الحوار مع “الحزب”: لعب في “الوقت الضّايع”

تتوالى الدعوات لتنظيم حوار بين السلطة اللبنانيّة و”الحزب”، ولو أنّه شريك في هذه السلطة، لكنّه يعاملها بشيء من “الانفصاميّة” التي تجعله معها وضدّها في آن واحد. لكنّ “الحزب” غير مكترث لأيّ محاولة لتنظيم العلاقة معه والتقليل من الفجوات التي تقارب حدّ الاختلاف الجذريّ في ما خصّ ملفّ التفاوض المباشر مع إسرائيل… فيهرب إلى الأمام ويطرح شروطاً على شكل قواعد، لا تُثبت إلّا أنّه لا يزال في المربّع الأوّل: رهان مطلق على إيران بحلوّ ظروفها ومرّها.
لم يكن كلام رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمّد رعد عن مراجعة شاملة قام بها “الحزب” وانتهت “بازدياد القناعة بصوابيّة قراره إسناد غزّة وأهلها وبالنتائج المهمّة والمتعدّدة التي تحقّقت”، إلّا تأكيداً موثّقاً على أنّ الظروف الصعبة التي يواجهها “الحزب” منذ تشرين الأوّل 2023، وهي الأقسى منذ العام 2000، لم تدفعه إلى الأخذ بالاعتبار تداعيات الحربين اللتين خاضهما على حساب ناسه ومجتمعه وجنوبه، وبالتالي الأثمان التي سيضطرّ لتكبّدها لإنقاذ هذا الوضع وإعادته إلى سابق عهده.
المراجعة، على قسوة ما أفضت إليه الحربان ميدانيّاً، لم تنتج تغييراً في المقاربة السياسيّة أو الاستراتيجيّة، بل أعادت تكريس القناعة ذاتها التي انطلق منها “الحزب” قبل عامين، وكأنّ النتائج العسكريّة والبشريّة والاقتصاديّة التي تكبّدها لبنان لا تستدعي أيّ إعادة نظر جوهريّة.
يقول بعض من يلتقي مسؤولين في “الحزب” إنّ قيادته الحاليّة تتعاطى مع دعوات الحوار الوطنيّ بوصفها “مضيعة للوقت” لا تقدّم ولا تؤخّر في حساباتها المرتبطة ارتباطاً عضويّاً بمشروع إيران الإقليميّ. بمعنى أنّ أيّ نقاش داخليّ، مهما بلغت جدّيّته، يبقى في نظر “الحزب” تفصيلاً هامشيّاً أمام معادلة إقليميّة أكبر لا يملك هو وحده مفاتيحها.
متهيّب لكلّ الاحتمالات
أكّد الرئيس السابق للحزب التقدّميّ الاشتراكيّ وليد جنبلاط أنّ الحوار “ممكن وضروريّ لـ”الحزب” وللدولة اللبنانيّة على حدّ سواء”، مشيراً إلى أنّ رئيس الجمهوريّة جوزف عون يدعو إليه أيضاً، في محاولة لتقديم نفسه كصوت توفيقيّ يخاطب الطرفين معاً من دون أن يبدو منحازاً لأحدهما على حساب الآخر. قبله دعا النائب عن منطقة بعبدا ألان عون “الحزب” إلى الحضور إلى بعبدا وفتح حوار مع رئيس الجمهوريّة للاتّفاق على خريطة طريق تفعّل المفاوضات وتؤدّي إلى انسحاب إسرائيل وانتشار الجيش على كامل الأراضي اللبنانيّة.
لكنّ “الحزب” وفق عارفيه في مكان آخر. لا تعنيه تلك الدعوات وغير متأثّر بها. عينه على الإقليم وما يمكن لحوار الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مع طهران أن يفعله. يقول هؤلاء إنّ “الحزب” متهيّب لكلّ الاحتمالات، السلبيّة منها والإيجابيّة. بمعنى أنّه جاهز لسيناريو عودة الحرب، على إيران أوّلاً، وقد يكون لبنان ثانياً، ومدرك أنّه في وضع لا يُحسد عليه وأنّ الأكلاف صارت باهظة وقد ترتفع أكثر إذا ما انتهت الأمور بين واشنطن وطهران إلى مزيد من التصعيد العسكريّ، لكنّه غير مستعدّ لإجراء أيّ مراجعة تُترجم عمليّاً على الأرض، بل يفضّل الانتظار والمراقبة، على قاعدة أنّ أيّ تنازل الآن قد يُقرأ كضعف في لحظة إقليميّة بالغة الحساسيّة.
يقول المطّلعون إنّ رئيس الجمهوريّة أبدى استعداده لفتح أبواب الحوار، لكنّ “الحزب” غير متحمّس لدعم أيّ مسار يحمل توقيع قصر بعبدا، ما قد يمنح المفاوضات المباشرة شرعيّة الضاحية الجنوبيّة، وهو أمر لا يتوخّاه “الحزب”. لذا يضع الشروط – العصيّ في هذه الطريق ويسدّ كلّ المنافذ الفرعيّة، رافضاً أيّ وساطة رسميّة قد تُفسَّر لاحقاً على أنّها اعتراف ضمنيّ بتراجعه.
اعتبارات تحول دون حوار جدّيّ
يؤكّد عارفو “الحزب” أنّ أكثر من اعتبار يدفع قيادته إلى التريّث طويلاً قبل إعطاء ضوء أخضر لأيّ نقاش ثنائيّ جدّيّ وعميق مع الرئاسة الأولى. وهذه الاعتبارات هي:
– احتراق جسور الثقة التي تربط بين “الحزب” ومكوّنات السلطة، بدءاً برئاستها الأولى، مروراً بالثانية على الرغم من حساسيّة العلاقة بين جناحَي الثنائيّ الشيعيّ، وصولاً بطبيعة الحال إلى الرئاسة الثالثة. وذلك نتيجة الخيار الحاسم بالسير بالمفاوضات المباشرة.
– رهان “الحزب” بشكل كامل على مسار إسلام آباد، أو بالأحرى على إيران، سواء اضطرّت إلى خوض مواجهة عسكريّة جديدة، أو في حال ذهبت الأمور إلى اتّفاق جديد، وهو ما يأمله “الحزب”. إذ يقول عارفوه إنّ قيادته لا تزال مقتنعة بأنّ العلاقة بين واشنطن وطهران ستنتهي حكماً إلى اتّفاق حتّى لو عبرت من جديد معموديّة مواجهة عسكريّة، لكنّ الاتّفاق حاجة للطرفين، وسيولد في نهاية المطاف. المهمّ صمود النظام الإيرانيّ، إذ إنّ أيّ حساب آخر، بحسب هذه القراءة، يبقى ثانويّاً أمام هذا الاعتبار.
– قناعة الجميع بأنّ المرحلة الراهنة هي فترة انتظارات: انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيليّة، وانتظار نتائج الانتخابات الأميركيّة، إلّا إذا قرّر ترامب شنّ حرب جديدة ضدّ إيران.
من هنا، يبدو الحوار مع “الحزب” لعباً في “الوقت الضايع”: الضاحية الجنوبيّة غير مستعجلة لفتح أوراقها وكشف المستور فيها، فيما السلطة اللبنانيّة غير مستعدّة لتنفيذ أيّ التفاف على قرار التفاوض غير المباشر مع إسرائيل حتّى إنّها غير متحمّسة لخوض جولة ثامنة قبل وضوح الصورة في إسرائيل لجهة قيام حكومة جديدة لديها الاستعداد لتقديم خطوة تنازليّة في الجنوب، لكي لا تعلق المفاوضات في حلقة مقفلة وقد يتم عقد اجتماع عسكري- أمني في هذه الفترة الفاصلة.
الحوار مع “الحزب”: لعب في “الوقت الضّايع”

تتوالى الدعوات لتنظيم حوار بين السلطة اللبنانيّة و”الحزب”، ولو أنّه شريك في هذه السلطة، لكنّه يعاملها بشيء من “الانفصاميّة” التي تجعله معها وضدّها في آن واحد. لكنّ “الحزب” غير مكترث لأيّ محاولة لتنظيم العلاقة معه والتقليل من الفجوات التي تقارب حدّ الاختلاف الجذريّ في ما خصّ ملفّ التفاوض المباشر مع إسرائيل… فيهرب إلى الأمام ويطرح شروطاً على شكل قواعد، لا تُثبت إلّا أنّه لا يزال في المربّع الأوّل: رهان مطلق على إيران بحلوّ ظروفها ومرّها.
لم يكن كلام رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمّد رعد عن مراجعة شاملة قام بها “الحزب” وانتهت “بازدياد القناعة بصوابيّة قراره إسناد غزّة وأهلها وبالنتائج المهمّة والمتعدّدة التي تحقّقت”، إلّا تأكيداً موثّقاً على أنّ الظروف الصعبة التي يواجهها “الحزب” منذ تشرين الأوّل 2023، وهي الأقسى منذ العام 2000، لم تدفعه إلى الأخذ بالاعتبار تداعيات الحربين اللتين خاضهما على حساب ناسه ومجتمعه وجنوبه، وبالتالي الأثمان التي سيضطرّ لتكبّدها لإنقاذ هذا الوضع وإعادته إلى سابق عهده.
المراجعة، على قسوة ما أفضت إليه الحربان ميدانيّاً، لم تنتج تغييراً في المقاربة السياسيّة أو الاستراتيجيّة، بل أعادت تكريس القناعة ذاتها التي انطلق منها “الحزب” قبل عامين، وكأنّ النتائج العسكريّة والبشريّة والاقتصاديّة التي تكبّدها لبنان لا تستدعي أيّ إعادة نظر جوهريّة.
يقول بعض من يلتقي مسؤولين في “الحزب” إنّ قيادته الحاليّة تتعاطى مع دعوات الحوار الوطنيّ بوصفها “مضيعة للوقت” لا تقدّم ولا تؤخّر في حساباتها المرتبطة ارتباطاً عضويّاً بمشروع إيران الإقليميّ. بمعنى أنّ أيّ نقاش داخليّ، مهما بلغت جدّيّته، يبقى في نظر “الحزب” تفصيلاً هامشيّاً أمام معادلة إقليميّة أكبر لا يملك هو وحده مفاتيحها.
متهيّب لكلّ الاحتمالات
أكّد الرئيس السابق للحزب التقدّميّ الاشتراكيّ وليد جنبلاط أنّ الحوار “ممكن وضروريّ لـ”الحزب” وللدولة اللبنانيّة على حدّ سواء”، مشيراً إلى أنّ رئيس الجمهوريّة جوزف عون يدعو إليه أيضاً، في محاولة لتقديم نفسه كصوت توفيقيّ يخاطب الطرفين معاً من دون أن يبدو منحازاً لأحدهما على حساب الآخر. قبله دعا النائب عن منطقة بعبدا ألان عون “الحزب” إلى الحضور إلى بعبدا وفتح حوار مع رئيس الجمهوريّة للاتّفاق على خريطة طريق تفعّل المفاوضات وتؤدّي إلى انسحاب إسرائيل وانتشار الجيش على كامل الأراضي اللبنانيّة.
لكنّ “الحزب” وفق عارفيه في مكان آخر. لا تعنيه تلك الدعوات وغير متأثّر بها. عينه على الإقليم وما يمكن لحوار الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مع طهران أن يفعله. يقول هؤلاء إنّ “الحزب” متهيّب لكلّ الاحتمالات، السلبيّة منها والإيجابيّة. بمعنى أنّه جاهز لسيناريو عودة الحرب، على إيران أوّلاً، وقد يكون لبنان ثانياً، ومدرك أنّه في وضع لا يُحسد عليه وأنّ الأكلاف صارت باهظة وقد ترتفع أكثر إذا ما انتهت الأمور بين واشنطن وطهران إلى مزيد من التصعيد العسكريّ، لكنّه غير مستعدّ لإجراء أيّ مراجعة تُترجم عمليّاً على الأرض، بل يفضّل الانتظار والمراقبة، على قاعدة أنّ أيّ تنازل الآن قد يُقرأ كضعف في لحظة إقليميّة بالغة الحساسيّة.
يقول المطّلعون إنّ رئيس الجمهوريّة أبدى استعداده لفتح أبواب الحوار، لكنّ “الحزب” غير متحمّس لدعم أيّ مسار يحمل توقيع قصر بعبدا، ما قد يمنح المفاوضات المباشرة شرعيّة الضاحية الجنوبيّة، وهو أمر لا يتوخّاه “الحزب”. لذا يضع الشروط – العصيّ في هذه الطريق ويسدّ كلّ المنافذ الفرعيّة، رافضاً أيّ وساطة رسميّة قد تُفسَّر لاحقاً على أنّها اعتراف ضمنيّ بتراجعه.
اعتبارات تحول دون حوار جدّيّ
يؤكّد عارفو “الحزب” أنّ أكثر من اعتبار يدفع قيادته إلى التريّث طويلاً قبل إعطاء ضوء أخضر لأيّ نقاش ثنائيّ جدّيّ وعميق مع الرئاسة الأولى. وهذه الاعتبارات هي:
– احتراق جسور الثقة التي تربط بين “الحزب” ومكوّنات السلطة، بدءاً برئاستها الأولى، مروراً بالثانية على الرغم من حساسيّة العلاقة بين جناحَي الثنائيّ الشيعيّ، وصولاً بطبيعة الحال إلى الرئاسة الثالثة. وذلك نتيجة الخيار الحاسم بالسير بالمفاوضات المباشرة.
– رهان “الحزب” بشكل كامل على مسار إسلام آباد، أو بالأحرى على إيران، سواء اضطرّت إلى خوض مواجهة عسكريّة جديدة، أو في حال ذهبت الأمور إلى اتّفاق جديد، وهو ما يأمله “الحزب”. إذ يقول عارفوه إنّ قيادته لا تزال مقتنعة بأنّ العلاقة بين واشنطن وطهران ستنتهي حكماً إلى اتّفاق حتّى لو عبرت من جديد معموديّة مواجهة عسكريّة، لكنّ الاتّفاق حاجة للطرفين، وسيولد في نهاية المطاف. المهمّ صمود النظام الإيرانيّ، إذ إنّ أيّ حساب آخر، بحسب هذه القراءة، يبقى ثانويّاً أمام هذا الاعتبار.
– قناعة الجميع بأنّ المرحلة الراهنة هي فترة انتظارات: انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيليّة، وانتظار نتائج الانتخابات الأميركيّة، إلّا إذا قرّر ترامب شنّ حرب جديدة ضدّ إيران.
من هنا، يبدو الحوار مع “الحزب” لعباً في “الوقت الضايع”: الضاحية الجنوبيّة غير مستعجلة لفتح أوراقها وكشف المستور فيها، فيما السلطة اللبنانيّة غير مستعدّة لتنفيذ أيّ التفاف على قرار التفاوض غير المباشر مع إسرائيل حتّى إنّها غير متحمّسة لخوض جولة ثامنة قبل وضوح الصورة في إسرائيل لجهة قيام حكومة جديدة لديها الاستعداد لتقديم خطوة تنازليّة في الجنوب، لكي لا تعلق المفاوضات في حلقة مقفلة وقد يتم عقد اجتماع عسكري- أمني في هذه الفترة الفاصلة.







