واشنطن تعتمد سياسة “الاشتراط والتحقق” مع لبنان

الكاتب: امل شموني | المصدر: نداء الوطن
22 أيلول 2026

تزامنًا مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تبرز مقاربة جديدة لدى واشنطن تجاه لبنان، تتسم بتشكيك عميق في مدى جدية بيروت في نزع سلاح “حزب الله”. فرغم الخطاب الرسمي للرئيس جوزاف عون حول بسط سلطة الدولة ونشر الجيش وإعادة الانتشار الإسرائيلي التدريجي، ترى مصادر الإدارة الأميركية أن هذه التصريحات “تفتقر إلى المصداقية الكافية”، وتطرح تساؤلات جوهرية في الأوساط السياسية الأميركية حول قدرة لبنان فعليًا على فرض سيادته على “حزب الله” أم أن الأمر لا يعدو كونه جولة جديدة من الاستعراض الدبلوماسي تمنح “الحزب” المدعوم من إيران فرصة لإعادة تثبيت نفوذه.

وتعتبر واشنطن أن استعداد عون للحديث العلني عن ثلاث مقترحات رئيسية – هي السعي إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، والاعتراف بتعارض وجود “حزب الله” مع سلطة الدولة، وتسمية الجيش سلطة شرعية في الجنوب – يمثل تحولا ملحوظًا في الخطاب اللبناني. وتلفت إلى تصريحاته قبيل اجتماع باريس حول اتفاق أمني مع إسرائيل بهدف إنهاء حالة العداء ونشر الجيش على الحدود، وصولا إلى طرح فكرة اتفاق سلام مستقبلي.

وتشير واشنطن إلى أن هذا التحول في الخطاب اللبناني مفيد من الناحية الاستراتيجية، لكنها تشدد في الوقت ذاته على أن المسألة الجوهرية تكمن في التنفيذ الفعلي لهذه التصريحات، أي ما إذا كانت الدولة قادرة فعلا على بسط سلطتها العسكرية الكاملة على الأرض.

وتشير مصادر أميركية إلى أن “صيغة الإطار الثلاثي” جاءت بهدف كسر حلقة الوعود غير المنفذة، إذ ترى واشنطن أن هذه العناصر مترابطة ضمن عملية انتقال أمني شاملة. وتصر إسرائيل من جانبها على أن انسحابها سيكون مشروطًا بنزع سلاح “حزب الله” ومنع عودته العسكرية إلى الجنوب.

ويرى دبلوماسيون أميركيون أن النهج اللبناني يُقدّم العربة على الحصان، إذ يصور الانسحاب الإسرائيلي كشرط مسبق لنشر الجيش ونزع سلاح “حزب الله”. ويؤكد مسؤول أميركي أن الخلاف هنا ليس شكليًا، فبينما يعتبر الجيش اللبناني نظريًا الركيزة الأساسية لحماية السيادة، إلا أنه “عمليًا مؤسسة مخترقة وتعتمد بشكل كبير على الدعم الدولي، ولا توجد مؤشرات فعلية حول استعداد الجيش لتنفيذ عمليات تفتيش أو مواجهة مباشرة مع حزب الله في الجنوب”.

وهذا هو جوهر الشكوك الأميركية: فرغم تأكيد عون على أن الجيش يجب أن يكون السلطة في الجنوب، فإن الحكومة اللبنانية تعتمد “خطابًا مبهمًا وتروّج لنزع السلاح من دون مواجهة مباشرة، ما يثير مخاوف واشنطن من أن تتحول هذه العملية إلى مسألة سياسية تفاوضية وطويلة الأمد، بدلا من التزام أمني واضح ونتائج قابلة للقياس”.

أما الموقف الإسرائيلي، فيبدو أكثر تشددًا من الأميركي، حيث تعتبر تل أبيب أن تصريحات عون “مفيدة لكنها غير كافية على الإطلاق”. وتؤكد مصادر أميركية قريبة من إسرائيل أن المسؤولية تقع بالكامل على لبنان لإثبات أن “حزب الله” لا يستطيع نقل الأسلحة أو إعادة حشد عناصره في الجنوب بعد أي انتشار رمزي للجيش، وأن تقاعس لبنان عن ذلك سيُعطي الحزب فرصة لتجاوز الضغوط الدبلوماسية.

بعد باريس… وعود أكثر

بعد مؤتمر باريس، رأت مصادر واشنطن أن تصريحات عون بشأن تنفيذ الاتفاقيات لا تتعدى كونها إجراءات شكلية، إذ تعثر اتفاق حزيران ولا يزال التنفيذ محل خلاف. وتتفق واشنطن وإسرائيل على الهدف النهائي (نزع سلاح حزب الله، انتشار الجيش، استقرار الحدود)، لكن الخلاف بينهما يتركز حول سرعة التنفيذ والضمانات العملية.

وتشير مصادر عسكرية أميركية إلى أن واشنطن اتجهت مؤخرًا نحو تشدد أكبر، حيث وضعت القيادة المركزية الأميركية “سانتكوم” معايير جديدة بالتنسيق مع الجيش اللبناني، تبدأ بجدولة زمنية مكتوبة تربط بين إعادة انتشار القوات الإسرائيلية والعمليات الأمنية اللبنانية، وتشمل التحقق المستقل من مصادرة الأسلحة وتدمير البنية التحتية لـ”حزب الله”.

ويؤكد دبلوماسيون أميركيون أن تقارب الخطاب اللبناني مع الإطار الأميركي يُعد خطوة مهمة، إلا أن واشنطن ترى أن نجاح لبنان لن يُقاس ببلاغة التصريحات، بل بمدى قدرة الجيش على فرض سلطة الدولة فعليًا. وفي هذا السياق، يعتبر الأميركيون أن تأكيد عون على أن نزع سلاح “حزب الله”، “غير قابل للتفاوض” هو جرس إنذار وليس مصدر طمأنينة، في ظل استمرار الازدواجية بين التصريحات الرسمية والواقع الميداني الذي يمنح “الحزب” نفوذًا فعليًّا.

ومع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل)، تُظهر واشنطن إصرارًا على عدم تكرار إخفاقات الماضي، إذ لم تنجح القوة الدولية في إنهاء الوجود العسكري لـ”حزب الله” جنوب الليطاني رغم قرارات مجلس الأمن. ولهذا تسعى الولايات المتحدة إلى دمج أي قوة مستقبلية ضمن صيغة تضمن الفعالية، وتمنع تحويلها إلى بعثة مراقبة شكلية يسهل على “الحزب” تجاوزها أو ترهيبها.

وفي ضوء التحركات الدبلوماسية في نيويورك، تؤكد واشنطن أن دعم السيادة اللبنانية، وأمن إسرائيل، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ووجود جيش لبناني قادر، وإعادة الإعمار، والتوصل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، كلها أهداف مترابطة لا يمكن تحقيق أي منها بتجاهل قضية سلاح “حزب الله” أو اعتبارها ثانوية يمكن تأجيلها.

وقال مصدر في الخارجية الأميركية لـ”نداء الوطن” إنه “لا يمكن للاتفاق الأمني بين لبنان وإسرائيل أن يكون مجرد ترتيب موقت يخفي فيه “حزب الله” أسلحته، ويغيّر تسمية وأهداف الأنفاق، وينتظر انحسار الضغوط الدولية”. فالسلام، من وجهة نظر واشنطن، “لن يبدأ حين توقع بيروت وتل أبيب وثيقة جديدة، بل سيبدأ عندما يفقد حزب الله استقلاليته العسكرية التي تمنحه سلطة تقرير مصير تلك الوثيقة، بقاءً أو زوالا”.

خلاصة القول، تتجه السياسة الأميركية تجاه لبنان نحو نهج واقعي قائم على مبدأي “الاشتراط” و”التحقق”، حيث لن تحظى بيروت بثقة أو دعم فعلي من واشنطن ما لم تُثبت عبر إجراءات ملموسة وقابلة للتنفيذ قدرتها على مواجهة استقلالية “حزب الله” العسكرية وفرض سلطة الدولة عمليًا.

واشنطن تعتمد سياسة “الاشتراط والتحقق” مع لبنان

الكاتب: امل شموني | المصدر: نداء الوطن
22 أيلول 2026

تزامنًا مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تبرز مقاربة جديدة لدى واشنطن تجاه لبنان، تتسم بتشكيك عميق في مدى جدية بيروت في نزع سلاح “حزب الله”. فرغم الخطاب الرسمي للرئيس جوزاف عون حول بسط سلطة الدولة ونشر الجيش وإعادة الانتشار الإسرائيلي التدريجي، ترى مصادر الإدارة الأميركية أن هذه التصريحات “تفتقر إلى المصداقية الكافية”، وتطرح تساؤلات جوهرية في الأوساط السياسية الأميركية حول قدرة لبنان فعليًا على فرض سيادته على “حزب الله” أم أن الأمر لا يعدو كونه جولة جديدة من الاستعراض الدبلوماسي تمنح “الحزب” المدعوم من إيران فرصة لإعادة تثبيت نفوذه.

وتعتبر واشنطن أن استعداد عون للحديث العلني عن ثلاث مقترحات رئيسية – هي السعي إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، والاعتراف بتعارض وجود “حزب الله” مع سلطة الدولة، وتسمية الجيش سلطة شرعية في الجنوب – يمثل تحولا ملحوظًا في الخطاب اللبناني. وتلفت إلى تصريحاته قبيل اجتماع باريس حول اتفاق أمني مع إسرائيل بهدف إنهاء حالة العداء ونشر الجيش على الحدود، وصولا إلى طرح فكرة اتفاق سلام مستقبلي.

وتشير واشنطن إلى أن هذا التحول في الخطاب اللبناني مفيد من الناحية الاستراتيجية، لكنها تشدد في الوقت ذاته على أن المسألة الجوهرية تكمن في التنفيذ الفعلي لهذه التصريحات، أي ما إذا كانت الدولة قادرة فعلا على بسط سلطتها العسكرية الكاملة على الأرض.

وتشير مصادر أميركية إلى أن “صيغة الإطار الثلاثي” جاءت بهدف كسر حلقة الوعود غير المنفذة، إذ ترى واشنطن أن هذه العناصر مترابطة ضمن عملية انتقال أمني شاملة. وتصر إسرائيل من جانبها على أن انسحابها سيكون مشروطًا بنزع سلاح “حزب الله” ومنع عودته العسكرية إلى الجنوب.

ويرى دبلوماسيون أميركيون أن النهج اللبناني يُقدّم العربة على الحصان، إذ يصور الانسحاب الإسرائيلي كشرط مسبق لنشر الجيش ونزع سلاح “حزب الله”. ويؤكد مسؤول أميركي أن الخلاف هنا ليس شكليًا، فبينما يعتبر الجيش اللبناني نظريًا الركيزة الأساسية لحماية السيادة، إلا أنه “عمليًا مؤسسة مخترقة وتعتمد بشكل كبير على الدعم الدولي، ولا توجد مؤشرات فعلية حول استعداد الجيش لتنفيذ عمليات تفتيش أو مواجهة مباشرة مع حزب الله في الجنوب”.

وهذا هو جوهر الشكوك الأميركية: فرغم تأكيد عون على أن الجيش يجب أن يكون السلطة في الجنوب، فإن الحكومة اللبنانية تعتمد “خطابًا مبهمًا وتروّج لنزع السلاح من دون مواجهة مباشرة، ما يثير مخاوف واشنطن من أن تتحول هذه العملية إلى مسألة سياسية تفاوضية وطويلة الأمد، بدلا من التزام أمني واضح ونتائج قابلة للقياس”.

أما الموقف الإسرائيلي، فيبدو أكثر تشددًا من الأميركي، حيث تعتبر تل أبيب أن تصريحات عون “مفيدة لكنها غير كافية على الإطلاق”. وتؤكد مصادر أميركية قريبة من إسرائيل أن المسؤولية تقع بالكامل على لبنان لإثبات أن “حزب الله” لا يستطيع نقل الأسلحة أو إعادة حشد عناصره في الجنوب بعد أي انتشار رمزي للجيش، وأن تقاعس لبنان عن ذلك سيُعطي الحزب فرصة لتجاوز الضغوط الدبلوماسية.

