«الحزب» من «قواعد الاشتباك» إلى «قواعد البقاء»

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
29 أيلول 2026

في الذكرى الثانية لغياب السيد حسن نصرالله، لم يفاجئ «حزب الله» أحداً. وكما كان متوقعاً، أصرّ على أنّه لن يتزحزح قيد أنملة عن نهجه «التقليدي»: لا تسليم للسلاح، ولا تفكيك للبنية العسكرية والأمنية، أو لقرار الحرب والسلم أو للنفوذ داخل الدولة ومؤسساتها، أياً كانت الظروف ومهما بلغ الثمن. منطقياً، هذا يعني أنّ المعطيات التي أوصلت «الحزب» وبيئته إلى ما وصلا إليه اليوم لن تتغيّر. وفي عبارة أخرى، مسار الكوارث لن يتوقف.

يعتقد كثيرون، حتى من داخل البيئة الشيعية أو بعض البيئات اللبنانية الأخرى، بما فيها المتعاطفة نسبياً مع «حزب الله»، أنّ أمام «الحزب» طريقاً وحيدة للحدّ من الخسائر، وهي أن يقتنع بوجوب اعتماد «قواعد اشتباك» جديدة، وأنّ القواعد القديمة اندثرت كلياً. أي، على «الحزب» أن يتمتع بجرأة استثنائية في الرؤية، ليتخلّى طوعاً عمّا بقي من سلاح بين يديه لحساب الدولة، وأن يقتنع بأنّ هذا التخلّي ليس انكساراً أو استسلاماً، بل هو الخيار الرؤيوي الوحيد، لأنّ هذا السلاح سيبقى في أي حال هدفاً مُستباحاً لإسرائيل حتى النهاية.

لا حاجة إلى الاستعانة بالأدلة والبراهين لإثبات أنّ موازين القوى، تكنولوجياً وعسكرياً، راجحة في شكل مطلق لمصلحة إسرائيل، وأنّ سلاح «الحزب» يصبح يوماً بعد يوم عديم الجدوى في المواجهة. وهذا الاختلال الهائل سمح بتوسع الجيش الإسرائيلي في العمق اللبناني، وأتاح له فرض واقع أمني قاسٍ جداً ضمن ما يسمّى «الخط الأصفر»، فيما ينفّذ «الحزب» خطوات تراجعية متلاحقة، إلى خطوط خلفية، من الخط الأزرق إلى الليطاني فالزهراني حتى الآن. وهو يتمسك بمواقعه في جبال إقليم التفاح والريحان والبقاع الغربي، لكن هذه المواقع نفسها ليست مصانة على الإطلاق، ويتردّد أنّها قد تسقط أيضاً في جولات عسكرية مقبلة ربما تختار إسرائيل توقيتها.

على «الحزب» أن يقتنع أنّ التمسّك بالسلاح بات ذريعة إسرائيل الجاهزة للسيطرة على الأرض والتدمير والتهجير. ولذلك، تقتضي الحكمة الاستراتيجية تجريدها من هذه الذريعة، خصوصاً في زمن المزايدات الانتخابية والسياسية في إسرائيل، حيث يرفع المتطرفون شعار «البعبع» المسلح الخارج عن سيطرة الدولة في لبنان. وسيكون تسليم «الحزب» للدولة بخيار للتفاوض أجدى وأقل ضرراً، وعلى رغم التعقيدات التي يصطدم بها لبنان، فإنّ الصيغة الإطارية التي تمّ التوصل إليها مع إسرائيل بضمانة أميركية، تبقى ورقة الضغط الوحيدة التي يمكنه استخدامها لفرملة التوغل الإسرائيلي، خصوصاً إذا تمكن من تكريس هذه الصيغة في الأمم المتحدة، مستعيناً بقوة تنفيذية ضامنة، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته المباشرة. ولذلك، سيكون تخلّي «حزب الله» إرادياً عن منظومة السلاح لمصلحة الجيش اللبناني عاملاً أساسياً في إسقاط خطط التوسع الإسرائيلي، التي ينادي بها المتطرفون في إسرائيل، وآخرهم وزير المال بتسلئيل سموتريتش.

وكذلك، سيؤدي تخلّي «الحزب» عن سلاحه وقراره العسكري للدولة إلى تحييد لبنان عن منظومة المحاور الإقليمية وصراعاتها المدمّرة. فطهران تقايض اليوم ملفات المنطقة مع واشنطن، من لبنان والعراق وغزة واليمن إلى مضيق هرمز، وتطرح في المقابل تسييل الأصول ورفع العقوبات النفطية، في سوق التفاهمات المباشرة مع الأميركيين. فتسليم «الحزب» سلاحه إلى الدولة يُعيد تأطير العلاقة بين بيروت وطهران، وينقل إيران من منطق التعاطي مع لبنان كـ«ساحة وممر» إلى منطق العلاقات بين «دولة ودولة»، وهو ما يحمي الجنوب وأهله الذين يُضحى بهم اليوم كحطب في أفران التسويات الإقليمية الكبرى.

​في ذكرى نصرالله الثانية، الأجدى لـ«الحزب» أن يطلب مساعدة الشركاء في لبنان ليفك عنه السحر، فينجو بالجنوب وبيئته ولبنان. فالبطولة في لحظات التحوُّل الكبرى لا تُقاس بالقدرة على إطلاق آخر صاروخ، بل باتخاذ القرار الأجرأ لحماية الناس والأرض. لقد انتهى زمن «قواعد الاشتباك»، وبدأ زمن «قواعد البقاء». والتخلّي عن السلاح وتسليمه إلى الدولة، هو المناورة الاستراتيجية الأخيرة التي يمكن أن تنقذ الجنوب من التوسع الإسرائيلي، ولبنان من التفكك، وأن تضع «الحزب» في قلب الدولة كشريك فاعل، لا كهدف في بنك أهداف الآخرين. فهل يملك «الحزب» الجرأة ليجعل التخلّي عن السلاح أعظم انتصاراته السياسية؟

«الحزب» من «قواعد الاشتباك» إلى «قواعد البقاء»

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
29 أيلول 2026

في الذكرى الثانية لغياب السيد حسن نصرالله، لم يفاجئ «حزب الله» أحداً. وكما كان متوقعاً، أصرّ على أنّه لن يتزحزح قيد أنملة عن نهجه «التقليدي»: لا تسليم للسلاح، ولا تفكيك للبنية العسكرية والأمنية، أو لقرار الحرب والسلم أو للنفوذ داخل الدولة ومؤسساتها، أياً كانت الظروف ومهما بلغ الثمن. منطقياً، هذا يعني أنّ المعطيات التي أوصلت «الحزب» وبيئته إلى ما وصلا إليه اليوم لن تتغيّر. وفي عبارة أخرى، مسار الكوارث لن يتوقف.

يعتقد كثيرون، حتى من داخل البيئة الشيعية أو بعض البيئات اللبنانية الأخرى، بما فيها المتعاطفة نسبياً مع «حزب الله»، أنّ أمام «الحزب» طريقاً وحيدة للحدّ من الخسائر، وهي أن يقتنع بوجوب اعتماد «قواعد اشتباك» جديدة، وأنّ القواعد القديمة اندثرت كلياً. أي، على «الحزب» أن يتمتع بجرأة استثنائية في الرؤية، ليتخلّى طوعاً عمّا بقي من سلاح بين يديه لحساب الدولة، وأن يقتنع بأنّ هذا التخلّي ليس انكساراً أو استسلاماً، بل هو الخيار الرؤيوي الوحيد، لأنّ هذا السلاح سيبقى في أي حال هدفاً مُستباحاً لإسرائيل حتى النهاية.

لا حاجة إلى الاستعانة بالأدلة والبراهين لإثبات أنّ موازين القوى، تكنولوجياً وعسكرياً، راجحة في شكل مطلق لمصلحة إسرائيل، وأنّ سلاح «الحزب» يصبح يوماً بعد يوم عديم الجدوى في المواجهة. وهذا الاختلال الهائل سمح بتوسع الجيش الإسرائيلي في العمق اللبناني، وأتاح له فرض واقع أمني قاسٍ جداً ضمن ما يسمّى «الخط الأصفر»، فيما ينفّذ «الحزب» خطوات تراجعية متلاحقة، إلى خطوط خلفية، من الخط الأزرق إلى الليطاني فالزهراني حتى الآن. وهو يتمسك بمواقعه في جبال إقليم التفاح والريحان والبقاع الغربي، لكن هذه المواقع نفسها ليست مصانة على الإطلاق، ويتردّد أنّها قد تسقط أيضاً في جولات عسكرية مقبلة ربما تختار إسرائيل توقيتها.

على «الحزب» أن يقتنع أنّ التمسّك بالسلاح بات ذريعة إسرائيل الجاهزة للسيطرة على الأرض والتدمير والتهجير. ولذلك، تقتضي الحكمة الاستراتيجية تجريدها من هذه الذريعة، خصوصاً في زمن المزايدات الانتخابية والسياسية في إسرائيل، حيث يرفع المتطرفون شعار «البعبع» المسلح الخارج عن سيطرة الدولة في لبنان. وسيكون تسليم «الحزب» للدولة بخيار للتفاوض أجدى وأقل ضرراً، وعلى رغم التعقيدات التي يصطدم بها لبنان، فإنّ الصيغة الإطارية التي تمّ التوصل إليها مع إسرائيل بضمانة أميركية، تبقى ورقة الضغط الوحيدة التي يمكنه استخدامها لفرملة التوغل الإسرائيلي، خصوصاً إذا تمكن من تكريس هذه الصيغة في الأمم المتحدة، مستعيناً بقوة تنفيذية ضامنة، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته المباشرة. ولذلك، سيكون تخلّي «حزب الله» إرادياً عن منظومة السلاح لمصلحة الجيش اللبناني عاملاً أساسياً في إسقاط خطط التوسع الإسرائيلي، التي ينادي بها المتطرفون في إسرائيل، وآخرهم وزير المال بتسلئيل سموتريتش.

وكذلك، سيؤدي تخلّي «الحزب» عن سلاحه وقراره العسكري للدولة إلى تحييد لبنان عن منظومة المحاور الإقليمية وصراعاتها المدمّرة. فطهران تقايض اليوم ملفات المنطقة مع واشنطن، من لبنان والعراق وغزة واليمن إلى مضيق هرمز، وتطرح في المقابل تسييل الأصول ورفع العقوبات النفطية، في سوق التفاهمات المباشرة مع الأميركيين. فتسليم «الحزب» سلاحه إلى الدولة يُعيد تأطير العلاقة بين بيروت وطهران، وينقل إيران من منطق التعاطي مع لبنان كـ«ساحة وممر» إلى منطق العلاقات بين «دولة ودولة»، وهو ما يحمي الجنوب وأهله الذين يُضحى بهم اليوم كحطب في أفران التسويات الإقليمية الكبرى.

​في ذكرى نصرالله الثانية، الأجدى لـ«الحزب» أن يطلب مساعدة الشركاء في لبنان ليفك عنه السحر، فينجو بالجنوب وبيئته ولبنان. فالبطولة في لحظات التحوُّل الكبرى لا تُقاس بالقدرة على إطلاق آخر صاروخ، بل باتخاذ القرار الأجرأ لحماية الناس والأرض. لقد انتهى زمن «قواعد الاشتباك»، وبدأ زمن «قواعد البقاء». والتخلّي عن السلاح وتسليمه إلى الدولة، هو المناورة الاستراتيجية الأخيرة التي يمكن أن تنقذ الجنوب من التوسع الإسرائيلي، ولبنان من التفكك، وأن تضع «الحزب» في قلب الدولة كشريك فاعل، لا كهدف في بنك أهداف الآخرين. فهل يملك «الحزب» الجرأة ليجعل التخلّي عن السلاح أعظم انتصاراته السياسية؟

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار