العوج قرنيها والسود عينيها… حزورة السياسة اللبنانية

تمرّ في حياة الأفراد، ولا سيما في الطفولة، أحداث وتفاعلات تبدو صغيرة في حينها، لكنها تبقى كامنة في الذاكرة. وحين نعود إليها بعد سنوات، وقد راكمنا شيئاً من التجارب السياسية والاجتماعية والثقافية والمهنية، نكتشف أن بعضها كان يحمل من المعاني أكثر بكثير مما كنا ندركه يومها.
من هذه الذكريات جلسات مع والدتي، التي كانت تجيد فن إيصال الرسائل بطريقة بسيطة، عبر الحكايات والحزازير. كانت تطرح علينا حزورة وتتركنا نتبارى في البحث عن الجواب، ومن بينها واحدة ما زالت عالقة في ذهني: العوج قرنيها، والسود عينيها، والعنزة الله لا يهديك إليها… من هي؟
وكنا نبدأ بالتخمين. نقول هذا وذاك، ونبحث بعيداً، فيما الجواب موجود أمامنا، بل هو مذكور صراحة في الحزورة نفسها: العنزة. لم يكن مغزى الحزورة، كما أفهمه اليوم، معرفة من يصل إلى الجواب أولاً. كان المغزى أبسط وأعمق: في الحياة أشياء لا تحتاج إلى كثير من الذكاء لاكتشافها، لأن عناصر الإجابة كلها موجودة أمامنا. والمشكلة تبدأ عندما نصرّ على البحث عن أجوبة معقدة لقضايا شديدة الوضوح، أو عندما نمارس نوعاً من «التذاكي» فنرفض رؤية ما نراه بأعيننا. تذكرت هذه الحزورة وأنا أتابع المشهد السياسي اللبناني، وخصوصاً جلسات مجلس النواب في منتصف أيلول، وما رافقها من مداخلات ومواقف. والفارق أن أطفال الحزورة كانوا يحاولون فعلاً معرفة الجواب، بينما يبدو أن كثيرين في حزورة السياسة اللبنانية يعرفون الجواب، ويعرفون أن الناس يعرفونه أيضاً، ومع ذلك يستمر الجميع في الدوران حوله.
لبنان يعيش حرباً وتداعيات أمنية خطيرة، إلى جانب انهيار اقتصادي ومالي ومعيشي لم يولد من فراغ. وهو حصيلة تراكم خيارات وسياسات وممارسات امتدت سنوات طويلة، اختلف أصحابها وأسماؤهم وشعاراتهم، لكن نتائجها وقعت في النهاية على المجتمع والدولة.
لذلك من الطبيعي أن تكون الحرب، والاعتداءات، والأمن، والسيادة، والمقاومة، ومستقبل البلد، في صلب النقاش السياسي. لكن السؤال الذي يغيب أحياناً وسط ضجيج العناوين الكبرى هو،لماذا توجد السياسة أصلاً، فإذا لم تكن السياسة في جوهرها إدارة شؤون الناس وتأمين شروط حياتهم وحماية مصالحهم، فماذا تكون؟ الأحزاب تقول إنها وُجدت لخدمة المجتمع. والمقاومة، في تعريفها ووظيفتها المفترضة، تسعى إلى حماية الناس والأرض وتأمين القدرة على العيش بأمان. والدولة ومؤسساتها وجدت لتنظيم المجتمع وتأمين مصالح المواطنين. وبالتالي لا يمكن أن تتحول الوسائل والشعارات والأيديولوجيات إلى غايات مستقلة عن حياة البشر الذين يُفترض أنها وجدت من أجلهم، وهنا تصبح الحزورة اللبنانية أكثر وضوحاً.
نناقش القضايا الكبرى، ونرفع مستوى السجال إلى الاستراتيجيات والصراعات الإقليمية والدولية، فيما المواطن يسأل عن الكهرباء والماء والاستشفاء والتعليم والعمل والأجر والضمان الاجتماعي والسكن، وعن قدرته على تأمين حياة أسرته. وهذه ليست مسائل صغيرة أمام «السياسة الكبرى، هذه هي السياسة في معناها الأساسي. لقد تغير شكل الاجتماع البشري، لم تعد المجتمعات الحديثة قادرة على إدارة أزماتها وفق التضامن العائلي أو الطائفي أو العشائري وحده. وأثبتت الأزمات الكبرى، ومنها وباء كورونا، أن الأخطار المعاصرة تتجاوز الحدود والجماعات والهويات الضيقة. فالفيروس لا يسأل عن دين الإنسان أو طائفته أو قوميته، والأزمة الاقتصادية لا تتوقف عند حدود الحي أو العائلة، وانهيار مؤسسة عامة يصيب في النهاية المجتمع كله. ومن هنا تقوم الدولة الحديثة على شكل آخر من التضامن، التضامن العقلاني المنظم الذي يعامل المواطنين باعتبارهم أصحاب حقوق، لا أعضاء في جماعات تتنافس على حصص الدولة.
وهذا ينطبق أيضاً على مفهوم المقاومة وعلى إدارة نتائج الحرب. فالمقاومة لا يمكن أن تبقى مفهوماً يخص فئة وحدها عندما تصبح نتائج الحرب واقعة على مجتمع كامل. وحين يتحمل جميع اللبنانيين النتائج الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، يصبح النقاش حول الخيارات والنتائج والمسؤوليات نقاشاً عاماً، لا ملكاً لطائفة أو حزب أو جماعة. لكن المفارقة أن كثيراً من الخطاب السياسي يستمر في توصيف الواقع من زوايا أيديولوجية متقابلة، فيما تضيع في الطريق حياة الناس اليومية.
ولا مبالغة في القول هنا ان فاتورة الكهرباء ، تحولت الى عدو اجتاح كافة البلدات والقرى اللبنانية ادت الى تدمير مداخيل المواطنين ومدخراتهم ، ولا مبالغة ايضا في القول ان هذا العدو من صنيعة مسؤولينا الذين يتبوؤن اعلى المراكز السياسية والاجتماعية ، ولا يقلون اجراما من العدو الآخر الذي يدمر الحجر والبشر . فكيف يمكن لبلد عاش انهياراً مالياً بهذا الحجم ، وفي ظل هذه الحرب ،أن يتعامل مع الكهرباء كأنها ملف عادي، وكيف تصبح فاتورة الكهرباء والمولدات والطاقة عبئاً يضاف الى النزوح والقتل والعوز ، ثم لا تحتل هذه القضية موقعاً مركزياً في النقاش السياسي. الكهرباء ليست مجرد خدمة تقنية، للمنازل ، إنها إنتاج واقتصاد وتعليم وصحة ومستشفى ومصنع ومؤسسة ومتجر ، وارتفاع كلفتها بهذا الشكل الجنوني ،هو اقتطاع يومي من أجور اللبنانيين ومدخراتهم ومستوى معيشتهم. فلو كان النقاش السياسي منصباً فعلاً على إدارة شؤون المجتمع، لكان ملف كهذا يستدعي حالة استنفار وطنية لا تنتهي إلا بوضع حل جذري ومستدام، مع البحث الجدي في كيفية توزيع كلفة الإنقاذ بعدالة، ولا سيما على من راكموا الثروات واستفادوا من النظام الاقتصادي والسياسي طوال العقود الماضية، بدلاً من تحميل العبء مرة أخرى للمواطن الذي دفع من دخله ومدخراته ومستوى معيشته.
وهنا نعود إلى الحزورة. العوج قرنيها، والسود عينيها… والعنزة الله لا يهديك إليها.
نعرف كيف وصلنا إلى أزمة الكهرباء، ونعرف كيف انهارت المالية العامة. ونعرف كيف تراجعت مؤسسات الدولة. ونعرف حجم الفساد والمحاصصة وسوء الإدارة. ونعرف أن إعادة إنتاج الأدوات والأساليب نفسها لن تؤدي تلقائياً إلى نتائج مختلفة. ومع ذلك نستمر أحياناً في التصرف وكأننا أمام حزورة لا نعرف جوابها. وربما تكون المشكلة اللبنانية اليوم أقل ارتباطاً بنقص المعلومات وأكثر ارتباطاً بالقدرة على الاعتراف بما تقوله المعلومات والوقائع. فالسياسة ليست براعة في اختراع تفسير أكثر تعقيداً للواقع، بل القدرة على رؤية الواقع كما هو، وتحديد المسؤوليات، ثم البحث عن حلول قابلة للتطبيق.
أما الاستمرار في إدارة المجتمع بمنطق القبيلة والعائلة والطائفة والعصبية والولاءات الأولية، ثم انتظار دولة حديثة واقتصاد منتج ومؤسسات فاعلة، فهو كمن يسمع الحزورة مرة بعد مرة، ويبحث عن كل الحيوانات الممكنة، فيما العنزة واقفة أمامه منذ البداية، وربما كانت والدتي، بحزورتها البسيطة، تختصر درساً في السياسة أكثر مما كنا ندرك ونحن أطفالاً.
العوج قرنيها والسود عينيها… حزورة السياسة اللبنانية

تمرّ في حياة الأفراد، ولا سيما في الطفولة، أحداث وتفاعلات تبدو صغيرة في حينها، لكنها تبقى كامنة في الذاكرة. وحين نعود إليها بعد سنوات، وقد راكمنا شيئاً من التجارب السياسية والاجتماعية والثقافية والمهنية، نكتشف أن بعضها كان يحمل من المعاني أكثر بكثير مما كنا ندركه يومها.
من هذه الذكريات جلسات مع والدتي، التي كانت تجيد فن إيصال الرسائل بطريقة بسيطة، عبر الحكايات والحزازير. كانت تطرح علينا حزورة وتتركنا نتبارى في البحث عن الجواب، ومن بينها واحدة ما زالت عالقة في ذهني: العوج قرنيها، والسود عينيها، والعنزة الله لا يهديك إليها… من هي؟
وكنا نبدأ بالتخمين. نقول هذا وذاك، ونبحث بعيداً، فيما الجواب موجود أمامنا، بل هو مذكور صراحة في الحزورة نفسها: العنزة. لم يكن مغزى الحزورة، كما أفهمه اليوم، معرفة من يصل إلى الجواب أولاً. كان المغزى أبسط وأعمق: في الحياة أشياء لا تحتاج إلى كثير من الذكاء لاكتشافها، لأن عناصر الإجابة كلها موجودة أمامنا. والمشكلة تبدأ عندما نصرّ على البحث عن أجوبة معقدة لقضايا شديدة الوضوح، أو عندما نمارس نوعاً من «التذاكي» فنرفض رؤية ما نراه بأعيننا. تذكرت هذه الحزورة وأنا أتابع المشهد السياسي اللبناني، وخصوصاً جلسات مجلس النواب في منتصف أيلول، وما رافقها من مداخلات ومواقف. والفارق أن أطفال الحزورة كانوا يحاولون فعلاً معرفة الجواب، بينما يبدو أن كثيرين في حزورة السياسة اللبنانية يعرفون الجواب، ويعرفون أن الناس يعرفونه أيضاً، ومع ذلك يستمر الجميع في الدوران حوله.
لبنان يعيش حرباً وتداعيات أمنية خطيرة، إلى جانب انهيار اقتصادي ومالي ومعيشي لم يولد من فراغ. وهو حصيلة تراكم خيارات وسياسات وممارسات امتدت سنوات طويلة، اختلف أصحابها وأسماؤهم وشعاراتهم، لكن نتائجها وقعت في النهاية على المجتمع والدولة.
لذلك من الطبيعي أن تكون الحرب، والاعتداءات، والأمن، والسيادة، والمقاومة، ومستقبل البلد، في صلب النقاش السياسي. لكن السؤال الذي يغيب أحياناً وسط ضجيج العناوين الكبرى هو،لماذا توجد السياسة أصلاً، فإذا لم تكن السياسة في جوهرها إدارة شؤون الناس وتأمين شروط حياتهم وحماية مصالحهم، فماذا تكون؟ الأحزاب تقول إنها وُجدت لخدمة المجتمع. والمقاومة، في تعريفها ووظيفتها المفترضة، تسعى إلى حماية الناس والأرض وتأمين القدرة على العيش بأمان. والدولة ومؤسساتها وجدت لتنظيم المجتمع وتأمين مصالح المواطنين. وبالتالي لا يمكن أن تتحول الوسائل والشعارات والأيديولوجيات إلى غايات مستقلة عن حياة البشر الذين يُفترض أنها وجدت من أجلهم، وهنا تصبح الحزورة اللبنانية أكثر وضوحاً.
نناقش القضايا الكبرى، ونرفع مستوى السجال إلى الاستراتيجيات والصراعات الإقليمية والدولية، فيما المواطن يسأل عن الكهرباء والماء والاستشفاء والتعليم والعمل والأجر والضمان الاجتماعي والسكن، وعن قدرته على تأمين حياة أسرته. وهذه ليست مسائل صغيرة أمام «السياسة الكبرى، هذه هي السياسة في معناها الأساسي. لقد تغير شكل الاجتماع البشري، لم تعد المجتمعات الحديثة قادرة على إدارة أزماتها وفق التضامن العائلي أو الطائفي أو العشائري وحده. وأثبتت الأزمات الكبرى، ومنها وباء كورونا، أن الأخطار المعاصرة تتجاوز الحدود والجماعات والهويات الضيقة. فالفيروس لا يسأل عن دين الإنسان أو طائفته أو قوميته، والأزمة الاقتصادية لا تتوقف عند حدود الحي أو العائلة، وانهيار مؤسسة عامة يصيب في النهاية المجتمع كله. ومن هنا تقوم الدولة الحديثة على شكل آخر من التضامن، التضامن العقلاني المنظم الذي يعامل المواطنين باعتبارهم أصحاب حقوق، لا أعضاء في جماعات تتنافس على حصص الدولة.
وهذا ينطبق أيضاً على مفهوم المقاومة وعلى إدارة نتائج الحرب. فالمقاومة لا يمكن أن تبقى مفهوماً يخص فئة وحدها عندما تصبح نتائج الحرب واقعة على مجتمع كامل. وحين يتحمل جميع اللبنانيين النتائج الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، يصبح النقاش حول الخيارات والنتائج والمسؤوليات نقاشاً عاماً، لا ملكاً لطائفة أو حزب أو جماعة. لكن المفارقة أن كثيراً من الخطاب السياسي يستمر في توصيف الواقع من زوايا أيديولوجية متقابلة، فيما تضيع في الطريق حياة الناس اليومية.
ولا مبالغة في القول هنا ان فاتورة الكهرباء ، تحولت الى عدو اجتاح كافة البلدات والقرى اللبنانية ادت الى تدمير مداخيل المواطنين ومدخراتهم ، ولا مبالغة ايضا في القول ان هذا العدو من صنيعة مسؤولينا الذين يتبوؤن اعلى المراكز السياسية والاجتماعية ، ولا يقلون اجراما من العدو الآخر الذي يدمر الحجر والبشر . فكيف يمكن لبلد عاش انهياراً مالياً بهذا الحجم ، وفي ظل هذه الحرب ،أن يتعامل مع الكهرباء كأنها ملف عادي، وكيف تصبح فاتورة الكهرباء والمولدات والطاقة عبئاً يضاف الى النزوح والقتل والعوز ، ثم لا تحتل هذه القضية موقعاً مركزياً في النقاش السياسي. الكهرباء ليست مجرد خدمة تقنية، للمنازل ، إنها إنتاج واقتصاد وتعليم وصحة ومستشفى ومصنع ومؤسسة ومتجر ، وارتفاع كلفتها بهذا الشكل الجنوني ،هو اقتطاع يومي من أجور اللبنانيين ومدخراتهم ومستوى معيشتهم. فلو كان النقاش السياسي منصباً فعلاً على إدارة شؤون المجتمع، لكان ملف كهذا يستدعي حالة استنفار وطنية لا تنتهي إلا بوضع حل جذري ومستدام، مع البحث الجدي في كيفية توزيع كلفة الإنقاذ بعدالة، ولا سيما على من راكموا الثروات واستفادوا من النظام الاقتصادي والسياسي طوال العقود الماضية، بدلاً من تحميل العبء مرة أخرى للمواطن الذي دفع من دخله ومدخراته ومستوى معيشته.
وهنا نعود إلى الحزورة. العوج قرنيها، والسود عينيها… والعنزة الله لا يهديك إليها.
نعرف كيف وصلنا إلى أزمة الكهرباء، ونعرف كيف انهارت المالية العامة. ونعرف كيف تراجعت مؤسسات الدولة. ونعرف حجم الفساد والمحاصصة وسوء الإدارة. ونعرف أن إعادة إنتاج الأدوات والأساليب نفسها لن تؤدي تلقائياً إلى نتائج مختلفة. ومع ذلك نستمر أحياناً في التصرف وكأننا أمام حزورة لا نعرف جوابها. وربما تكون المشكلة اللبنانية اليوم أقل ارتباطاً بنقص المعلومات وأكثر ارتباطاً بالقدرة على الاعتراف بما تقوله المعلومات والوقائع. فالسياسة ليست براعة في اختراع تفسير أكثر تعقيداً للواقع، بل القدرة على رؤية الواقع كما هو، وتحديد المسؤوليات، ثم البحث عن حلول قابلة للتطبيق.
أما الاستمرار في إدارة المجتمع بمنطق القبيلة والعائلة والطائفة والعصبية والولاءات الأولية، ثم انتظار دولة حديثة واقتصاد منتج ومؤسسات فاعلة، فهو كمن يسمع الحزورة مرة بعد مرة، ويبحث عن كل الحيوانات الممكنة، فيما العنزة واقفة أمامه منذ البداية، وربما كانت والدتي، بحزورتها البسيطة، تختصر درساً في السياسة أكثر مما كنا ندرك ونحن أطفالاً.









