أيلول يجمع بين بشير الجميّل وحسن نصرالله!

يكاد يكون أيلول أكثر الأشهر كرهًا وقدسية في آن لدى اللبنانيين، ففيه اغتيل البشير والسيّد. رجلان طبعا مرحلة من تاريخ لبنان وشخصيّتان لامستا التأليه كلٌّ في طائفته. واذا كان 14 أيلول عام 1982 تاريخ تغيير وجه لبنان باغتيال رئيس جمهوريّته بشير الجميّل، فإن 27 أيلول 2024 تاريخ تغيير وجه المنطقة وكسر العمود الفقري لمحور “الممانعة” باغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصرالله.
الرجلان نقيضان في السياسة، تجمعهما الهُويّة اللبنانية، لكنّ البشير لبنانيٌّ صرف، والسيّد إيرانيّ الهوى. وبين الشخصيّتين الكثير من أوجه الشبه بدءًا من الكاريزما وصولا إلى الخطابة مرورًا بصفات القيادة والقدرة على إقناع الخصوم وترهيب الأعداء. واذا كان ابن بكفيّا الأبرز في عصره، فإن أبا هادي كان ومن دون أدنى شكّ الأبرز في عصره والممسك ولو بمساعدة سوريا وتكليف إيران بزمام الأمور، يعيّن من يشاء من رئيس الجمهورية حتى مأموري الأحراج ومن دون إحراج، ويهدّد من لا يجاريه في مواقفه السياسية ويغدق بالمال على من يقف في صفّه مهما كان دينه، و”مار مخايل” شاهد على ما أقول.
تسيّد نصرالله المشهد والساحة، فكان الحاكم بأمره واستطاع تطويع الصوت الشيعي الآخر وبمساعدة إيرانية سورية، فبات رئيس حركة “أمل” النائب نبيه برّي مطواعًا في قبضة إيران ومن ثمّ انتقل إلى الملعب السنيّ الساحة الأصعب يومها بوجود رئيس الحكومة رفيق الحريري، القادر على رفض الإملاءات والطامح إلى جعل لبنان لؤلؤة البحر الأبيض المتوسّط، فاستطاع نصرالله إقناع الحريري وبمساعدة سوريا وضغط إيران أيضًا على أن يتولّى إعمار بيروت وتطوير الاقتصاد، ويطلق في المقابل يد “حزب الله” في مقاومة إسرائيل، حاصلا على صكّ اعتراف رسمي من الحكومة اللبنانية بثلاثية ظلّت ذهبية حتى وصول رئيس الحكومة نواف سلام إلى السراي.
ومع خضوع الحريري، لم يكن في الداخل من يقف في وجه نصرالله بين “حكيم” في السجن وحزب “قوّات” محظور وملاحق، و”جنرالٍ” في المنفى، ورئيس حزب اشتراكيّ اشترك مع السوري والإيرانيّ في قضم السيادة مقابل حصّة الأسد للدروز. فصال وجال السيّد حاكمًا بأمره، موسّعا سيطرته على الدولة العميقة ومتدخّلا بالمباشر أو عبر أعوانه في التعيينات الإدارية للدولة اللبنانية، وفي التشكيلات القضائية والأمينة والمدراء العامّين والوزراء والتحالفات الانتخابية وأسماء المرشّحين وفي انتخابات البلديات والمخاتير .
