمّته في إدارة البلاد.
في الوقائع، وبحسب مصدر قضائي رفيع، وبحسب الدستور اللبناني، تتميَّز حصانة رئيس الجمهورية عن حصانة رؤساء الحكومات والوزراء، ويجب الانطلاق من أحكام المادة 60 من الدستور الواضحة، إذ لا يُساءل رئيس الجمهورية إلّا في حالتَي الخيانة العظمى وخرق الدستور، وخلال تولّيه مهمّته في إدارة البلاد، أي فترة رئاسته، ولا تمتد بعد انتهاء ولايته، إلّا إذا وقع الفعل الجرمي المنسوب إليه ضمن فترة ولايته.
وهناك فرق واضح بالدستور بين الحصانة الممنوحة لرئيس الجمهورية والحصانة الممنوحة لرئيس الحكومة والوزراء، لأنّ هؤلاء يُلاحقون بالأعمال التي جرت أثناء ولاياتهم من إهمال وظيفي وغيرها من الجرائم الناتجة منها، وأنّه لو أراد المشترع محاسبة رئيس الجمهورية عن الإهمال في الوظيفة خلال ولايته، لكان أدرج هذا النص صراحة، كما أدرجه عندما تكلّم عن مسؤولية رؤساء الحكومات والوزراء.
وهذا يلتقي مع النص الفرنسي قبل تعديله عام 2007، والذي يجب التدقيق في معناه وأسبابه، وهو أعطى صلاحية كبيرة لرئيس الجمهورية لحمايته سياسياً.
أمّا الجرائم العادية، فيمكن ملاحقته عليها وفقاً للقوانين العامة، ولا يمكن اتهامه بأية جريمة إلّا من قِبل مجلس النواب، من خلال مسار برلماني طويل ومعقّد، يبدأ بعريضة اتهام موقّعة من قبل خمسة نواب، وبعد دراسة الطلب والموافقة عليه يُستدعى المتهم إلى مواجهة المجلس النيابي، وبعد التحقيق معه من قِبل لجنة برلمانية تُعيَّن لهذا الغرض، ويقتضي التصويت من قبل ثلثَي المجلس للموافقة على إحالته على المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء المنصوص عليه في المادة 80 من الدستور، والذي يتكوَّن من سبعة نواب ينتخبهم النواب وثمانية من كبار القضاة، وتُحدَّد أصول المحاكمات وكيفية اتخاذ الإجراءات وفق قانون خاص، كما يصدُر الحكم بموافقة 10 من الأعضاء المذكورين. علماً أنّ هذا المجلس هو الذي يحدِّد المواد والوقائع الجرمية.
القرار لِمَن؟
في حالة الرئيس السابق ميشال عون، إذا صحّت التسريبات التي نُسِبَت إليه في الإهمال الوظيفي، فلا يحق للمحقق العدلي ولا للمحامي العام التمييزي توجيه الاتهام له، بل يحق له سرد الوقائع التي بنى عليها، ويحق لخمسة نواب التقدّم بعريضة اتهام بحقه.
التفسير لِمَن؟
المشكلة اليوم، كيف ستُفسَّر مخالفة الرئيس السابق للأعمال الوظيفية؟ ومَن سيُفسِّر الواقعة التي حصلت؟ فهل ستُعتبَر من ضمن الجرائم العادية أو من خلال أدائه لوظيفته، أي مخالفة الدستور والخيانة العظمى إذ إنّ الإهمال لا يشكّل فعلاً محسوساً؟ يقدّر، ضمن الخيانة العظمى أو مخالفة الدستور.
البعض المؤيّد سيقول إنّها تندرج ضمن الأعمال الوظيفية للرئيس، إنما سيعلو رأي آخر ليقول، إنّ عبارة «وظيفية» لا تفرض الإهمال وعدم اتخاذ أي إجراء، بالتالي إنّه جرم عادي. أي عندما وصل الملف إلى الرئيس السابق، فإنّه فعلياً وضعه جانباً ولم يقرّر أي إجراء. وفي هذه الحالة يُحاكم كجرم عادي…
في الواقع، يوضح مصدر قضائي آخر رفيع، أنّه لا يمكن مساءلة رئيس الجمهورية بالإهمال الوظيفي الناتج من فترة تولّيه الرئاسة، بخلاف رئيس الحكومة والوزراء، إلّا إذا اتحد هذا الإهمال مع الخيانة العظمى أو مخالفة الدستور، وهذا أمر من الصعوبة بمكان تحققه، علماً أنّ الجرائم العادية المقصودة في المادة 60 من الدستور، هي الجرائم المرتكبة خارج إطار صلاحياته كرئيس للجمهورية.
في كافة الأحوال، فإنّ القرار، وتحديداً قرار الاتهام، هو من صلاحية أكثرية مجلس النواب وليس النيابة العامة التمييزية ولا المحقق العدلي، «لذلك لا صلاحية للنيابة العامة بالبتّ بقرار اتهام الرئيس السابق إذا أهمل أو لم يُهمل، فليس هم مَن يقرّرون، بل عليهم فقط سرد الوقائع، أنّه تبيَّن معهم أنّ هناك احتمال جرم، وليس الاتهام، وهناك فرق بين سرد الواقعة والاتهام». لذلك، وفي مطلق الأحوال، الأصول القضائية تقضي إحالتها إلى مجلس النواب، الذي يحيلها بدوره إلى اللجنة البرلمانية كما ذكرنا أعلاه. وبعدها، إذا ثَبُت الاتهام، تحال إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الوزراء والرؤساء، وهو الذي يحدِّد المواد والوقائع الجرمية.
إنما السؤال الكبير، هل سبق أن حقق المجلس الأعلى يوماً مع أحد الرؤساء في لبنان؟ الجواب طبعاً لا! لذلك، إنّ تحقق مسار التحقيق وفق الملاحقة البرلمانية التي ذُكرت أعلاه، تكون سابقة قضائية في تاريخ لبنان الحديث. على أمل أن يكون هذا المسار القضائي المعقّد غير مقصود لأسباب أو لأخرى! وعلى أمل أن يصبّ في مسار الوصول إلى العدالة والحقيقة، وليس تصويباً أو استهدافاً سياسياً.








