سلاح “الحزب” على طاولة واشنطن وطهران؟

قد لا يوحي مشهد جمود المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية بأن الشأن اللبناني لا يزال يحتل مكانة مهمة في واشنطن، عاصمة القرار العالمي، لكن مسؤولي الإدارة الأميركية لا يوفّرون جهدًا في سبيل دعم الدولة اللبنانية لإنهاء سلاح “حزب الله”، رغم العراقيل والصعوبات الكثيرة الناتجة من ارتباط هذا السلاح بالصراع الأميركي-الإيراني. وعلمت “المدن” أن أزمة لبنان طُرحت في الأيام الماضية على خطين: الأول يتمثّل في استعداد أميركي للتداول في مسألة سلاح “الحزب” ضمن المفاوضات الجارية مع إيران، والثاني برز خلال زيارة رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجّي إلى الولايات المتحدة.
من المعروف أن لا وجود للبنان في المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران؛ إذ لا يشارك أي مفاوض لبناني في تبادل الرسائل عبر الوسطاء، ولا توجد أدلة تشير إلى التوصل إلى تسوية بشأن ملف “الحزب”. ومع ذلك، تتابع بيروت هذه المحادثات باهتمام بالغ. لكن مصادر ديبلوماسية لبنانية مقيمة في واشنطن كشفت أن الإدارة الأميركية تدرك أن عجز الدولة اللبنانية عن معالجة سلاح “الحزب” يحول دون استمرار المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية أو يؤثّر فيها سلبًا. لذلك، قد تطرح مسألة لبنان انطلاقًا من إصرار المفاوضين الإيرانيين على توسيع نطاق الحوار ليشمل مختلف الجبهات الإقليمية، ما قد تكون له تداعيات مباشرة على جنوب لبنان، وسلاح “الحزب”، وهامش تحرك الدولة لاستعادة سلطتها.
وتلفت المصادر الديبلوماسية إلى أن أول ما يجب استحضاره هو هذا التحول تحديدًا: فلبنان ليس جالسًا إلى طاولة المفاوضات، لكنه عرضة لنتائجها. فالإدارة الأميركية لن تقدّم للإيرانيين الطبق اللبناني لكي يستخدموه على نحو ينتقص من سيادة القرار اللبناني وحق الدولة اللبنانية في التفاوض عن نفسها، إنما للمساعدة حصرًا في حلّ مسألة سلاح “الحزب”، لأنه جعل مرجعيته إيران لا الدولة اللبنانية، وهنا بيت القصيد.
وفي إطار هذه المعادلة، تكتسب الجبهات الإقليمية أهميتها؛ إذ تبرز كلمة “الجبهات”، من وجهة نظر إيران، كعنصر حاسم يمنع اختزال المفاوضات في الشأن الإيراني الداخلي فحسب، فيما يطرحها المفاوضون الأميركيون انطلاقًا من بند منع إيران من دعم وكلائها في المنطقة.
ووفقًا للمعلومات المتاحة، لا ترغب طهران في أن يُنظر إلى وقف الأعمال العدائية باعتباره ترتيبًا ثنائيًا يقتصر على الولايات المتحدة وإيران؛ إذ تُعدّ مسألة إنهاء القتال على مختلف الجبهات الإقليمية إحدى القضايا التي ينقلها الوسطاء. وتُعتبر هذه الصياغة جوهرية بالنسبة إلى لبنان؛ فهي لا تعني أن إيران طلبت من الولايات المتحدة اتفاقًا خاصًا يضمن بقاء سلاح “الحزب”، بل تعني أن طهران تسعى إلى تجنب وضع تحظى فيه بتهدئة داخل أراضيها، فيما يستمر الضغط العسكري على حلفائها في مناطق أخرى.
وترى واشنطن في هذا الأمر نقطة خلاف؛ إذ تشير معلومات من أوساط أميركية إلى أن الإدارة تعتبر الصيغة الإيرانية المتعلقة بإنهاء الحرب في مختلف الساحات محاولةً لحماية حلفاء طهران الإقليميين، بمن فيهم “الحزب”، والحوثيون في اليمن، والجماعات المسلحة المقرّبة من إيران في العراق.
وهكذا، تريد إيران، عبر المفاوضات، طرح تهدئة الجبهة اللبنانية من دون أن تُطرح إشكالية سلاح “الحزب” كملف مستقل بحد ذاته، فيما يريد الأميركيون طرح وقف دعم إيران لـ”الحزب”، بل الذهاب إلى أبعد من ذلك، من خلال دفع طهران إلى تسهيل عملية حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. وهنا الفارق جوهري.
وتؤكّد المصادر الديبلوماسية أن واشنطن تسعى إلى أكثر بكثير من مجرد اتفاق نووي جديد، ومن الخطأ اعتبار المناقشات الحالية مجرد نسخة جديدة من النزاع النووي. فالمطالب الأميركية أوسع نطاقًا بكثير؛ إذ ترغب واشنطن في معالجة البرنامج النووي الإيراني، ولكن أيضًا ملف الصواريخ الباليستية، والتهديدات التي تواجه الملاحة، وشبكة النفوذ الإقليمية المحيطة بطهران، والتي يُعتبر “الحزب” جزءًا منها.
ويغيّر هذا النهج المعادلة اللبنانية بشكل جذري. فقد بات هذا الملف يشكّل جزءًا من معادلة قوى أوسع بكثير بين واشنطن وطهران. ولا يقلّل هذا الأمر من القرار السيادي للدولة اللبنانية، التي ستحاول واشنطن المحافظة على مفاوضاتها المستقلة مع إسرائيل، لكنه يعني أن الولايات المتحدة تعتبر “الحزب” جزءًا من الهيكلية الإقليمية الإيرانية، في حين تتمحور القضية بالنسبة إلى الحكومة اللبنانية حول احتكار القوة المشروعة واستعادة الدولة قرار الحرب والسلم.
وتعتبر المصادر الديبلوماسية المقيمة في واشنطن أن هاتين الرؤيتين قد تفضيان إلى الهدف العملي ذاته في بعض النقاط، إلا أنهما تستندان إلى منطقين مختلفين تمامًا، وهذا الاختلاف يفسّر سعي بيروت إلى الحيلولة دون فرض أجندة خارجية عليها.
ومن جانبها، لا تجد إيران سببًا يدعوها إلى التنازل عن “ورقة لبنان” قبل معرفة الثمن الذي ستدفعه الولايات المتحدة؛ إذ تزداد قيمة “الحزب” بالنسبة إلى إيران تحديدًا بسبب تعامل واشنطن معه كجزء من مطالبها. علاوة على ذلك، فإن طهران لا تتفاوض في ظل ظروف دبلوماسية طبيعية، بل تفعل ذلك بعد سبعة أشهر من الحرب، وتحت وطأة العقوبات وضغوط مباشرة تستهدف مساراتها الجوية والبحرية. وفي ظل الحصار الاقتصادي الأميركي، تسعى إيران إلى الحفاظ على ما تعتبره أوراقًا تفاوضية، ما يفسّر سبب رفضها التخلي عن هذا الملف بمعزل عن القضايا الأخرى.
وتكشف المعطيات أنه إذا قبلت طهران باتفاق ما يتعلق بوكلائها، وخصوصًا “الحزب”، فمن المنطقي أن تسعى إلى معرفة ما ستحصل عليه في ما يتعلق بالعقوبات، ومضيق هرمز، والتجارة، والملفات الإقليمية. وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى تحقيق العكس تمامًا، أي الحيلولة دون أن يؤدي وقف الأعمال العدائية ببساطة إلى السماح لإيران بالحفاظ على كل ترتيباتها الإقليمية من دون تعديل.
وهنا يكمن جوهر المفاوضات، وهنا أيضًا يصبح لبنان عرضة لتداعيات نقاش لا يشارك فيه بنفسه. ولذلك، يحاول لبنان وضع جدول زمني خاص به قبل أن يتجاوزه أي اتفاق إقليمي محتمل.
بديل اليونيفيل أولوية
من جهة أخرى، لا يبدو حراك سلام ورجّي في الولايات المتحدة الأميركية منفصلًا عن المشهدين الإقليمي والدولي، وتشير المعلومات الواردة من واشنطن إلى أن الأوساط الرسمية اللبنانية أدركت بوضوح حجم هذه المخاطرة.
واستغل سلام وجوده في نيويورك لتكثيف اللقاءات، واضعًا نصب عينيه هدفين واضحين: يتعلق الأول بقوة “اليونيفيل”، التي اقترب موعد انتهاء مهمتها، لذلك سعى إلى إقناع الإدارة الأميركية بالحيلولة دون حدوث فراغ دولي في الجنوب. ونشط على خط المناقشات المتعلقة بقوة بديلة، أو وجود أوروبي، أو أي صيغة دولية أخرى، وذلك بمعزل عن نتائج المفاوضات الأميركية-الإيرانية.
أما الهدف الثاني الذي ركّز عليه سلام، فتعلّق بسلطة الدولة؛ إذ سعى إلى الحصول على دعم دولي لقرار حكومته بشأن نشر الجيش، وحصر السلاح بيد الدولة، واستعادة قرار الحرب والسلم. والمنطق هنا مهم، وفق المعلومات المتوافرة، فسلام حاول استغلال هذه النافذة الدبلوماسية لتعزيز المؤسسات اللبنانية، إذ لا يمكنه الانتظار لمعرفة ما إذا كانت واشنطن وطهران ستتوصلان إلى اتفاق أم لا؛ فالجدول الزمني المتعلق بالجنوب و”اليونيفيل”، والضغوط الأميركية على الحكومة اللبنانية، أمور تتحرك بالفعل على أرض الواقع.
فقد جمع دونالد ترامب في نيويورك عددًا من القادة العرب والمسلمين، وكان نواف سلام حاضرًا في الاجتماع، وهي تفاصيل ذات أهمية سياسية؛ إذ أُشرك لبنان في المشاورات الإقليمية التي أجرتها واشنطن، بالتزامن مع إجراء مبعوثين أميركيين اتصالات غير مباشرة مع الإيرانيين.
ورغم أن بيروت لم تكن داخل غرفة المفاوضات الأميركية-الإيرانية، فإنها كانت حاضرة في دائرة أخرى: دائرة دول المنطقة التي استشارها الرئيس الأميركي. وترى المصادر الديبلوماسية أن هذه الصيغة منحت لبنان قدرة على التعبير عن موقفه، لكنها لا تمنحه حق النقض؛ إذ اقتصر دور نواف سلام على تحديد الأولويات اللبنانية وعرضها. وقد أصرّ على الانسحاب الإسرائيلي، ودور الجيش، وإعادة الإعمار، وضرورة تجنب حدوث فراغ في الجنوب، لكنه لم يستطع تحديد التنازلات التي ستطلبها واشنطن من طهران أو ما ستقبل به طهران.
وجوب مواصلة المفاوضات
في المقابل، كشفت المصادر أجواء اللقاء المفصلي بين سلام ورجّي، من جهة، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، من جهة أخرى. وقد قدّم الأخير رؤية استراتيجية غير مسبوقة في النظرة الدولية إلى الملف اللبناني؛ إذ لم يعد قرار حصر السلاح بيد الدولة مجرد بند مطروح للنقاش الشفهي، بل تحوّل إلى خريطة طريق تنفيذية مقترنة بجداول زمنية صارمة وآليات تحقق دولية مباشرة، تُسقط صراحةً كل محاولات التملص والتسويف التي اعتاد عليها “الحزب” ومن خلفه طهران.
وأكدت المصادر أن روبيو كان صريحًا مع ضيفيه اللبنانيين، مشددًا على أن المجتمع الدولي، وخصوصًا الولايات المتحدة، سيضع شروطًا حازمة لتنفيذ بند حصر السلاح، وأن لا مساعدات اقتصادية دولية ستُضخ لإعادة الإعمار، ولن تمرّ أي قروض عبر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ما لم تقدّم بيروت خطوات ملموسة وعملية على الأرض تثبت تفكيك المربعات الأمنية لـ”الحزب” ومصادرة ترسانته العسكرية لمصلحة الجيش اللبناني وحده.
وأوضحت المصادر أن سلام، من جهته، ركّز على وجوب مواصلة المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية وفق مبدأ انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية وحصرية السلاح بيد الدولة، طارحًا ضرورة الانتقال من الشعارات العامة إلى خطة تنفيذية تقوم على التبادلية والمرحلية، بحيث تُقابل كل خطوة لبنانية خطوة إسرائيلية واضحة.
وخريطة الطريق التي شدّد عليها سلام ورجّي تقضي بانسحاب إسرائيلي من منطقة محددة، يليه انتشار للجيش، فتحقق دولي، ثم تثبيت سلطة الدولة وحصرية السلاح، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية.
وعلمت “المدن” أن سلام نال وعدًا بتحقيق خرق على صعيد جمود المفاوضات، وقد نجح في إبقاء مبدأ التبادلية على طاولة البحث الأميركية، ومنع اختزال الملف بسلاح “الحزب” وحده.
قد لا تكون الظروف مؤاتية لإعادة إطلاق المفاوضات بالتزامن مع حماوة الانتخابات الإسرائيلية المنتظرة في 27 تشرين الأول المقبل، لكن الأميركيين سيضغطون في اتجاه كسر الجمود وعقد المفاوضات في منتصف تشرين الأول، للبحث في ما طلبه سلام في واشنطن، أي تحويل التبادلية من مطلب لبناني إلى آلية تنفيذية على الأرض، باعتبار أنه لا يمكن إنهاء السلاح خارج الدولة وترك أرض لبنانية تحت الاحتلال.
سلاح “الحزب” على طاولة واشنطن وطهران؟

قد لا يوحي مشهد جمود المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية بأن الشأن اللبناني لا يزال يحتل مكانة مهمة في واشنطن، عاصمة القرار العالمي، لكن مسؤولي الإدارة الأميركية لا يوفّرون جهدًا في سبيل دعم الدولة اللبنانية لإنهاء سلاح “حزب الله”، رغم العراقيل والصعوبات الكثيرة الناتجة من ارتباط هذا السلاح بالصراع الأميركي-الإيراني. وعلمت “المدن” أن أزمة لبنان طُرحت في الأيام الماضية على خطين: الأول يتمثّل في استعداد أميركي للتداول في مسألة سلاح “الحزب” ضمن المفاوضات الجارية مع إيران، والثاني برز خلال زيارة رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجّي إلى الولايات المتحدة.
من المعروف أن لا وجود للبنان في المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران؛ إذ لا يشارك أي مفاوض لبناني في تبادل الرسائل عبر الوسطاء، ولا توجد أدلة تشير إلى التوصل إلى تسوية بشأن ملف “الحزب”. ومع ذلك، تتابع بيروت هذه المحادثات باهتمام بالغ. لكن مصادر ديبلوماسية لبنانية مقيمة في واشنطن كشفت أن الإدارة الأميركية تدرك أن عجز الدولة اللبنانية عن معالجة سلاح “الحزب” يحول دون استمرار المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية أو يؤثّر فيها سلبًا. لذلك، قد تطرح مسألة لبنان انطلاقًا من إصرار المفاوضين الإيرانيين على توسيع نطاق الحوار ليشمل مختلف الجبهات الإقليمية، ما قد تكون له تداعيات مباشرة على جنوب لبنان، وسلاح “الحزب”، وهامش تحرك الدولة لاستعادة سلطتها.
وتلفت المصادر الديبلوماسية إلى أن أول ما يجب استحضاره هو هذا التحول تحديدًا: فلبنان ليس جالسًا إلى طاولة المفاوضات، لكنه عرضة لنتائجها. فالإدارة الأميركية لن تقدّم للإيرانيين الطبق اللبناني لكي يستخدموه على نحو ينتقص من سيادة القرار اللبناني وحق الدولة اللبنانية في التفاوض عن نفسها، إنما للمساعدة حصرًا في حلّ مسألة سلاح “الحزب”، لأنه جعل مرجعيته إيران لا الدولة اللبنانية، وهنا بيت القصيد.
وفي إطار هذه المعادلة، تكتسب الجبهات الإقليمية أهميتها؛ إذ تبرز كلمة “الجبهات”، من وجهة نظر إيران، كعنصر حاسم يمنع اختزال المفاوضات في الشأن الإيراني الداخلي فحسب، فيما يطرحها المفاوضون الأميركيون انطلاقًا من بند منع إيران من دعم وكلائها في المنطقة.
ووفقًا للمعلومات المتاحة، لا ترغب طهران في أن يُنظر إلى وقف الأعمال العدائية باعتباره ترتيبًا ثنائيًا يقتصر على الولايات المتحدة وإيران؛ إذ تُعدّ مسألة إنهاء القتال على مختلف الجبهات الإقليمية إحدى القضايا التي ينقلها الوسطاء. وتُعتبر هذه الصياغة جوهرية بالنسبة إلى لبنان؛ فهي لا تعني أن إيران طلبت من الولايات المتحدة اتفاقًا خاصًا يضمن بقاء سلاح “الحزب”، بل تعني أن طهران تسعى إلى تجنب وضع تحظى فيه بتهدئة داخل أراضيها، فيما يستمر الضغط العسكري على حلفائها في مناطق أخرى.
وترى واشنطن في هذا الأمر نقطة خلاف؛ إذ تشير معلومات من أوساط أميركية إلى أن الإدارة تعتبر الصيغة الإيرانية المتعلقة بإنهاء الحرب في مختلف الساحات محاولةً لحماية حلفاء طهران الإقليميين، بمن فيهم “الحزب”، والحوثيون في اليمن، والجماعات المسلحة المقرّبة من إيران في العراق.
وهكذا، تريد إيران، عبر المفاوضات، طرح تهدئة الجبهة اللبنانية من دون أن تُطرح إشكالية سلاح “الحزب” كملف مستقل بحد ذاته، فيما يريد الأميركيون طرح وقف دعم إيران لـ”الحزب”، بل الذهاب إلى أبعد من ذلك، من خلال دفع طهران إلى تسهيل عملية حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. وهنا الفارق جوهري.
وتؤكّد المصادر الديبلوماسية أن واشنطن تسعى إلى أكثر بكثير من مجرد اتفاق نووي جديد، ومن الخطأ اعتبار المناقشات الحالية مجرد نسخة جديدة من النزاع النووي. فالمطالب الأميركية أوسع نطاقًا بكثير؛ إذ ترغب واشنطن في معالجة البرنامج النووي الإيراني، ولكن أيضًا ملف الصواريخ الباليستية، والتهديدات التي تواجه الملاحة، وشبكة النفوذ الإقليمية المحيطة بطهران، والتي يُعتبر “الحزب” جزءًا منها.
ويغيّر هذا النهج المعادلة اللبنانية بشكل جذري. فقد بات هذا الملف يشكّل جزءًا من معادلة قوى أوسع بكثير بين واشنطن وطهران. ولا يقلّل هذا الأمر من القرار السيادي للدولة اللبنانية، التي ستحاول واشنطن المحافظة على مفاوضاتها المستقلة مع إسرائيل، لكنه يعني أن الولايات المتحدة تعتبر “الحزب” جزءًا من الهيكلية الإقليمية الإيرانية، في حين تتمحور القضية بالنسبة إلى الحكومة اللبنانية حول احتكار القوة المشروعة واستعادة الدولة قرار الحرب والسلم.
وتعتبر المصادر الديبلوماسية المقيمة في واشنطن أن هاتين الرؤيتين قد تفضيان إلى الهدف العملي ذاته في بعض النقاط، إلا أنهما تستندان إلى منطقين مختلفين تمامًا، وهذا الاختلاف يفسّر سعي بيروت إلى الحيلولة دون فرض أجندة خارجية عليها.
ومن جانبها، لا تجد إيران سببًا يدعوها إلى التنازل عن “ورقة لبنان” قبل معرفة الثمن الذي ستدفعه الولايات المتحدة؛ إذ تزداد قيمة “الحزب” بالنسبة إلى إيران تحديدًا بسبب تعامل واشنطن معه كجزء من مطالبها. علاوة على ذلك، فإن طهران لا تتفاوض في ظل ظروف دبلوماسية طبيعية، بل تفعل ذلك بعد سبعة أشهر من الحرب، وتحت وطأة العقوبات وضغوط مباشرة تستهدف مساراتها الجوية والبحرية. وفي ظل الحصار الاقتصادي الأميركي، تسعى إيران إلى الحفاظ على ما تعتبره أوراقًا تفاوضية، ما يفسّر سبب رفضها التخلي عن هذا الملف بمعزل عن القضايا الأخرى.
وتكشف المعطيات أنه إذا قبلت طهران باتفاق ما يتعلق بوكلائها، وخصوصًا “الحزب”، فمن المنطقي أن تسعى إلى معرفة ما ستحصل عليه في ما يتعلق بالعقوبات، ومضيق هرمز، والتجارة، والملفات الإقليمية. وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى تحقيق العكس تمامًا، أي الحيلولة دون أن يؤدي وقف الأعمال العدائية ببساطة إلى السماح لإيران بالحفاظ على كل ترتيباتها الإقليمية من دون تعديل.
وهنا يكمن جوهر المفاوضات، وهنا أيضًا يصبح لبنان عرضة لتداعيات نقاش لا يشارك فيه بنفسه. ولذلك، يحاول لبنان وضع جدول زمني خاص به قبل أن يتجاوزه أي اتفاق إقليمي محتمل.
بديل اليونيفيل أولوية
من جهة أخرى، لا يبدو حراك سلام ورجّي في الولايات المتحدة الأميركية منفصلًا عن المشهدين الإقليمي والدولي، وتشير المعلومات الواردة من واشنطن إلى أن الأوساط الرسمية اللبنانية أدركت بوضوح حجم هذه المخاطرة.
واستغل سلام وجوده في نيويورك لتكثيف اللقاءات، واضعًا نصب عينيه هدفين واضحين: يتعلق الأول بقوة “اليونيفيل”، التي اقترب موعد انتهاء مهمتها، لذلك سعى إلى إقناع الإدارة الأميركية بالحيلولة دون حدوث فراغ دولي في الجنوب. ونشط على خط المناقشات المتعلقة بقوة بديلة، أو وجود أوروبي، أو أي صيغة دولية أخرى، وذلك بمعزل عن نتائج المفاوضات الأميركية-الإيرانية.
أما الهدف الثاني الذي ركّز عليه سلام، فتعلّق بسلطة الدولة؛ إذ سعى إلى الحصول على دعم دولي لقرار حكومته بشأن نشر الجيش، وحصر السلاح بيد الدولة، واستعادة قرار الحرب والسلم. والمنطق هنا مهم، وفق المعلومات المتوافرة، فسلام حاول استغلال هذه النافذة الدبلوماسية لتعزيز المؤسسات اللبنانية، إذ لا يمكنه الانتظار لمعرفة ما إذا كانت واشنطن وطهران ستتوصلان إلى اتفاق أم لا؛ فالجدول الزمني المتعلق بالجنوب و”اليونيفيل”، والضغوط الأميركية على الحكومة اللبنانية، أمور تتحرك بالفعل على أرض الواقع.
فقد جمع دونالد ترامب في نيويورك عددًا من القادة العرب والمسلمين، وكان نواف سلام حاضرًا في الاجتماع، وهي تفاصيل ذات أهمية سياسية؛ إذ أُشرك لبنان في المشاورات الإقليمية التي أجرتها واشنطن، بالتزامن مع إجراء مبعوثين أميركيين اتصالات غير مباشرة مع الإيرانيين.
ورغم أن بيروت لم تكن داخل غرفة المفاوضات الأميركية-الإيرانية، فإنها كانت حاضرة في دائرة أخرى: دائرة دول المنطقة التي استشارها الرئيس الأميركي. وترى المصادر الديبلوماسية أن هذه الصيغة منحت لبنان قدرة على التعبير عن موقفه، لكنها لا تمنحه حق النقض؛ إذ اقتصر دور نواف سلام على تحديد الأولويات اللبنانية وعرضها. وقد أصرّ على الانسحاب الإسرائيلي، ودور الجيش، وإعادة الإعمار، وضرورة تجنب حدوث فراغ في الجنوب، لكنه لم يستطع تحديد التنازلات التي ستطلبها واشنطن من طهران أو ما ستقبل به طهران.
وجوب مواصلة المفاوضات
في المقابل، كشفت المصادر أجواء اللقاء المفصلي بين سلام ورجّي، من جهة، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، من جهة أخرى. وقد قدّم الأخير رؤية استراتيجية غير مسبوقة في النظرة الدولية إلى الملف اللبناني؛ إذ لم يعد قرار حصر السلاح بيد الدولة مجرد بند مطروح للنقاش الشفهي، بل تحوّل إلى خريطة طريق تنفيذية مقترنة بجداول زمنية صارمة وآليات تحقق دولية مباشرة، تُسقط صراحةً كل محاولات التملص والتسويف التي اعتاد عليها “الحزب” ومن خلفه طهران.
وأكدت المصادر أن روبيو كان صريحًا مع ضيفيه اللبنانيين، مشددًا على أن المجتمع الدولي، وخصوصًا الولايات المتحدة، سيضع شروطًا حازمة لتنفيذ بند حصر السلاح، وأن لا مساعدات اقتصادية دولية ستُضخ لإعادة الإعمار، ولن تمرّ أي قروض عبر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ما لم تقدّم بيروت خطوات ملموسة وعملية على الأرض تثبت تفكيك المربعات الأمنية لـ”الحزب” ومصادرة ترسانته العسكرية لمصلحة الجيش اللبناني وحده.
وأوضحت المصادر أن سلام، من جهته، ركّز على وجوب مواصلة المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية وفق مبدأ انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية وحصرية السلاح بيد الدولة، طارحًا ضرورة الانتقال من الشعارات العامة إلى خطة تنفيذية تقوم على التبادلية والمرحلية، بحيث تُقابل كل خطوة لبنانية خطوة إسرائيلية واضحة.
وخريطة الطريق التي شدّد عليها سلام ورجّي تقضي بانسحاب إسرائيلي من منطقة محددة، يليه انتشار للجيش، فتحقق دولي، ثم تثبيت سلطة الدولة وحصرية السلاح، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية.
وعلمت “المدن” أن سلام نال وعدًا بتحقيق خرق على صعيد جمود المفاوضات، وقد نجح في إبقاء مبدأ التبادلية على طاولة البحث الأميركية، ومنع اختزال الملف بسلاح “الحزب” وحده.
قد لا تكون الظروف مؤاتية لإعادة إطلاق المفاوضات بالتزامن مع حماوة الانتخابات الإسرائيلية المنتظرة في 27 تشرين الأول المقبل، لكن الأميركيين سيضغطون في اتجاه كسر الجمود وعقد المفاوضات في منتصف تشرين الأول، للبحث في ما طلبه سلام في واشنطن، أي تحويل التبادلية من مطلب لبناني إلى آلية تنفيذية على الأرض، باعتبار أنه لا يمكن إنهاء السلاح خارج الدولة وترك أرض لبنانية تحت الاحتلال.









