الحياد الممر الإلزامي للبنان

الحياد هو الممر الإلزامي لإنقاذ لبنان من التحول إلى ساحة للصراعات الإقليمية. فمنذ أزمة عام 1958 واتفاق القاهرة عام 1969 والحرب الأهلية، وجدت المشاريع الخارجية في الانقسامات الداخلية حلفاء يفتحون لها أبواب الدولة. واليوم، لا يمكن بناء سياسة خارجية مستقلة ما دام “حزب الله” يحتفظ بسلاح وقرار عسكري خارج سلطة المؤسسات.
في لبنان لا تبدأ الحروب دائماً بإطلاق النار، تبدأ حين يقرر طرف داخلي أن معركة تدور خارج الحدود هي معركته وأن من حقه جر البلاد إليها. عندها تتحول التعددية اللبنانية من مصدر غنى إلى شبكة خطوط تماس، وتصبح الطائفة عنواناً لتدخل خارجي، والزعيم المحلي مفاوضاً باسم دولة لا يملك تفويضاً لتمثيلها. لهذا لم يعد الحياد ترفاً فكرياً أو شعاراً دبلوماسياً، إنه الممر الإلزامي لبقاء لبنان دولة.
ليست أزمة لبنان أنه بلد متعدد، أزمته أن قوى الداخل والخارج اعتادت التعامل مع هذا التعدد بوصفه فرصة لتوزيع النفوذ، كلما انقسم الإقليم وجد انقسامه وكلاء في بيروت، وكلما حاولت الدولة اتخاذ موقف ظهر من يقول إن لطائفته سياسة خارجية خاصة، أو سلاحاً خاصاً، أو حقاً خاصاً في تعطيل القرار. هكذا يطلب من اللبنانيين أن يعيشوا في دولة واحدة، فيما يسمح لهم عملياً بالانتماء إلى مشاريع إقليمية متنازعة.
هذه ليست ظاهرة وُلدت مع الحرب الأهلية عام 1975. ففي الخمسينيات، انعكس الصراع بين المد القومي الذي قاده جمال عبدالناصر والمحور الغربي، وما أثاره حلف بغداد من استقطاب عربي، على السياسة اللبنانية وصولاً إلى أزمة عام 1958. ثم جاء اتفاق القاهرة عام 1969، الذي نظم الوجود المسلح الفلسطيني على نحو منح العمل الفدائي موطئ قدم داخل السيادة اللبنانية. وفي الأعوام التالية التقت منظمة التحرير الفلسطينية الحركة الوطنية اللبنانية، بينما اصطفت قوى أخرى في مواجهتهما. لم تكن الحرب التي اندلعت عام 1975 مجرد نزاع مستورد، فقد كانت لها أسباب لبنانية عميقة تتصل بالتمثيل السياسي والعدالة الاجتماعية، لكن السلاح والتدخلات الخارجية جعلا تسوية تلك الأسباب أشد صعوبة، وحولا الخلاف الداخلي إلى حرب مفتوحة.
تبدلت أسماء المحاور بعد ذلك، ولم تتبدل القاعدة. دخلت سوريا وإسرائيل وإيران وغيرها إلى المعادلة اللبنانية بصور مختلفة. وكان في الداخل، في كل مرحلة، من يرى في قوة الخارج وسيلة لترجيح كفته على شركائه. والنتيجة المتكررة أن الطرف الذي يظن نفسه رابحاً بدعم حليفه الإقليمي يكتشف متأخراً أنه سلم قرار بلده إلى ذلك الحليف، وأن الحرب التي بدأت لتوسيع نفوذه انتهت بإضعاف الدولة التي يعيش فيها.
اليوم يتجلى هذا الخلل بأوضح صوره في وجود قرار عسكري وسياسي لدى “حزب الله” يتجاوز مؤسسات الدولة. لا يستطيع لبنان أن يعلن سياسة خارجية مستقلة إذا استطاع تنظيم مسلح أن يقرر متى يفتح جبهة، ولحساب أي صراع إقليمي تفتح. ولا يستطيع أن يطلب من العالم احترام سيادته، فيما قرار الحرب والسلم ليس حصراً في يد سلطته الدستورية. هذه ليست مسألة خلاف على تقييم إسرائيل أو إيران، بل سؤال أبسط وأشد حسماً، من يملك حق تقرير مصير اللبنانيين؟ لقد نص اتفاق الطائف على حل الميليشيات وبسط سلطة الدولة. وأكدت قرارات مجلس الأمن مبدأ ألا يكون في لبنان سلاح أو سلطة خارج الدولة.
