الجبهة اللبنانية نحو مرحلة أكثر خطورة فهل تبقى تحت سقف الحرب ؟

المصدر: النهار
27 أيلول 2026

تتّسع العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان فيما يتأخر المسار التفاوضي ويقترب انتهاء ولاية “اليونيفيل”. وبين حسابات الانتخابات الإسرائيلية واحتمال انتقال الضربات إلى مناطق أبعد، يبرز خطر تحوّل التصعيد المتواصل إلى واقع أمني يصعب تغييره.

تدخل الجبهة اللبنانية مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في ٢٧ تشرين الأول/أكتوبر، لكن العامل الأكثر إثارة للقلق لم يعد الانتخابات بحد ذاتها، بل المستوى المتصاعد للعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان واتساع الوقائع الميدانية التي ترافقها. فالغارات والهدم واستهداف مواقع “حزب الله” لم تعد عمليات متفرقة، بل تتزامن مع إنشاء واقع أمني إسرائيلي في الجنوب، فيما بقي المسار التفاوضي عاجزاً حتى الآن عن وقف هذا التصعيد.

هذا التصعيد يطرح السؤال الأساسي: هل نحن أمام ضغط عسكري مضبوط، أم أمام مسار يمكن أن ينزلق تدريجياً إلى حرب أوسع ؟

والمسألة لم تعد فقط عدد الغارات اليومية، بل ما إذا كانت إسرائيل تعمل على فرض منطقة أمنية جديدة قبل أي اتفاق نهائي مع لبنان.

وهذا ما يجعل التصعيد أكثر خطورة: كلما طال أمد العمليات، أصبح من الصعب الفصل بين إجراء عسكري مؤقت وواقع أمني يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوضية دائمة.

النبطية تغيّر جغرافيا التصعيد

يشكل انتقال العمليات إلى النبطية ومحيطها مؤشراً مهماً. فالضربات لم تعد محصورة في المناطق الحدودية، بل طالت مناطق سكانية وبلدات رئيسية في الجنوب. وقد وصف الرئيس جوزف عون التصعيد في النبطية بأنه “خطير”، فيما اتهم الجيش اللبناني إسرائيل بتهديد إطار التفاهم القائم. والخط الأحمر في المرحلة المقبلة سيكون الجغرافيا.
فإذا بقيت العمليات في الجنوب، يمكن نظرياً احتواء المواجهة. أما إذا انتقلت بصورة منتظمة إلى شمال الليطاني والبقاع أو إلى الضاحية الجنوبية وبيروت، فإن قواعد الاشتباك ستتغير بصورة جوهرية، وسيصبح رد “حزب الله” أكثر صعوبة في الضبط.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: الحرب الشاملة قد لا تبدأ بقرار سياسي واضح، وإنما نتيجة سلسلة من الضربات والردود والاغتيالات والعمليات النوعية التي تدفع كل طرف إلى الرد بقوة أكبر.

الانتخابات الإسرائيلية عامل مؤثر لا تفسير وحيد

وتأتي هذه التطورات قبل الانتخابات الإسرائيلية بأكثر من شهر. ومن الطبيعي أن تفرض الانتخابات حسابات سياسية داخلية على الحكومة الإسرائيلية، لكن لا يمكن اعتبار كل تصعيد مرتبطاً بها مباشرة.

الأكثر دقة هو القول إن الانتخابات قد تؤثر في توقيت العمليات وسقفها، لكنها لا تفسر وحدها القرار العسكري. فإسرائيل تواجه اعتبارات أمنية تتعلق بإبعاد الحزب عن حدودها، وتدمير بنيته العسكرية، والحفاظ على منطقة عازلة.

لكن استمرار العمليات حتى موعد الانتخابات، مع غياب تقدم سياسي واضح، يرفع احتمال أن تتحول الفترة الانتخابية إلى مرحلة ضغط عسكري متزايد بدلاً من أن تكون مرحلة تهدئة . في المقابل، يبدو المسار السياسي أضعف من أن يوازي التطورات العسكرية.

فالجولة الأميركية المقبلة بين لبنان وإسرائيل، التي كان يفترض عقدها في روما، أُرجئت إلى تشرين الأول وليس مضمرنا عقدها .  وبذلك أصبحت هناك مفارقة واضحة: العمليات العسكرية مستمرة، فيما المسار السياسي مؤجل.

وكلما اتسعت الفجوة بين التصعيد العسكري والمسار السياسي، زادت مخاطر أن يصبح الميدان هو الذي يحدد شروط التسوية المقبلة.

ما بعد “اليونيفيل” يزيد المخاطر

ويأتي كل ذلك في وقت يستعد فيه جنوب لبنان لمرحلة انتقالية غير مسبوقة مع انتهاء ولاية “اليونيفيل” في نهاية ٢٠٢٦ وبدء الانسحاب المنظم خلال ٢٠٢٧.

وقد حذر قائد “اليونيفيل” من أهمية ضمان انتقال سلس قبل الانسحاب، خصوصاً أن بعض مواقع القوة الدولية تقع في مناطق ما زالت تحت السيطرة الإسرائيلية.

وهنا يتضاعف الخطر: إذا استمر التصعيد في الوقت الذي تتراجع فيه القوة الدولية، فقد ينشأ فراغ أمني في أكثر المناطق حساسية.

ولهذا تكتسب الجهود الدولية لتعزيز الجيش اللبناني أهمية أكبر، خصوصاً بعد اجتماع باريس في ١٧ أيلول/ سبتمبر الذي بحث دعم الجيش والقوى الأمنية وخيارات المرحلة التي ستلي ؛اليونيفيل”

يمكن أن تتجه الجبهة إلى ثلاثة مستويات

الأول هو تصعيد مضبوط يستمر فيه القصف والهدم واستهداف مواقع “حزب الله” داخل الجنوب، من دون انتقال واسع إلى مناطق أخرى.

الثاني هو تصعيد جغرافي ينتقل إلى شمال الليطاني والبقاع أو إلى الضاحية الجنوبية، بما يرفع مستوى الردود ويجعل الاحتواء أكثر صعوبة.

أما الثالث فهو الانزلاق إلى حرب مفتوحة نتيجة ضربة توقع خسائر إسرائيلية كبيرة، أو اغتيال شخصية قيادية، أو رد واسع من الحزب، أو دخول عامل إقليمي مباشر إلى المواجهة.

ولا يعني استمرار التصعيد أن الحرب الشاملة أصبحت حتمية. لكن الخطر يكمن في أن هامش الخطأ يتقلص كلما ارتفع حجم العمليات واتسعت الجغرافيا.

لذلك، فإن المرحلة الممتدة من الآن إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الولايات المتحدة والدول الأوروبية والعربية على احتواء التصعيد.

فالمطلوب ليس فقط استئناف المفاوضات، بل وقف تحويل العمليات العسكرية والوجود الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية إلى وقائع دائمة، بالتوازي مع تعزيز الجيش اللبناني ووضع ترتيبات انتقالية واضحة قبل انسحاب “اليونيفيل”.

المشكلة لم تعد فقط احتمال اندلاع حرب شاملة، بل احتمال أن يستمر التصعيد المنخفض أو المتوسط لفترة طويلة، فيعيد رسم الخريطة الأمنية للجنوب تدريجياً.

الجبهة اللبنانية نحو مرحلة أكثر خطورة فهل تبقى تحت سقف الحرب ؟

المصدر: النهار
27 أيلول 2026

تتّسع العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان فيما يتأخر المسار التفاوضي ويقترب انتهاء ولاية “اليونيفيل”. وبين حسابات الانتخابات الإسرائيلية واحتمال انتقال الضربات إلى مناطق أبعد، يبرز خطر تحوّل التصعيد المتواصل إلى واقع أمني يصعب تغييره.

تدخل الجبهة اللبنانية مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في ٢٧ تشرين الأول/أكتوبر، لكن العامل الأكثر إثارة للقلق لم يعد الانتخابات بحد ذاتها، بل المستوى المتصاعد للعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان واتساع الوقائع الميدانية التي ترافقها. فالغارات والهدم واستهداف مواقع “حزب الله” لم تعد عمليات متفرقة، بل تتزامن مع إنشاء واقع أمني إسرائيلي في الجنوب، فيما بقي المسار التفاوضي عاجزاً حتى الآن عن وقف هذا التصعيد.

هذا التصعيد يطرح السؤال الأساسي: هل نحن أمام ضغط عسكري مضبوط، أم أمام مسار يمكن أن ينزلق تدريجياً إلى حرب أوسع ؟

والمسألة لم تعد فقط عدد الغارات اليومية، بل ما إذا كانت إسرائيل تعمل على فرض منطقة أمنية جديدة قبل أي اتفاق نهائي مع لبنان.

وهذا ما يجعل التصعيد أكثر خطورة: كلما طال أمد العمليات، أصبح من الصعب الفصل بين إجراء عسكري مؤقت وواقع أمني يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوضية دائمة.

النبطية تغيّر جغرافيا التصعيد

يشكل انتقال العمليات إلى النبطية ومحيطها مؤشراً مهماً. فالضربات لم تعد محصورة في المناطق الحدودية، بل طالت مناطق سكانية وبلدات رئيسية في الجنوب. وقد وصف الرئيس جوزف عون التصعيد في النبطية بأنه “خطير”، فيما اتهم الجيش اللبناني إسرائيل بتهديد إطار التفاهم القائم. والخط الأحمر في المرحلة المقبلة سيكون الجغرافيا.
فإذا بقيت العمليات في الجنوب، يمكن نظرياً احتواء المواجهة. أما إذا انتقلت بصورة منتظمة إلى شمال الليطاني والبقاع أو إلى الضاحية الجنوبية وبيروت، فإن قواعد الاشتباك ستتغير بصورة جوهرية، وسيصبح رد “حزب الله” أكثر صعوبة في الضبط.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: الحرب الشاملة قد لا تبدأ بقرار سياسي واضح، وإنما نتيجة سلسلة من الضربات والردود والاغتيالات والعمليات النوعية التي تدفع كل طرف إلى الرد بقوة أكبر.

