اتفاق الإطار هو أفضل الممكن نظراً للظروف… وتبعات الانسحاب منه أسوأ من الحفاظ عليه

يفتقر لبنان الى أي أدوات قوة يستخدمها على طاولة المفاوضات باستثناء الديبلوماسية. وما اتفق عليه حتى اليوم هو نتيجة الوساطة الأميركية التي من دونها لكان لبنان بمكان أسوأ بكثير مما هو عليه اليوم.
أظهر الخطاب الأخير للأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم في ذكرى اغتيال السيد حسن نصر الله، مدى انفصال قيادة الحزب عن الواقع.
فبينما كانت كلمته تبث لجموع المناصرين الذين احتشدوا لسماع تحديه للدولة ووعوده بهزيمة العدو وتحرير الأراضي المحتلة، كانت المسيّرات الإسرائيلية تحلق على علو مخفوض فوق ضاحية بيروت الجنوبية، والطائرات والمدفعية الإسرائيلية تقصف قرى عدة بالجنوب، من دون أي رد من الحزب على المواقع أو الداخل الإسرائيلي.
وهاجم قاسم اتفاق الإطار الذي ساهم الى حد كبير باستمرار تحييد بيروت والضاحية عن الهجمات الإسرائيلية. فلولا استمرار لبنان بالمفاوضات والحفاظ على هذا الاتفاق، لكان بلا غطاء أميركي أبقى المعارك محصورةً بجنوب لبنان ولكان البلد عرضةً لعقوبات اقتصادية قاسية.
انتقد عدد من السياسيين اللبنانيين اتفاق الإطار واصفين إياه بأنه مجحف بحق لبنان ولم يحصل على أي تنازلات مهمة من إسرائيل. وذهب بعضهم الى حد المطالبة بإلغائه والتفاوض على اتفاق أفضل. طبعاً “حزب الله” لا يريد أي تفاوض مع إسرائيل لا يكون هو اللاعب الأساسي فيه ولا يضمن بقاء سلاحه. وبالتالي، فهو لن يقبل أي صيغة اتفاق يؤدي الى إنشاء مساحات جغرافية بالجنوب تكون خالية من سلاحه. ويعمد الحزب لتخوين رئيسي الجمهورية والحكومة ويتهم الدولة بالمسؤولية عما تقوم به إسرائيل في جنوب لبنان من قتل ودمار وتوسيع للاحتلال.
إذا ما تمت مراجعة تسلسل الحوادث منذ الثامن من أكتوبر 2023، يظهر بشكل جلي أن اتفاق الإطار هو أحد نتائج حربي الإسناد اللتين شنهما الحزب على إسرائيل. فقرار الحزب فتح جبهة لبنان مع إسرائيل، تلبية لأوامر طهران، وأدى الى عودة الاحتلال الإسرائيلي وانطلاق عمليات تدمير واسعة النطاق لعشرات القرى في جنوب لبنان. وسيؤدي رفض “حزب الله” تسليم سلاحه للجيش اللبناني تلبية لقرار الحكومة اللبنانية وعملاً بدستور الدولة، الى استمرار القصف الإسرائيلي وخسارة مزيد من القرى وتهجير مزيد من سكان الجنوب وسقوط أعداد إضافية من القتلى والجرحى. وفشل سلاح “حزب الله” بوقف توسع الاحتلال الإسرائيلي الذي وصل إلى شمال الليطاني على مداخل مدينة النبطية، وعجزه عن تحرير أي شبر مما احتلته إسرائيل حتى اليوم، يكشف مدى ضعف قوة الحزب وعدم واقعية سرديته التي تتحدث عن قدرة سلاحه على ردع العدو وهزيمته.
ذهبت الدولة اللبنانية الى المفاوضات مع إسرائيل بعد تدخل واشنطن وضغطها على إسرائيل للحد من عملياتها العسكرية. يجب التذكير دائماً بأن المفاوضات لم تكن طلباً إسرائيلياً، بل نتيجة جهود ديبلوماسية أميركية مدعومة من قوى إقليمية. ذهب الوفد اللبناني الى واشنطن بمطالب واضحة حول وقف الحرب وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة وتحرير الأسرى. إنما يفتقر لبنان الى أي أدوات ضغط، وكل ما يملكه هو الالتزام الأميركي إجبار تل أبيب على حضور المفاوضات والضغط عليها للحد من عملياتها العسكرية ومناقشة صيغ انسحاب قواتها من الأراضي اللبنانية. فالدولة لم تكون وراء قرار الحرب ولم تستشر به، بل وجدت نفسها أمام واقع مأسوي وكارثي تسبب به “حزب الله”. كما أنها لا تملك قدرات عسكرية تمكنها من طرد القوات الإسرائيلية، وسلاح “حزب الله” عاجز عن مقاومة إسرائيل ووقف توسع الاحتلال وتحرير الأراضي.
وعليه، يفتقر لبنان الى أي أدوات قوة يستخدمها على طاولة المفاوضات باستثناء الديبلوماسية. وما اتفق عليه حتى اليوم هو نتيجة الوساطة الأميركية التي من دونها لكان لبنان بمكان أسوأ بكثير مما هو عليه اليوم.
ورغم أن اتفاق الإطار ليس مثالياً، فأنه أفضل الممكن نظراً للظروف التي يعيشها لبنان وتشهدها المنطقة. وأهم ما في الاتفاق، أن إسرائيل تقر أنها تحتل أراض لبنانية، وتتحدث عن استعدادها للانسحاب في مقابل شروط محددة. وإذا ما تخلى لبنان عن الاتفاق، فستكون إسرائيل في حلٍّ من كل هذا وعلى الأرجح ستنسحب واشنطن من الوساطة ويترك البلد ليواجه مصيره وحيداً أمام الأطماع والتوحش الإسرائيليين.
لقد بات “حزب الله” اليوم عبئاً على بيئته وشعب لبنان، واستمرار تعنته ورفضه تسليم السلاح يؤخر تنفيذ الاتفاق ويتسبب بتدمير مزيد من القرى وتوسيع الاحتلال. وعلى أركان السلطة بدء التعامل مع سلاح الحزب على أنه خطر يهدد لبنان وجنوبه، ودحض سردية قادته عن المقاومة وتآمر الدولة على سكان الجنوب. يجب أخذ خطوات عملية من أجل إنهاء التعايش بين الدولة والدويلة لإنقاذ ما تبقى من جنوب لبنان وتحريره. فيجب استكمال خطوة الانتشار في النبطية بعملية بحث عن السلاح في المدينة ومصادرته ومنع مقاتلي الحزب من الدخول إليها. كما يجب تطبيق الأمر نفسه في صور تلبية لنداء سكان المدينة، والتحرك باتجاه كل قرية ينادي أهلها بخروج مقاتلي “حزب الله” منها. فلتقف الدولة مع أهل الجنوب بوجه من يعتبر سلاحه اليوم غير شرعي ويتسبب بنكبة غير مسبوقة لجبل عامل فداءً لإيران.
اتفاق الإطار هو أفضل الممكن نظراً للظروف… وتبعات الانسحاب منه أسوأ من الحفاظ عليه

يفتقر لبنان الى أي أدوات قوة يستخدمها على طاولة المفاوضات باستثناء الديبلوماسية. وما اتفق عليه حتى اليوم هو نتيجة الوساطة الأميركية التي من دونها لكان لبنان بمكان أسوأ بكثير مما هو عليه اليوم.
أظهر الخطاب الأخير للأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم في ذكرى اغتيال السيد حسن نصر الله، مدى انفصال قيادة الحزب عن الواقع.
فبينما كانت كلمته تبث لجموع المناصرين الذين احتشدوا لسماع تحديه للدولة ووعوده بهزيمة العدو وتحرير الأراضي المحتلة، كانت المسيّرات الإسرائيلية تحلق على علو مخفوض فوق ضاحية بيروت الجنوبية، والطائرات والمدفعية الإسرائيلية تقصف قرى عدة بالجنوب، من دون أي رد من الحزب على المواقع أو الداخل الإسرائيلي.
وهاجم قاسم اتفاق الإطار الذي ساهم الى حد كبير باستمرار تحييد بيروت والضاحية عن الهجمات الإسرائيلية. فلولا استمرار لبنان بالمفاوضات والحفاظ على هذا الاتفاق، لكان بلا غطاء أميركي أبقى المعارك محصورةً بجنوب لبنان ولكان البلد عرضةً لعقوبات اقتصادية قاسية.
انتقد عدد من السياسيين اللبنانيين اتفاق الإطار واصفين إياه بأنه مجحف بحق لبنان ولم يحصل على أي تنازلات مهمة من إسرائيل. وذهب بعضهم الى حد المطالبة بإلغائه والتفاوض على اتفاق أفضل. طبعاً “حزب الله” لا يريد أي تفاوض مع إسرائيل لا يكون هو اللاعب الأساسي فيه ولا يضمن بقاء سلاحه. وبالتالي، فهو لن يقبل أي صيغة اتفاق يؤدي الى إنشاء مساحات جغرافية بالجنوب تكون خالية من سلاحه. ويعمد الحزب لتخوين رئيسي الجمهورية والحكومة ويتهم الدولة بالمسؤولية عما تقوم به إسرائيل في جنوب لبنان من قتل ودمار وتوسيع للاحتلال.
إذا ما تمت مراجعة تسلسل الحوادث منذ الثامن من أكتوبر 2023، يظهر بشكل جلي أن اتفاق الإطار هو أحد نتائج حربي الإسناد اللتين شنهما الحزب على إسرائيل. فقرار الحزب فتح جبهة لبنان مع إسرائيل، تلبية لأوامر طهران، وأدى الى عودة الاحتلال الإسرائيلي وانطلاق عمليات تدمير واسعة النطاق لعشرات القرى في جنوب لبنان. وسيؤدي رفض “حزب الله” تسليم سلاحه للجيش اللبناني تلبية لقرار الحكومة اللبنانية وعملاً بدستور الدولة، الى استمرار القصف الإسرائيلي وخسارة مزيد من القرى وتهجير مزيد من سكان الجنوب وسقوط أعداد إضافية من القتلى والجرحى. وفشل سلاح “حزب الله” بوقف توسع الاحتلال الإسرائيلي الذي وصل إلى شمال الليطاني على مداخل مدينة النبطية، وعجزه عن تحرير أي شبر مما احتلته إسرائيل حتى اليوم، يكشف مدى ضعف قوة الحزب وعدم واقعية سرديته التي تتحدث عن قدرة سلاحه على ردع العدو وهزيمته.
ذهبت الدولة اللبنانية الى المفاوضات مع إسرائيل بعد تدخل واشنطن وضغطها على إسرائيل للحد من عملياتها العسكرية. يجب التذكير دائماً بأن المفاوضات لم تكن طلباً إسرائيلياً، بل نتيجة جهود ديبلوماسية أميركية مدعومة من قوى إقليمية. ذهب الوفد اللبناني الى واشنطن بمطالب واضحة حول وقف الحرب وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة وتحرير الأسرى. إنما يفتقر لبنان الى أي أدوات ضغط، وكل ما يملكه هو الالتزام الأميركي إجبار تل أبيب على حضور المفاوضات والضغط عليها للحد من عملياتها العسكرية ومناقشة صيغ انسحاب قواتها من الأراضي اللبنانية. فالدولة لم تكون وراء قرار الحرب ولم تستشر به، بل وجدت نفسها أمام واقع مأسوي وكارثي تسبب به “حزب الله”. كما أنها لا تملك قدرات عسكرية تمكنها من طرد القوات الإسرائيلية، وسلاح “حزب الله” عاجز عن مقاومة إسرائيل ووقف توسع الاحتلال وتحرير الأراضي.
وعليه، يفتقر لبنان الى أي أدوات قوة يستخدمها على طاولة المفاوضات باستثناء الديبلوماسية. وما اتفق عليه حتى اليوم هو نتيجة الوساطة الأميركية التي من دونها لكان لبنان بمكان أسوأ بكثير مما هو عليه اليوم.
ورغم أن اتفاق الإطار ليس مثالياً، فأنه أفضل الممكن نظراً للظروف التي يعيشها لبنان وتشهدها المنطقة. وأهم ما في الاتفاق، أن إسرائيل تقر أنها تحتل أراض لبنانية، وتتحدث عن استعدادها للانسحاب في مقابل شروط محددة. وإذا ما تخلى لبنان عن الاتفاق، فستكون إسرائيل في حلٍّ من كل هذا وعلى الأرجح ستنسحب واشنطن من الوساطة ويترك البلد ليواجه مصيره وحيداً أمام الأطماع والتوحش الإسرائيليين.
لقد بات “حزب الله” اليوم عبئاً على بيئته وشعب لبنان، واستمرار تعنته ورفضه تسليم السلاح يؤخر تنفيذ الاتفاق ويتسبب بتدمير مزيد من القرى وتوسيع الاحتلال. وعلى أركان السلطة بدء التعامل مع سلاح الحزب على أنه خطر يهدد لبنان وجنوبه، ودحض سردية قادته عن المقاومة وتآمر الدولة على سكان الجنوب. يجب أخذ خطوات عملية من أجل إنهاء التعايش بين الدولة والدويلة لإنقاذ ما تبقى من جنوب لبنان وتحريره. فيجب استكمال خطوة الانتشار في النبطية بعملية بحث عن السلاح في المدينة ومصادرته ومنع مقاتلي الحزب من الدخول إليها. كما يجب تطبيق الأمر نفسه في صور تلبية لنداء سكان المدينة، والتحرك باتجاه كل قرية ينادي أهلها بخروج مقاتلي “حزب الله” منها. فلتقف الدولة مع أهل الجنوب بوجه من يعتبر سلاحه اليوم غير شرعي ويتسبب بنكبة غير مسبوقة لجبل عامل فداءً لإيران.