بعد باريس… وعود أكثر

بعد مؤتمر باريس، رأت مصادر واشنطن أن تصريحات عون بشأن تنفيذ الاتفاقيات لا تتعدى كونها إجراءات شكلية، إذ تعثر اتفاق حزيران ولا يزال التنفيذ محل خلاف. وتتفق واشنطن وإسرائيل على الهدف النهائي (نزع سلاح حزب الله، انتشار الجيش، استقرار الحدود)، لكن الخلاف بينهما يتركز حول سرعة التنفيذ والضمانات العملية.

وتشير مصادر عسكرية أميركية إلى أن واشنطن اتجهت مؤخرًا نحو تشدد أكبر، حيث وضعت القيادة المركزية الأميركية “سانتكوم” معايير جديدة بالتنسيق مع الجيش اللبناني، تبدأ بجدولة زمنية مكتوبة تربط بين إعادة انتشار القوات الإسرائيلية والعمليات الأمنية اللبنانية، وتشمل التحقق المستقل من مصادرة الأسلحة وتدمير البنية التحتية لـ”حزب الله”.

ويؤكد دبلوماسيون أميركيون أن تقارب الخطاب اللبناني مع الإطار الأميركي يُعد خطوة مهمة، إلا أن واشنطن ترى أن نجاح لبنان لن يُقاس ببلاغة التصريحات، بل بمدى قدرة الجيش على فرض سلطة الدولة فعليًا. وفي هذا السياق، يعتبر الأميركيون أن تأكيد عون على أن نزع سلاح “حزب الله”، “غير قابل للتفاوض” هو جرس إنذار وليس مصدر طمأنينة، في ظل استمرار الازدواجية بين التصريحات الرسمية والواقع الميداني الذي يمنح “الحزب” نفوذًا فعليًّا.

ومع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل)، تُظهر واشنطن إصرارًا على عدم تكرار إخفاقات الماضي، إذ لم تنجح القوة الدولية في إنهاء الوجود العسكري لـ”حزب الله” جنوب الليطاني رغم قرارات مجلس الأمن. ولهذا تسعى الولايات المتحدة إلى دمج أي قوة مستقبلية ضمن صيغة تضمن الفعالية، وتمنع تحويلها إلى بعثة مراقبة شكلية يسهل على “الحزب” تجاوزها أو ترهيبها.

وفي ضوء التحركات الدبلوماسية في نيويورك، تؤكد واشنطن أن دعم السيادة اللبنانية، وأمن إسرائيل، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ووجود جيش لبناني قادر، وإعادة الإعمار، والتوصل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، كلها أهداف مترابطة لا يمكن تحقيق أي منها بتجاهل قضية سلاح “حزب الله” أو اعتبارها ثانوية يمكن تأجيلها.

وقال مصدر في الخارجية الأميركية لـ”نداء الوطن” إنه “لا يمكن للاتفاق الأمني بين لبنان وإسرائيل أن يكون مجرد ترتيب موقت يخفي فيه “حزب الله” أسلحته، ويغيّر تسمية وأهداف الأنفاق، وينتظر انحسار الضغوط الدولية”. فالسلام، من وجهة نظر واشنطن، “لن يبدأ حين توقع بيروت وتل أبيب وثيقة جديدة، بل سيبدأ عندما يفقد حزب الله استقلاليته العسكرية التي تمنحه سلطة تقرير مصير تلك الوثيقة، بقاءً أو زوالا”.

خلاصة القول، تتجه السياسة الأميركية تجاه لبنان نحو نهج واقعي قائم على مبدأي “الاشتراط” و”التحقق”، حيث لن تحظى بيروت بثقة أو دعم فعلي من واشنطن ما لم تُثبت عبر إجراءات ملموسة وقابلة للتنفيذ قدرتها على مواجهة استقلالية “حزب الله” العسكرية وفرض سلطة الدولة عمليًا.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار