أي مفاوضات قبل الانتخابات: “المسرح” للرهانات الغامضة!

لا تقلِّل المراجع الديبلوماسية والسياسية من حجم مخاوفها من الفوضى السائدة في المنطقة، والتحالفات الظرفية الهشة التي وُلِدت في الفترة الأخيرة، بطريقة أوحت بتعدُّد الاستحقاقات القصيرة المدى، بعيداً من تلك التي تحاكي شبيهاتها طويلة الأمد. وهو ما ألقى بمزيد من الأعباء الثقيلة على الساحة اللبنانية. وغلّف الغموض كل ما هو متوقع على مسار “واشنطن – روما”، وهو ما أبقى السباق قائماً بين الخيارات الديبلوماسية والرهانات العسكرية الغامضة، لئلّا يُقال الفاشلة. وهذه بعض المؤشرات.
عند تبريرها لهذه المخاوف تتوسع المراجع الديبلوماسية والسياسية في حديثها عن التطوُّرات المتسارعة على الساحات الدولية والإقليمية والمحلية، بطريقة توحي بحجم الإرباك القائم على مستوى الأحلاف التي تخوض مجموعة الحروب في أكثر من منطقة في العالم، في وقت لا يمكنها أن تخفي ما بينها من استراتيجيات مختلفة، وإن كانت قد تلاقت على خوض هذه الحرب أو تلك. ذلك أنّ المصالح تختلف وتتبدَّل بين مرحلة وأخرى، وهو ما أوحت به مجموعة التحالفات الإقليمية الجديدة التي كانت تشكِّك بقدراتها التقليدية التي مرَّت سنوات عدة على قيامها. ذلك أنّ ما أصاب بعضها من وهن، دفع القوى الإقليمية إلى البحث عن تحالفات جديدة، ما لبثت أن تعدّدت إلى درجة عكست ما بين أطرافها من مصالح متناقضة لم تسمح بالمضي في اعتمادها طويلاً.
ليس في ما سبق ما يدعو إلى الاستغراب، متى تمّ النظر إلى الأحلاف الدولية التي اهتزّت أو تهاوت، ولعلّ ما أصاب الحلف الأطلسي قد يكون أبرز مظاهر التفكّك الذي أصابه منذ تأسيسه عام 1949. وإن عاد البعض إلى بعض المحطات الماضية، لا يمكنه تجاهل مواقف أكبر الدول التي تتزعّمه. وهل نسي البعض تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لبعض رؤساء دول الحلف الأطلسي، بأنّ بلاده لم تعُد قادرة على حمايتها من دون أي كلفة تخفِّف الأعباء الملقاة على دولته. وإن شمل البحث حلفاً دولياً آخر، ينتقل البحث عن مصير “حلف وارسو” الذي وُلد عام 1955، من رَحَم ما أنتجته “الحرب الباردة” من توتر خفي بقيادة الاتحاد السوفياتي، لرعاية أوضاع الدول الشيوعية، لكنّه انحلّ من دون أي إعلان رسمي عام 1991 بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي، إثر سياسة “البريسترويكا” التي اعتمدها آخر الرؤساء السوفيات ميخائيل غورباتشوف، قبل 6 سنوات من أن يلفظ الحلف أنفاسه.
وإن تعمَّق البحث حول مصير أحلاف إقليمية، لا يمكن أن ننسى “حلف الريو” الذي أُعلن عنه عام 1947 على خلفية “معاهدة المساعدة المتبادلة بين الدول الأميركية” التي قالت باتفاقية خاصة للدفاع المشترك بين دول أميركا اللاتينية والولايات المتحدة، وتلاشت أعماله تلقائياً قبل نهاية القرن الماضي. ويشمل البحث حلف “جنوب شرق آسيا” الذي تأسس عام 1954، بهدف وقف زحف الشيوعية، وإن نجح في تقليص انتشارها فقد حُلَّ في عام 1977 بعد أن سيطرت قوى خارجية أخرى على اقتصاديات دوله. وتُضاف إلى هذه المجموعات كيانات أخرى، بعدما أطلّت مجموعتا “بريكس” و”منظمة شانغهاي للتعاون” اللتَان اعتمدتا نموذجاً اقتصادياً في مواجهة القوى الغربية عموماً والأميركية خصوصاً، بحثاً عن نوع من الاستقرار الإقليمي، وقد ترنّحت مشاريعها بعد أن تقدّمت بعض دولها في المواجهة الاقتصادية مع خصومها، ولم تُظهِر دولها أي تعاون مشترك بفعل المنافسة بين أعضائها وحجم الفوارق في قدراتها.
وإلى هذه النماذج، يمكن الإشارة إلى ما أصاب الأمم المتحدة وبعض المنظمات الإقليمية، مثل “جامعة الدول العربية” ودول “مجلس التعاون الخليجي” من وهن وشلل، لتشكّل نموذجاً لفشل التجارب الأممية والإقليمية، وقد تعدَّدت الحروب في ما بين دولها، وتناسى أعضاؤها الاتفاقيات المشتركة الدفاعية منها قبل الاقتصادية والمالية. إلى أن حاول البعض استبدالها بتفاهمات جديدة ثنائية وثلاثية ورباعية، فكانت “وثيقة بكين” بين الرياض وطهران التي قيل إنّها لتصفير المشاكل بين السعودية ودول محيطة بها، قبل أن يتبادل طرفاها الاتهامات بعد الحرب في غزة وعلى إيران وما بينهما حرب اليمن. فوُلِدت تفاهمات أخرى بدأت بـ”الرباعية السنّية” التي جمعت الرياض مع القاهرة وأنقرة وإسلام آباد منتصف العام 2025، وتلاشت مع فشل مساعيها في إنهاء حرب إيران وتطويق ذيول حرب غزة، فوُلِد “حلف مكة” الدفاعي في 8 آب الماضي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، من دون أن يكون له أثر غير ديبلوماسي في الحرب التي تخوضها السعودية في اليمن وما تعرَّضت له منشآتها النفطية والسكنية من قصف ثقيل.
على هذه الخلفيات، يبدو البحث عن حل للوضع في جنوب لبنان معقّداً وبعيد المدى، على الأقل في ظل ما هو قائم من أحلاف إقليمية ودولية موقتة فاقدة للفاعلية. في وقت تتفاعل فيه الأزمات الداخلية وتتناسل، إزاء ما هو منتظر من استحقاقات قريبة عند ربط أي موعد لاستئناف المفاوضات رهن انتخابات واشنطن وتل أبيب التشريعية. وبدل أن يتلاقى اللبنانيّون على خريطة طريق لبنانية لسحب أزماته من لائحة القضايا المعلّقة على تفاهمات إقليمية ودولية هشة ومعقّدة، هناك مَن يراهن على تجميد مفاوضات واشنطن وروما بشقَيها العسكري والسياسي. ولا يرغب بأن يرى الجيش اللبناني ناجحاً في إدارة أي من “المناطق النموذجية” التي اقترحها لبنان. وهو يراهن على انتصارات حوثية في اليمن بالنيابة عن إيران التي يخوض نظامها الإسلامي حرباً وجودية. معتقداً أنّ ذلك سيقود إلى إعادة عقارب الزمن إلى الوراء في لبنان وسوريا والعراق وغزة، ولتولد حينها أي مبادرة تحمي “سلاحاً غير شرعي”، بعد أن ثَبت فقدان أدواره الداخلية بعد الإقليمية، ولم يأتِ سوى بالويلات على بيئته واللبنانيّين وتجدُّد الاحتلال، مع استحالة تسييله في الداخل اللبناني لقاء مكاسب في الإدارة والسلطة والمؤسسات، على أنقاض بلد يحتاج إلى عقود من الزمن لإعادة إعمار ما تهدَّم، إن أزيح الاحتلال عن أرضه.
أي مفاوضات قبل الانتخابات: “المسرح” للرهانات الغامضة!

لا تقلِّل المراجع الديبلوماسية والسياسية من حجم مخاوفها من الفوضى السائدة في المنطقة، والتحالفات الظرفية الهشة التي وُلِدت في الفترة الأخيرة، بطريقة أوحت بتعدُّد الاستحقاقات القصيرة المدى، بعيداً من تلك التي تحاكي شبيهاتها طويلة الأمد. وهو ما ألقى بمزيد من الأعباء الثقيلة على الساحة اللبنانية. وغلّف الغموض كل ما هو متوقع على مسار “واشنطن – روما”، وهو ما أبقى السباق قائماً بين الخيارات الديبلوماسية والرهانات العسكرية الغامضة، لئلّا يُقال الفاشلة. وهذه بعض المؤشرات.
عند تبريرها لهذه المخاوف تتوسع المراجع الديبلوماسية والسياسية في حديثها عن التطوُّرات المتسارعة على الساحات الدولية والإقليمية والمحلية، بطريقة توحي بحجم الإرباك القائم على مستوى الأحلاف التي تخوض مجموعة الحروب في أكثر من منطقة في العالم، في وقت لا يمكنها أن تخفي ما بينها من استراتيجيات مختلفة، وإن كانت قد تلاقت على خوض هذه الحرب أو تلك. ذلك أنّ المصالح تختلف وتتبدَّل بين مرحلة وأخرى، وهو ما أوحت به مجموعة التحالفات الإقليمية الجديدة التي كانت تشكِّك بقدراتها التقليدية التي مرَّت سنوات عدة على قيامها. ذلك أنّ ما أصاب بعضها من وهن، دفع القوى الإقليمية إلى البحث عن تحالفات جديدة، ما لبثت أن تعدّدت إلى درجة عكست ما بين أطرافها من مصالح متناقضة لم تسمح بالمضي في اعتمادها طويلاً.
ليس في ما سبق ما يدعو إلى الاستغراب، متى تمّ النظر إلى الأحلاف الدولية التي اهتزّت أو تهاوت، ولعلّ ما أصاب الحلف الأطلسي قد يكون أبرز مظاهر التفكّك الذي أصابه منذ تأسيسه عام 1949. وإن عاد البعض إلى بعض المحطات الماضية، لا يمكنه تجاهل مواقف أكبر الدول التي تتزعّمه. وهل نسي البعض تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لبعض رؤساء دول الحلف الأطلسي، بأنّ بلاده لم تعُد قادرة على حمايتها من دون أي كلفة تخفِّف الأعباء الملقاة على دولته. وإن شمل البحث حلفاً دولياً آخر، ينتقل البحث عن مصير “حلف وارسو” الذي وُلد عام 1955، من رَحَم ما أنتجته “الحرب الباردة” من توتر خفي بقيادة الاتحاد السوفياتي، لرعاية أوضاع الدول الشيوعية، لكنّه انحلّ من دون أي إعلان رسمي عام 1991 بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي، إثر سياسة “البريسترويكا” التي اعتمدها آخر الرؤساء السوفيات ميخائيل غورباتشوف، قبل 6 سنوات من أن يلفظ الحلف أنفاسه.
وإن تعمَّق البحث حول مصير أحلاف إقليمية، لا يمكن أن ننسى “حلف الريو” الذي أُعلن عنه عام 1947 على خلفية “معاهدة المساعدة المتبادلة بين الدول الأميركية” التي قالت باتفاقية خاصة للدفاع المشترك بين دول أميركا اللاتينية والولايات المتحدة، وتلاشت أعماله تلقائياً قبل نهاية القرن الماضي. ويشمل البحث حلف “جنوب شرق آسيا” الذي تأسس عام 1954، بهدف وقف زحف الشيوعية، وإن نجح في تقليص انتشارها فقد حُلَّ في عام 1977 بعد أن سيطرت قوى خارجية أخرى على اقتصاديات دوله. وتُضاف إلى هذه المجموعات كيانات أخرى، بعدما أطلّت مجموعتا “بريكس” و”منظمة شانغهاي للتعاون” اللتَان اعتمدتا نموذجاً اقتصادياً في مواجهة القوى الغربية عموماً والأميركية خصوصاً، بحثاً عن نوع من الاستقرار الإقليمي، وقد ترنّحت مشاريعها بعد أن تقدّمت بعض دولها في المواجهة الاقتصادية مع خصومها، ولم تُظهِر دولها أي تعاون مشترك بفعل المنافسة بين أعضائها وحجم الفوارق في قدراتها.
وإلى هذه النماذج، يمكن الإشارة إلى ما أصاب الأمم المتحدة وبعض المنظمات الإقليمية، مثل “جامعة الدول العربية” ودول “مجلس التعاون الخليجي” من وهن وشلل، لتشكّل نموذجاً لفشل التجارب الأممية والإقليمية، وقد تعدَّدت الحروب في ما بين دولها، وتناسى أعضاؤها الاتفاقيات المشتركة الدفاعية منها قبل الاقتصادية والمالية. إلى أن حاول البعض استبدالها بتفاهمات جديدة ثنائية وثلاثية ورباعية، فكانت “وثيقة بكين” بين الرياض وطهران التي قيل إنّها لتصفير المشاكل بين السعودية ودول محيطة بها، قبل أن يتبادل طرفاها الاتهامات بعد الحرب في غزة وعلى إيران وما بينهما حرب اليمن. فوُلِدت تفاهمات أخرى بدأت بـ”الرباعية السنّية” التي جمعت الرياض مع القاهرة وأنقرة وإسلام آباد منتصف العام 2025، وتلاشت مع فشل مساعيها في إنهاء حرب إيران وتطويق ذيول حرب غزة، فوُلِد “حلف مكة” الدفاعي في 8 آب الماضي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، من دون أن يكون له أثر غير ديبلوماسي في الحرب التي تخوضها السعودية في اليمن وما تعرَّضت له منشآتها النفطية والسكنية من قصف ثقيل.
على هذه الخلفيات، يبدو البحث عن حل للوضع في جنوب لبنان معقّداً وبعيد المدى، على الأقل في ظل ما هو قائم من أحلاف إقليمية ودولية موقتة فاقدة للفاعلية. في وقت تتفاعل فيه الأزمات الداخلية وتتناسل، إزاء ما هو منتظر من استحقاقات قريبة عند ربط أي موعد لاستئناف المفاوضات رهن انتخابات واشنطن وتل أبيب التشريعية. وبدل أن يتلاقى اللبنانيّون على خريطة طريق لبنانية لسحب أزماته من لائحة القضايا المعلّقة على تفاهمات إقليمية ودولية هشة ومعقّدة، هناك مَن يراهن على تجميد مفاوضات واشنطن وروما بشقَيها العسكري والسياسي. ولا يرغب بأن يرى الجيش اللبناني ناجحاً في إدارة أي من “المناطق النموذجية” التي اقترحها لبنان. وهو يراهن على انتصارات حوثية في اليمن بالنيابة عن إيران التي يخوض نظامها الإسلامي حرباً وجودية. معتقداً أنّ ذلك سيقود إلى إعادة عقارب الزمن إلى الوراء في لبنان وسوريا والعراق وغزة، ولتولد حينها أي مبادرة تحمي “سلاحاً غير شرعي”، بعد أن ثَبت فقدان أدواره الداخلية بعد الإقليمية، ولم يأتِ سوى بالويلات على بيئته واللبنانيّين وتجدُّد الاحتلال، مع استحالة تسييله في الداخل اللبناني لقاء مكاسب في الإدارة والسلطة والمؤسسات، على أنقاض بلد يحتاج إلى عقود من الزمن لإعادة إعمار ما تهدَّم، إن أزيح الاحتلال عن أرضه.