لم يترك “حزب الله” بابًا إلا وطرقه في سبيل إحكام قبضته على الدولة. ومع السيطرة على لبنان الإداريّ ولبنان السياسيّ أوكل نصرالله مهام الإطباق على ما تبقى للأخ الأكبر، في وقت انصرف إلى تعزيز ترسانة “حزب الله” العسكرية تحت شعار حماية لبنان ولأهداف اتّضح فيما بعد بأنها مرتبطة بمشروع إيران الدينيّ وبتوكيل مباشر من الوليّ الفقيه. فبدأت مرحلة حفر الأنفاق واستباحة الأملاك الخاصة والعامة وعلى مرأى من الدولة اللبنانية، مسلّحًا بخطاب ضدّ إسرائيل وبقدرة على إرباك حساباتها العسكرية ما زاد من قوّته ومصداقيّته، فكان يهدّد وينفّذ يعد ويفي يقول ويصدق، ما زاد من شعبيّته على مستوى العالم العربي، سرعان ما بدأت هذه الشعبية بالانحسار بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وما سبقها وتبعها من اتهامات مباشرة إلى “حزب الله” لم يكن آخرها حكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
صورة نصرالله بالذات بدأت تتشوّه منذ 14 شباط 2005 في أعين اللبنانيين بأكثريتهم الساحقة، وما ثورة 14 آذار إلا نتيجة انفجار الشارع اللبناني بوجه نصرالله وسياسته وتحالفه مع النظام السوري الأسدي يومها. بعد هذا التاريخ بدأت مرحلة التراجع واذا كانت حرب تموز 2006 قد أعادت بريق “حزب الله” عسكريًا وسياسيًا، فإن أحداث 7 أيار 2008، عادت لتضع “حزب الله” في موقع المُتّهم والإرهابيّ وقاتل البيروتيين. لكنّ حسن نصرالله كان أكبر من كل هذه الحملات وواجه بالكاريزما وبالسيطرة المطلقة على الشارع الشيعي في لبنان والعالم كل الحملات وكل الاتهامات ودحضها في الكثير من الأحيان، فسيّس المحكمة الدولية واستخفّ بقراراتها ورفض تسليم المتّهمين من قبلها. ووصل به جنون العظمة إلى دخول سوريا ومساعدة نظام بشار الأسد على الصمود وقتل من السوريين المئات، لكنّه انتصر وأبقى الأسد رئيسًا لسوريا. ولولا تدخله المباشر وبإجماع الغرب والشرق لكان الأسد سقط قبل سنين وسنين.
بقيَ نصرالله الأقوى لبنانيًّا وصار الأهم على مستوى محور “الممانعة” يُفتي ويقرر من دون العودة حتى إلى الوليّ الفقيه، وعاد إلى لبنان ليعيد إحكام السيطرة، بعدما بدأت براعم السيادة تخرج من أكفان الشهداء، ففرض ميشال عون رئيسًا للجمهورية وأعاد سعد الحريري رئيسًا للحكومة وكرّس التلت المعطّل في الحكومة، وأطلق يد المحكمة العسكرية في مواجهة السياديين، وراح يتوعد إسرائيل تارة بإزالتها من الوجود وطورًا بتدمير تل أبيب والمصانع.
وما ساعد نصرالله على المغامرة هي الخطة الإسرائيلية المُحكمة في تسويق خوف إسرائيليّ من قدرات “حزب الله” ومن خطابات أمينه العام، فكان يسكر بإخافته الإسرائيليين في وقت كانت إسرائيل تُرسل إليه “البيجرز” وتخطط لحرب التكنولوجيا والـ AI . يومها “أكل الطعم” حسن نصرالله وكانت بداية نهايته وانتظرته إسرائيل عند مفرق غزّة، حيث غالى بقدراته وساند يحيى السنوار في معركة الانتحار.
هي رحلة قائد حكم وتحكّم بلبنان أكثر من ثلاثين عامًا وانتهى به الأمر ضحية خيارات غير لبنانية كلّفت لبنان والبيئة الشيعية آلاف الشهداء. نستذكره مع نبذة صادقة عن تاريخه الطويل باختصار مدروس ونترحّم عليه، فنحن كمعارضين له، لم نكن نتمنى موته قتلا بل كنا ننتظر عودته إلى لبنانيته، ليتمثّل بالبشير الذي سبقه في الشهر نفسه وباغتيال غير لبناني أيضًا.
أيلول يجمع بين بشير الجميّل وحسن نصرالله!

يكاد يكون أيلول أكثر الأشهر كرهًا وقدسية في آن لدى اللبنانيين، ففيه اغتيل البشير والسيّد. رجلان طبعا مرحلة من تاريخ لبنان وشخصيّتان لامستا التأليه كلٌّ في طائفته. واذا كان 14 أيلول عام 1982 تاريخ تغيير وجه لبنان باغتيال رئيس جمهوريّته بشير الجميّل، فإن 27 أيلول 2024 تاريخ تغيير وجه المنطقة وكسر العمود الفقري لمحور “الممانعة” باغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصرالله.
الرجلان نقيضان في السياسة، تجمعهما الهُويّة اللبنانية، لكنّ البشير لبنانيٌّ صرف، والسيّد إيرانيّ الهوى. وبين الشخصيّتين الكثير من أوجه الشبه بدءًا من الكاريزما وصولا إلى الخطابة مرورًا بصفات القيادة والقدرة على إقناع الخصوم وترهيب الأعداء. واذا كان ابن بكفيّا الأبرز في عصره، فإن أبا هادي كان ومن دون أدنى شكّ الأبرز في عصره والممسك ولو بمساعدة سوريا وتكليف إيران بزمام الأمور، يعيّن من يشاء من رئيس الجمهورية حتى مأموري الأحراج ومن دون إحراج، ويهدّد من لا يجاريه في مواقفه السياسية ويغدق بالمال على من يقف في صفّه مهما كان دينه، و”مار مخايل” شاهد على ما أقول.
تسيّد نصرالله المشهد والساحة، فكان الحاكم بأمره واستطاع تطويع الصوت الشيعي الآخر وبمساعدة إيرانية سورية، فبات رئيس حركة “أمل” النائب نبيه برّي مطواعًا في قبضة إيران ومن ثمّ انتقل إلى الملعب السنيّ الساحة الأصعب يومها بوجود رئيس الحكومة رفيق الحريري، القادر على رفض الإملاءات والطامح إلى جعل لبنان لؤلؤة البحر الأبيض المتوسّط، فاستطاع نصرالله إقناع الحريري وبمساعدة سوريا وضغط إيران أيضًا على أن يتولّى إعمار بيروت وتطوير الاقتصاد، ويطلق في المقابل يد “حزب الله” في مقاومة إسرائيل، حاصلا على صكّ اعتراف رسمي من الحكومة اللبنانية بثلاثية ظلّت ذهبية حتى وصول رئيس الحكومة نواف سلام إلى السراي.
ومع خضوع الحريري، لم يكن في الداخل من يقف في وجه نصرالله بين “حكيم” في السجن وحزب “قوّات” محظور وملاحق، و”جنرالٍ” في المنفى، ورئيس حزب اشتراكيّ اشترك مع السوري والإيرانيّ في قضم السيادة مقابل حصّة الأسد للدروز. فصال وجال السيّد حاكمًا بأمره، موسّعا سيطرته على الدولة العميقة ومتدخّلا بالمباشر أو عبر أعوانه في التعيينات الإدارية للدولة اللبنانية، وفي التشكيلات القضائية والأمينة والمدراء العامّين والوزراء والتحالفات الانتخابية وأسماء المرشّحين وفي انتخابات البلديات والمخاتير .
لم يترك “حزب الله” بابًا إلا وطرقه في سبيل إحكام قبضته على الدولة. ومع السيطرة على لبنان الإداريّ ولبنان السياسيّ أوكل نصرالله مهام الإطباق على ما تبقى للأخ الأكبر، في وقت انصرف إلى تعزيز ترسانة “حزب الله” العسكرية تحت شعار حماية لبنان ولأهداف اتّضح فيما بعد بأنها مرتبطة بمشروع إيران الدينيّ وبتوكيل مباشر من الوليّ الفقيه. فبدأت مرحلة حفر الأنفاق واستباحة الأملاك الخاصة والعامة وعلى مرأى من الدولة اللبنانية، مسلّحًا بخطاب ضدّ إسرائيل وبقدرة على إرباك حساباتها العسكرية ما زاد من قوّته ومصداقيّته، فكان يهدّد وينفّذ يعد ويفي يقول ويصدق، ما زاد من شعبيّته على مستوى العالم العربي، سرعان ما بدأت هذه الشعبية بالانحسار بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وما سبقها وتبعها من اتهامات مباشرة إلى “حزب الله” لم يكن آخرها حكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
صورة نصرالله بالذات بدأت تتشوّه منذ 14 شباط 2005 في أعين اللبنانيين بأكثريتهم الساحقة، وما ثورة 14 آذار إلا نتيجة انفجار الشارع اللبناني بوجه نصرالله وسياسته وتحالفه مع النظام السوري الأسدي يومها. بعد هذا التاريخ بدأت مرحلة التراجع واذا كانت حرب تموز 2006 قد أعادت بريق “حزب الله” عسكريًا وسياسيًا، فإن أحداث 7 أيار 2008، عادت لتضع “حزب الله” في موقع المُتّهم والإرهابيّ وقاتل البيروتيين. لكنّ حسن نصرالله كان أكبر من كل هذه الحملات وواجه بالكاريزما وبالسيطرة المطلقة على الشارع الشيعي في لبنان والعالم كل الحملات وكل الاتهامات ودحضها في الكثير من الأحيان، فسيّس المحكمة الدولية واستخفّ بقراراتها ورفض تسليم المتّهمين من قبلها. ووصل به جنون العظمة إلى دخول سوريا ومساعدة نظام بشار الأسد على الصمود وقتل من السوريين المئات، لكنّه انتصر وأبقى الأسد رئيسًا لسوريا. ولولا تدخله المباشر وبإجماع الغرب والشرق لكان الأسد سقط قبل سنين وسنين.
بقيَ نصرالله الأقوى لبنانيًّا وصار الأهم على مستوى محور “الممانعة” يُفتي ويقرر من دون العودة حتى إلى الوليّ الفقيه، وعاد إلى لبنان ليعيد إحكام السيطرة، بعدما بدأت براعم السيادة تخرج من أكفان الشهداء، ففرض ميشال عون رئيسًا للجمهورية وأعاد سعد الحريري رئيسًا للحكومة وكرّس التلت المعطّل في الحكومة، وأطلق يد المحكمة العسكرية في مواجهة السياديين، وراح يتوعد إسرائيل تارة بإزالتها من الوجود وطورًا بتدمير تل أبيب والمصانع.
وما ساعد نصرالله على المغامرة هي الخطة الإسرائيلية المُحكمة في تسويق خوف إسرائيليّ من قدرات “حزب الله” ومن خطابات أمينه العام، فكان يسكر بإخافته الإسرائيليين في وقت كانت إسرائيل تُرسل إليه “البيجرز” وتخطط لحرب التكنولوجيا والـ AI . يومها “أكل الطعم” حسن نصرالله وكانت بداية نهايته وانتظرته إسرائيل عند مفرق غزّة، حيث غالى بقدراته وساند يحيى السنوار في معركة الانتحار.
هي رحلة قائد حكم وتحكّم بلبنان أكثر من ثلاثين عامًا وانتهى به الأمر ضحية خيارات غير لبنانية كلّفت لبنان والبيئة الشيعية آلاف الشهداء. نستذكره مع نبذة صادقة عن تاريخه الطويل باختصار مدروس ونترحّم عليه، فنحن كمعارضين له، لم نكن نتمنى موته قتلا بل كنا ننتظر عودته إلى لبنانيته، ليتمثّل بالبشير الذي سبقه في الشهر نفسه وباغتيال غير لبناني أيضًا.