الحياد المطلوب هنا لا يعني أن يتخلى لبنان عن قضاياه أو أن يصمت إزاء انتهاك حدوده وحقوق مواطنيه، يعني أن يدافع عنها بقرار لبناني واحد، عبر جيشه ومؤسساته ودبلوماسيته، وأن يمتنع عن التحول إلى منصة عسكرية لمعارك الآخرين. ويعني أيضاً ألا يستخدم ضد دولة عربية أو مجاورة، وألا تستخدم أراضيه ممراً للمسلحين والسلاح. هذه الفكرة ليست اختراعاً جديداً، فقد دعا “إعلان بعبدا” عام 2012 إلى تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية، مع تأكيد التزامه الشرعية الدولية والقضايا العربية المحقة. المشكلة لم تكن يوماً في نقص العبارات، بل في غياب الإرادة لفرضها على الجميع.
في هذا السياق، تبرز أهمية التوازنات السياسية الدقيقة التي يحاول الرئيس جوزاف عون نسجها عبر زياراته واتصالاته مع عواصم متعددة. فالمطلوب من هذه الحركة الدبلوماسية أن تؤكد حيادية النهج اللبناني وتوازن علاقاته الخارجية، وأن تضع البلاد في مأمن من رياح الصراعات الإقليمية. وقد تشكل مشاورات الرئاسة حول هذا الخيار خطوة أولى نحو توافق داخلي يكرس الحياد سياسة للدولة، لا موقفاً عابراً يرتبط بشخص الرئيس. وتقتضي هذه الخطوة طمأنة جميع المكونات اللبنانية إلى أن أي طائفة لن تملك حق الهيمنة على سائر الطوائف، بالتوازي مع إقناع الدول المعنية بأن تعاونها مع لبنان يجب أن يمر عبر مؤسساته الرسمية، لا عبر زعماء الطوائف. هنا يلتقي التوازن في الداخل بالتوازن في الخارج، ويتحول الحياد من رغبة سياسية إلى خيار استراتيجي قابل للحياة.
لكن إعلان الحياد، وحده، لن ينقذ دولة تُدار من خارج مؤسساتها. فلبنان يحتاج إلى إصلاح آلية الحكم بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى تصحيح موقعه الإقليمي. السلطة التنفيذية، وفق الدستور، مناطة بمجلس الوزراء، وقراراته تُتخذ بالتوافق أو بالتصويت، فيما تحتاج القضايا الأساس إلى موافقة ثلثي أعضائه. هذه قواعد دستورية لضمان المشاركة، وليست نصاً يمنح كل زعيم طائفي حق نقض مستقلاً، غير أن الممارسة السياسية حولت المشاركة إلى مساومة دائمة، وحولت الحرص على التوازن إلى قدرة على شل الدولة.
صار الزعيم الذي يحتكر تمثيل جماعته يتصرف كأنه رئيس جمهورية داخل جمهوريته الصغيرة، يفاوض الخارج منفرداً، ويحدد للدولة ما يجوز وما لا يجوز، ثم يقدم اعتراضه السياسي على أنه اعتراض الطائفة بكاملها، وفي هذا اختزال مزدوج، اختزال للطائفة في زعيم، واختزال للدولة في صفقة بين الزعماء.
تتيح المنافسة السياسية القائمة بين الأحزاب المسيحية وكذلك تعدد المرجعيات السنية مساحة للاختلاف داخل الجماعة الواحدة، مهما شاب تلك المنافسة من عيوب. أما هيمنة تحالف “حزب الله” و”حركة أمل” على التمثيل السياسي الشيعي، وثقل زعامة وليد جنبلاط داخل التمثيل الدرزي، فيمنحان هاتين القيادتين قدرة كبيرة على تحويل الموقف الحزبي إلى موقف يقدم بوصفه طائفياً عاماً. هذا نقد لبنية التمثيل والسلطة، لا تحميل للمواطنين الشيعة أو الدروز مسؤولية قرارات قادتهم. فاللبناني في الجنوب أو الجبل، قبل أي زعيم، صاحب حق في الأمن والتمثيل والدولة.
من هنا تبدأ مهمة الإصلاح، تحرير المؤسسات من احتكار التمثيل وتحصين القرارات السيادية من التعطيل وإعادة الاعتبار للمساءلة. لا بد من نقاش دستوري جدي يمنح رئيس الجمهورية قدرة أوضح على قيادة الخيارات الوطنية الكبرى، ضمن نظام يحفظ دور الحكومة ورقابة البرلمان ويمنع نشوء سلطة فردية جديدة. ولا بد، بالتوازي، من قانون انتخاب يوسع المنافسة داخل كل بيئة، ومن تطبيق المسار الذي نص عليه الطائف لإلغاء الطائفية السياسية تدريجاً، بدل استخدامها إلى الأبد ذريعة لتقاسم الدولة.
تقع مسؤولية أيضاً على الدول التي تقول إنها تريد استقرار لبنان، ثم تختار التفاوض مع زعمائه كل على حدة. حين تعقد التفاهمات الأمنية والسياسية والمالية مع أشخاص أو أحزاب خارج القنوات الرسمية، تُكافأ القدرة على تعطيل الدولة بدل القدرة على بنائها. من يريد مساعدة لبنان عليه أن يتعامل مع رئاسته وحكومته ومؤسساته الشرعية، وأن يجعل دعمه للجيش والاقتصاد والإعمار مشروطاً بتعزيز سلطة الدولة الواحدة، لا بتثبيت حصص النفوذ داخلها.
لن يحصل لبنان على حياده بهبة من الخارج، ولا ببيان جديد يضاف إلى البيانات السابقة، سيحصل عليه حين تصبح كلفة خرق قرار الدولة أعلى من مكاسب الارتهان إلى محور، وحين يعرف كل طرف أن مشاركته في السلطة لا تخوله امتلاك قرار الحرب، وأن تمثيله لطائفة لا يجعله وصياً على الجمهورية.
على مدى عقود، جرب في لبنان الاصطفاف مع هذا المحور ثم ذاك. تغير الرعاة وتغيرت الشعارات وبقيت الفاتورة واحدة، حروب على أرضه وتعطيل لمؤسساته ومواطنون يدفعون ثمن قرارات لم يتخذوها. لقد حان وقت استخلاص الدرس. يمكن للبنان أن يكون حاضراً في محيطه، مدافعاً عن مصالحه وقادراً على الحوار مع الجميع، لكنه لا يستطيع أن يبقى وطناً للجميع إذا أصر بعضهم على جعله ساحة لكل المحاور.
الحياد الممر الإلزامي للبنان

الحياد هو الممر الإلزامي لإنقاذ لبنان من التحول إلى ساحة للصراعات الإقليمية. فمنذ أزمة عام 1958 واتفاق القاهرة عام 1969 والحرب الأهلية، وجدت المشاريع الخارجية في الانقسامات الداخلية حلفاء يفتحون لها أبواب الدولة. واليوم، لا يمكن بناء سياسة خارجية مستقلة ما دام “حزب الله” يحتفظ بسلاح وقرار عسكري خارج سلطة المؤسسات.
في لبنان لا تبدأ الحروب دائماً بإطلاق النار، تبدأ حين يقرر طرف داخلي أن معركة تدور خارج الحدود هي معركته وأن من حقه جر البلاد إليها. عندها تتحول التعددية اللبنانية من مصدر غنى إلى شبكة خطوط تماس، وتصبح الطائفة عنواناً لتدخل خارجي، والزعيم المحلي مفاوضاً باسم دولة لا يملك تفويضاً لتمثيلها. لهذا لم يعد الحياد ترفاً فكرياً أو شعاراً دبلوماسياً، إنه الممر الإلزامي لبقاء لبنان دولة.
ليست أزمة لبنان أنه بلد متعدد، أزمته أن قوى الداخل والخارج اعتادت التعامل مع هذا التعدد بوصفه فرصة لتوزيع النفوذ، كلما انقسم الإقليم وجد انقسامه وكلاء في بيروت، وكلما حاولت الدولة اتخاذ موقف ظهر من يقول إن لطائفته سياسة خارجية خاصة، أو سلاحاً خاصاً، أو حقاً خاصاً في تعطيل القرار. هكذا يطلب من اللبنانيين أن يعيشوا في دولة واحدة، فيما يسمح لهم عملياً بالانتماء إلى مشاريع إقليمية متنازعة.
هذه ليست ظاهرة وُلدت مع الحرب الأهلية عام 1975. ففي الخمسينيات، انعكس الصراع بين المد القومي الذي قاده جمال عبدالناصر والمحور الغربي، وما أثاره حلف بغداد من استقطاب عربي، على السياسة اللبنانية وصولاً إلى أزمة عام 1958. ثم جاء اتفاق القاهرة عام 1969، الذي نظم الوجود المسلح الفلسطيني على نحو منح العمل الفدائي موطئ قدم داخل السيادة اللبنانية. وفي الأعوام التالية التقت منظمة التحرير الفلسطينية الحركة الوطنية اللبنانية، بينما اصطفت قوى أخرى في مواجهتهما. لم تكن الحرب التي اندلعت عام 1975 مجرد نزاع مستورد، فقد كانت لها أسباب لبنانية عميقة تتصل بالتمثيل السياسي والعدالة الاجتماعية، لكن السلاح والتدخلات الخارجية جعلا تسوية تلك الأسباب أشد صعوبة، وحولا الخلاف الداخلي إلى حرب مفتوحة.
تبدلت أسماء المحاور بعد ذلك، ولم تتبدل القاعدة. دخلت سوريا وإسرائيل وإيران وغيرها إلى المعادلة اللبنانية بصور مختلفة. وكان في الداخل، في كل مرحلة، من يرى في قوة الخارج وسيلة لترجيح كفته على شركائه. والنتيجة المتكررة أن الطرف الذي يظن نفسه رابحاً بدعم حليفه الإقليمي يكتشف متأخراً أنه سلم قرار بلده إلى ذلك الحليف، وأن الحرب التي بدأت لتوسيع نفوذه انتهت بإضعاف الدولة التي يعيش فيها.
اليوم يتجلى هذا الخلل بأوضح صوره في وجود قرار عسكري وسياسي لدى “حزب الله” يتجاوز مؤسسات الدولة. لا يستطيع لبنان أن يعلن سياسة خارجية مستقلة إذا استطاع تنظيم مسلح أن يقرر متى يفتح جبهة، ولحساب أي صراع إقليمي تفتح. ولا يستطيع أن يطلب من العالم احترام سيادته، فيما قرار الحرب والسلم ليس حصراً في يد سلطته الدستورية. هذه ليست مسألة خلاف على تقييم إسرائيل أو إيران، بل سؤال أبسط وأشد حسماً، من يملك حق تقرير مصير اللبنانيين؟ لقد نص اتفاق الطائف على حل الميليشيات وبسط سلطة الدولة. وأكدت قرارات مجلس الأمن مبدأ ألا يكون في لبنان سلاح أو سلطة خارج الدولة.
الحياد المطلوب هنا لا يعني أن يتخلى لبنان عن قضاياه أو أن يصمت إزاء انتهاك حدوده وحقوق مواطنيه، يعني أن يدافع عنها بقرار لبناني واحد، عبر جيشه ومؤسساته ودبلوماسيته، وأن يمتنع عن التحول إلى منصة عسكرية لمعارك الآخرين. ويعني أيضاً ألا يستخدم ضد دولة عربية أو مجاورة، وألا تستخدم أراضيه ممراً للمسلحين والسلاح. هذه الفكرة ليست اختراعاً جديداً، فقد دعا “إعلان بعبدا” عام 2012 إلى تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية، مع تأكيد التزامه الشرعية الدولية والقضايا العربية المحقة. المشكلة لم تكن يوماً في نقص العبارات، بل في غياب الإرادة لفرضها على الجميع.
في هذا السياق، تبرز أهمية التوازنات السياسية الدقيقة التي يحاول الرئيس جوزاف عون نسجها عبر زياراته واتصالاته مع عواصم متعددة. فالمطلوب من هذه الحركة الدبلوماسية أن تؤكد حيادية النهج اللبناني وتوازن علاقاته الخارجية، وأن تضع البلاد في مأمن من رياح الصراعات الإقليمية. وقد تشكل مشاورات الرئاسة حول هذا الخيار خطوة أولى نحو توافق داخلي يكرس الحياد سياسة للدولة، لا موقفاً عابراً يرتبط بشخص الرئيس. وتقتضي هذه الخطوة طمأنة جميع المكونات اللبنانية إلى أن أي طائفة لن تملك حق الهيمنة على سائر الطوائف، بالتوازي مع إقناع الدول المعنية بأن تعاونها مع لبنان يجب أن يمر عبر مؤسساته الرسمية، لا عبر زعماء الطوائف. هنا يلتقي التوازن في الداخل بالتوازن في الخارج، ويتحول الحياد من رغبة سياسية إلى خيار استراتيجي قابل للحياة.
لكن إعلان الحياد، وحده، لن ينقذ دولة تُدار من خارج مؤسساتها. فلبنان يحتاج إلى إصلاح آلية الحكم بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى تصحيح موقعه الإقليمي. السلطة التنفيذية، وفق الدستور، مناطة بمجلس الوزراء، وقراراته تُتخذ بالتوافق أو بالتصويت، فيما تحتاج القضايا الأساس إلى موافقة ثلثي أعضائه. هذه قواعد دستورية لضمان المشاركة، وليست نصاً يمنح كل زعيم طائفي حق نقض مستقلاً، غير أن الممارسة السياسية حولت المشاركة إلى مساومة دائمة، وحولت الحرص على التوازن إلى قدرة على شل الدولة.
صار الزعيم الذي يحتكر تمثيل جماعته يتصرف كأنه رئيس جمهورية داخل جمهوريته الصغيرة، يفاوض الخارج منفرداً، ويحدد للدولة ما يجوز وما لا يجوز، ثم يقدم اعتراضه السياسي على أنه اعتراض الطائفة بكاملها، وفي هذا اختزال مزدوج، اختزال للطائفة في زعيم، واختزال للدولة في صفقة بين الزعماء.
تتيح المنافسة السياسية القائمة بين الأحزاب المسيحية وكذلك تعدد المرجعيات السنية مساحة للاختلاف داخل الجماعة الواحدة، مهما شاب تلك المنافسة من عيوب. أما هيمنة تحالف “حزب الله” و”حركة أمل” على التمثيل السياسي الشيعي، وثقل زعامة وليد جنبلاط داخل التمثيل الدرزي، فيمنحان هاتين القيادتين قدرة كبيرة على تحويل الموقف الحزبي إلى موقف يقدم بوصفه طائفياً عاماً. هذا نقد لبنية التمثيل والسلطة، لا تحميل للمواطنين الشيعة أو الدروز مسؤولية قرارات قادتهم. فاللبناني في الجنوب أو الجبل، قبل أي زعيم، صاحب حق في الأمن والتمثيل والدولة.
من هنا تبدأ مهمة الإصلاح، تحرير المؤسسات من احتكار التمثيل وتحصين القرارات السيادية من التعطيل وإعادة الاعتبار للمساءلة. لا بد من نقاش دستوري جدي يمنح رئيس الجمهورية قدرة أوضح على قيادة الخيارات الوطنية الكبرى، ضمن نظام يحفظ دور الحكومة ورقابة البرلمان ويمنع نشوء سلطة فردية جديدة. ولا بد، بالتوازي، من قانون انتخاب يوسع المنافسة داخل كل بيئة، ومن تطبيق المسار الذي نص عليه الطائف لإلغاء الطائفية السياسية تدريجاً، بدل استخدامها إلى الأبد ذريعة لتقاسم الدولة.
تقع مسؤولية أيضاً على الدول التي تقول إنها تريد استقرار لبنان، ثم تختار التفاوض مع زعمائه كل على حدة. حين تعقد التفاهمات الأمنية والسياسية والمالية مع أشخاص أو أحزاب خارج القنوات الرسمية، تُكافأ القدرة على تعطيل الدولة بدل القدرة على بنائها. من يريد مساعدة لبنان عليه أن يتعامل مع رئاسته وحكومته ومؤسساته الشرعية، وأن يجعل دعمه للجيش والاقتصاد والإعمار مشروطاً بتعزيز سلطة الدولة الواحدة، لا بتثبيت حصص النفوذ داخلها.
لن يحصل لبنان على حياده بهبة من الخارج، ولا ببيان جديد يضاف إلى البيانات السابقة، سيحصل عليه حين تصبح كلفة خرق قرار الدولة أعلى من مكاسب الارتهان إلى محور، وحين يعرف كل طرف أن مشاركته في السلطة لا تخوله امتلاك قرار الحرب، وأن تمثيله لطائفة لا يجعله وصياً على الجمهورية.
على مدى عقود، جرب في لبنان الاصطفاف مع هذا المحور ثم ذاك. تغير الرعاة وتغيرت الشعارات وبقيت الفاتورة واحدة، حروب على أرضه وتعطيل لمؤسساته ومواطنون يدفعون ثمن قرارات لم يتخذوها. لقد حان وقت استخلاص الدرس. يمكن للبنان أن يكون حاضراً في محيطه، مدافعاً عن مصالحه وقادراً على الحوار مع الجميع، لكنه لا يستطيع أن يبقى وطناً للجميع إذا أصر بعضهم على جعله ساحة لكل المحاور.