الانتخابات الإسرائيلية عامل مؤثر لا تفسير وحيد

وتأتي هذه التطورات قبل الانتخابات الإسرائيلية بأكثر من شهر. ومن الطبيعي أن تفرض الانتخابات حسابات سياسية داخلية على الحكومة الإسرائيلية، لكن لا يمكن اعتبار كل تصعيد مرتبطاً بها مباشرة.

الأكثر دقة هو القول إن الانتخابات قد تؤثر في توقيت العمليات وسقفها، لكنها لا تفسر وحدها القرار العسكري. فإسرائيل تواجه اعتبارات أمنية تتعلق بإبعاد الحزب عن حدودها، وتدمير بنيته العسكرية، والحفاظ على منطقة عازلة.

لكن استمرار العمليات حتى موعد الانتخابات، مع غياب تقدم سياسي واضح، يرفع احتمال أن تتحول الفترة الانتخابية إلى مرحلة ضغط عسكري متزايد بدلاً من أن تكون مرحلة تهدئة . في المقابل، يبدو المسار السياسي أضعف من أن يوازي التطورات العسكرية.

فالجولة الأميركية المقبلة بين لبنان وإسرائيل، التي كان يفترض عقدها في روما، أُرجئت إلى تشرين الأول وليس مضمرنا عقدها .  وبذلك أصبحت هناك مفارقة واضحة: العمليات العسكرية مستمرة، فيما المسار السياسي مؤجل.

وكلما اتسعت الفجوة بين التصعيد العسكري والمسار السياسي، زادت مخاطر أن يصبح الميدان هو الذي يحدد شروط التسوية المقبلة.

ما بعد “اليونيفيل” يزيد المخاطر

ويأتي كل ذلك في وقت يستعد فيه جنوب لبنان لمرحلة انتقالية غير مسبوقة مع انتهاء ولاية “اليونيفيل” في نهاية ٢٠٢٦ وبدء الانسحاب المنظم خلال ٢٠٢٧.

وقد حذر قائد “اليونيفيل” من أهمية ضمان انتقال سلس قبل الانسحاب، خصوصاً أن بعض مواقع القوة الدولية تقع في مناطق ما زالت تحت السيطرة الإسرائيلية.

وهنا يتضاعف الخطر: إذا استمر التصعيد في الوقت الذي تتراجع فيه القوة الدولية، فقد ينشأ فراغ أمني في أكثر المناطق حساسية.

ولهذا تكتسب الجهود الدولية لتعزيز الجيش اللبناني أهمية أكبر، خصوصاً بعد اجتماع باريس في ١٧ أيلول/ سبتمبر الذي بحث دعم الجيش والقوى الأمنية وخيارات المرحلة التي ستلي ؛اليونيفيل”

يمكن أن تتجه الجبهة إلى ثلاثة مستويات

الأول هو تصعيد مضبوط يستمر فيه القصف والهدم واستهداف مواقع “حزب الله” داخل الجنوب، من دون انتقال واسع إلى مناطق أخرى.

الثاني هو تصعيد جغرافي ينتقل إلى شمال الليطاني والبقاع أو إلى الضاحية الجنوبية، بما يرفع مستوى الردود ويجعل الاحتواء أكثر صعوبة.

أما الثالث فهو الانزلاق إلى حرب مفتوحة نتيجة ضربة توقع خسائر إسرائيلية كبيرة، أو اغتيال شخصية قيادية، أو رد واسع من الحزب، أو دخول عامل إقليمي مباشر إلى المواجهة.

ولا يعني استمرار التصعيد أن الحرب الشاملة أصبحت حتمية. لكن الخطر يكمن في أن هامش الخطأ يتقلص كلما ارتفع حجم العمليات واتسعت الجغرافيا.

لذلك، فإن المرحلة الممتدة من الآن إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الولايات المتحدة والدول الأوروبية والعربية على احتواء التصعيد.

فالمطلوب ليس فقط استئناف المفاوضات، بل وقف تحويل العمليات العسكرية والوجود الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية إلى وقائع دائمة، بالتوازي مع تعزيز الجيش اللبناني ووضع ترتيبات انتقالية واضحة قبل انسحاب “اليونيفيل”.

المشكلة لم تعد فقط احتمال اندلاع حرب شاملة، بل احتمال أن يستمر التصعيد المنخفض أو المتوسط لفترة طويلة، فيعيد رسم الخريطة الأمنية للجنوب تدريجياً.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار