لبنان على محكّ معادلة الانسحاب من جنوب الليطاني مقابل سحْب السلاح شماله

– روبيو لرئيس حكومة لبنان: دعم واشنطن لدولة لبنانية ذات سيادة متحررة من النفوذ الضار لـ«حزب الله» وإيران
لم يعد السؤال في شأن «الاتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل يقتصر على موعد الجولة الثامنة من المفاوضات أو إذا كانت ستُعقد في أكتوبر أم رُحِّلَتْ لِما بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي، بل انتقل إلى ما هو أبعد: كيف يمكن ترجمة مبدأ «الخطوة مقابل خطوة» الذي يُفترض أن يحكم مسار التنفيذ، وما الخطوة اللبنانية التي ستواكب كل خطوة إسرائيلية في اتجاه الانسحاب من الأراضي اللبنانية؟
وإذا كانت هذه النقطة بقيت في الفترة الماضية واحدة من «الفراغات» التي تتركها الصيغة العامة لاتفاق الإطار، فإن المعطياتِ التي أعقبت لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن أعطتْها للمرة الأولى مضموناً تفاوضياً واضحاً عزّز المناخاتِ التي كانت تحدثتْ عنها «الراي» في عددها (الاثنين) عن أن معادلة التقابُل في سياق «المناطق التجريبية» الناظمة للانسحابِ الإسرائيلي من المنطقة الأمنية باتت تقوم على أن توسيعَ هذه المناطق وجَدْوَلتها جغرافياً وزمنياً يَقْتضي سَحْباً موازياً لسلاح «حزب الله» من مناطق في شمال الليطاني.
وقد نقلت صحيفة «نداء الوطن» عن مصدر دبلوماسي مطّلع أن سلام «طَرَحَ على الجانب الأميركي ضرورة اعتماد جدول زمني ومبدأ التنفيذ المتوازي بين مساريْن، أي أن يترافق الانسحاب الإسرائيلي مع خطوات لبنانية ملموسة على صعيد حصر السلاح»، وأنه في هذا السياق، «اقترح أن يُقابِل انسحاب إسرائيل من منطقة في جنوب الليطاني إخلاء منطقة مماثلة شمال الليطاني من سلاح حزب الله، بما يضمن مبدأ التدرّج والتبادلية في التنفيذ».
«المناطق التجريبية»
وتشي هذه المعطيات، بأنّ اتفاقَ الإطار وتحديداً جوهره المتمثّل في «المناطق التجريبية»، وفي ضوء عدم إطلاق الدولة اللبنانية مسار حصر السلاح شمال الليطاني، بات أمام متطلّبات جديدة إذا أريد دفْعه وإخراجه من الجمود، وبحيث باتت المعادلة واقعياً تَرتبط بتلازمٍ جغرافي بين مسارين: منطقةٌ جنوب الليطاني تُخْليها إسرائيل، في مقابل منطقة مماثلة شمال الليطاني يَجْري فيها سَحب سلاح الحزب من قِبل الجيش اللبناني.
وتتحدّث أوساطٌ سياسية في بيروت عن أنّ خروج مسألة السلاحَ شمال الليطاني من «العتمة» – هو الذي يشكل جزءاً من اتفاق الإطار الذي تتمحور روحيته وبنود فيه حول حصر السلاح في كل لبنان – يأتي ليُلقي الضوء مجدداً على السؤال الذي رافَقَ اتفاق 26 يونيو منذ توقيعه بين بيروت وتل أبيب وواشنطن والذي يبدو أنه يعاد تعريفه حالياً: ما الذي يقدّمه لبنان عملياً مقابل الانسحاب الإسرائيلي؟
ففي المناطق التي مازالت إسرائيل تحتلّها جنوباً، كان واضحاً أن أي انسحاب يُفترض أن يترافق مع انتشار الجيش اللبناني وبَسط سلطة الدولة ومنْع إعادة إنشاء بنى عسكرية لـ «حزب الله». لكن الواقع أن الجيش الإسرائيلي، خلال احتلاله هذه المناطق، عمد، ومازال، إلى تدمير أجزاء واسعة ما يعتبره بنى عسكرية للحزب، الأمر الذي يطرح سؤالاً عملياً حول طبيعة المهمة اللبنانية التي ستواكب انسحابه وتكون «ثمناً» له، وما إذا كان المطلوب لبنانياً يَقتصر على تثبيت الانتشار والسيطرة جنوب الليطاني أم يمتدّ، بالتوازي، إلى مناطق تقع شمال النهر.
ووفق هذه الأوساط، فإنّ انسحابَ إسرائيل من منطقةٍ جديدة «مطهَّرة» داخل «الخط الأصفر» وتسليمها للجيش اللبناني سيكون من دون «عائد» عسكري يُماثله ما دامت هي حققت الهدف بيدها أو قادرة على استكمال بلوغه من دون أي مقابل، وهو ما يطرح تالياً سؤالاً يُخشى أنه بات «الحاكِم» لمسار التفاوض والانسحاب: ما الخطوة التي يُفترض أن يقوم بها لبنان في المقابل وتُعتبر من «الوزن» نفسه؟
وهذا يلامس جوهر الإشكالية التي برزت مع التطورات الميدانية الأخيرة، ولا سيما مع انتقال الضغوط الإسرائيلية إلى مناطق تتجاوز نطاق الاحتلال المباشر جنوب الليطاني. فبعد علي الطاهر، انتقل التصعيد إلى إقليم التفاح ومرتفعات جزين، وهي أيضاً شمال الليطاني، وهو ما اعتُبر إشارةً من تل أبيب إلى أن هذه البقعة الإستراتيجية صارتْ ساحةً للضغط العسكري وستبقى كذلك ما لم تقم الدولة اللبنانية بخطوة فيها، وسط اعتقادٍ أن إسرائيل لن تسلّم بانسحابٍ تدريجي بوتيرةٍ مُجَدْوَلة من الجنوب من دون أن يرافق ذلك إطلاقُ الدولة اللبنانية إجراءات موازية في ما خصّ سلاح الحزب شمال الليطاني.
وفي ظل اعتقادٍ أنّ الاتفاق الإطار بات أمام سؤال «كيف يُقاس تنفيذه»، وليس فقط «بماذا يُقاس» (آلية التحقق)، يُخشى أن العقدة الفعلية التي ستحدد مسار المرحلة المقبلة قد لا تكون في الانسحاب الإسرائيلي وحده، ولا في حصر السلاح وحده، بل في ترتيب العلاقة بين المسارين: أيّ مساحة لبنانية يقابلها أي انسحاب إسرائيلي، ومَن يحدد أن هذه المساحة أُخليت فعلاً مِن السلاح، وماذا يحدث إذا نفذ طرف خطوته ولم ينفذ الآخر خطوته المقابلة؟
«الخطوة مقابل خطوة»
وإذا كانت صيغة «الخطوة مقابل خطوة» قد بدت سابقاً عنواناً عاماً، فإن الساعات الماضية بدأت تمنحها شكلاً أكثر تحديداً يفرضه الواقع والواقعية: جنوب النهر في مقابل شماله، والانسحاب في مقابل حصر السلاح، والتدرج في مقابل التحقق. ويبقى الاختبار الفعلي في كيفية تحويل هذه المعادلة إلى آلية قابلة للتنفيذ على الأرض، لا سيما أن نجاحها يفترض توافقاً على المناطق والتوقيت وآلية التحقق، فضلاً عن قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ الجزء الواقع عليها من المعادلة.
وذكّرت الأوساط السياسية نفسها في هذا السياق بأن الحكومة اللبنانية وبعد قراراتها في أغسطس 2025 في ما خص حصر السلاح بيد الدولة أقرت خطة من 5 مراحل، الأولى: انطلقت في جنوب الليطاني وصولاً إلى الحدود الدولية (أعلن الجيش اللبناني أنه انجزها على مستوى السيطرة العملياتية)، والثانية كان يفترض أن تشمل المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني وصولاً إلى مجرى نهر الأولي (شمال مدينة صيدا) وقد حددت لها الحكومة اللبنانية (في فبراير 2026) مهلة زمنية أولية مدتها 4 أشهر، والثالثة كان يفترض أن تتوسع لتشمل البقاع (القسم الشرقي من لبنان)، والرابعة بيروت وضواحيها (بما فيها الضاحية الجنوبية). أما الخامسة فتشمل بقية المناطق اللبنانية في الشمال وجبل لبنان.
وقد ذكّر الرئيس سلام قبيل اختتام زيارته التي وُصفت بالناجحة جداً لواشنطن والتي كرّستْ الاهتمام الأميركي الكبير بالوضع اللبناني بالمسار «المجدْول» لحصْر السلاح واضعاً إياه في إطار متوازٍ مع الانسحاب الإسرائيلي «وفق جدول زمني مطلوب».
وفي هذا السياق أكد رئيس الحكومة أن «لبنان حسم خياره، واخترْنا ألا تكون هناك سلطة تعلو على سلطة الدولة، ولا سلاح خارج مؤسساتها الشرعية، ولا قرار بالحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية»، موضحاً أن لبنان «اختار التفاوض والديبلوماسية، وهو ما أفضى إلى الإطار الثلاثي الذي تم توقيعه هنا في واشنطن، لأننا نؤمن بأن هذا المسار يمكن أن يؤدي إلى استعادة السيادة اللبنانية، من خلال تحقيق الانسحاب الإسرائيلي وضمان حصر السلاح بيد الدولة على كامل أراضيها».
وأضاف: «يقوم هذا الإطار على مبدأين بنّاءيْن: التبادُلية والمرْحلية. لكن كي نتقدم، علينا أن نترجم هذين المبدأين إلى خطوات عملية. وهنا نعوّل على القيادة الأميركية. وهذا يتطلّب: أولاً، وضْع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي ولتنفيذ حصرية السلاح بيد الدولة. ويجب أن يتقدّم هذان المساران بالتوازي. ثانياً، يجب وضع آلية موثوقة للتحقق من تنفيذ الالتزامات من الجانبين». وتابع: «ثالثاً، علينا حشد الشركاء الدوليين لدعم الحكومة بصورة فاعلة في إعادة بناء البلاد، وكما ينص الإطار، تمكين النازحين من العودة».
وجاء كلام سلام خلال عشاء على شرفه أقامتْه سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض في حضور حشد من كبار المسؤولين الأميركيين بينهم نائبا مستشار الأمن القومي مايكل نيدهام وجوزيف كاتلر، وآخَرون من وزارات الخارجية والخزانة والتجارة ومساعد الرئيس الأميركي سيباستيان غوركا، إلى جانب دبلوماسيين بينهم المبعوث السعودي الخاص إلى لبنان الأمير يزيد بن فرحان، وسفراء العديد من الدول الخليجية والعربية لدى الولايات المتحدة وبينهم سفيرة الكويت الشيخة الزين الصباح.
وقبْلها اجتمع سلام مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت حيث جرى البحث «في العلاقات الاقتصادية والمالية بين لبنان والولايات المتحدة». وعرض سلام التقدم الذي أحرزتْه الحكومة في مسار الإصلاحات المالية والمصرفية.
صندوق النقد
كما تم البحث في مسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والتعاون مع البنك الدولي و«جهود الحكومة لمكافحة الاقتصاد النقدي والحد من استخدام النقد خارج النظام المالي، وتعزيز الشفافية والامتثال ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب».
وإثر اللقاء، قال بيسنت في منشور على موقع إكس إنه ناقش مع سلام ووزير مالية لبنان ياسين جابر إصلاحات القطاع المالي الرئيسية في البلاد و«الحاجة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لتعطيل الشبكات المالية التابعة لإيران وحزب الله، وأهمية الإصلاحات الجوهرية في القطاع المالي لاستعادة الثقة في النظام المصرفي اللبناني».
وكانت الخارجية الأميركية، أعلنتْ أن الوزير ماركو روبيو عاود التأكيد أمام سلام «التزام الولايات المتحدة القوي بدعم لبنان في تنفيذ الإطار الثلاثي، الذي يمثل السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم بين لبنان وإسرائيل» وأنه أشاد بجهود الحكومة اللبنانية «الرامية إلى بسط سلطة الدولة، وجدد تأكيد دعم واشنطن لدولة لبنانية ذات سيادة ومتحررة من النفوذ الضار لحزب الله وإيران».
وفي موازاة ذلك، كان الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون يعلن أمام عضوي الكونغرس الأميركي دارين لحود وجوش غوتهايمر «أن لبنان يعلّق أهمية كبيرة على الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل لإلزامها تنفيذ «اتفاق الاطار» لأنها لاتزال تمتنع عن التقيد بمندرجاته رغم أن لبنان ملتزم بتطبيقه التزاماً كاملاً».
واعتبر «ان تفعيل«اتفاق الاطار» يَقتضي العمل بسرعة على استكمال إعادة الأسرى اللبنانيين وتصحيح النقاط المختلف عليها على طول الخط الأزرق وانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجاً من الأراضي اللبنانية وانتشار الجيش فيها وصولاً حتى الحدود الجنوبية المعترَف بها دولياً»،
وأضاف: «أي تأخير في تنفيذ إسرائيل لاتفاق الاطار سيُبقي التوتر في الجنوب ويحول دون تمكن الدولة من بسط سلطتها على كامل أراضيها الجنوبية وإزالة المَظاهر المسلّحة وإعادة النازحين الجنوبيين إلى قراهم وبلداتهم».
لبنان على محكّ معادلة الانسحاب من جنوب الليطاني مقابل سحْب السلاح شماله

– روبيو لرئيس حكومة لبنان: دعم واشنطن لدولة لبنانية ذات سيادة متحررة من النفوذ الضار لـ«حزب الله» وإيران
لم يعد السؤال في شأن «الاتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل يقتصر على موعد الجولة الثامنة من المفاوضات أو إذا كانت ستُعقد في أكتوبر أم رُحِّلَتْ لِما بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي، بل انتقل إلى ما هو أبعد: كيف يمكن ترجمة مبدأ «الخطوة مقابل خطوة» الذي يُفترض أن يحكم مسار التنفيذ، وما الخطوة اللبنانية التي ستواكب كل خطوة إسرائيلية في اتجاه الانسحاب من الأراضي اللبنانية؟
وإذا كانت هذه النقطة بقيت في الفترة الماضية واحدة من «الفراغات» التي تتركها الصيغة العامة لاتفاق الإطار، فإن المعطياتِ التي أعقبت لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن أعطتْها للمرة الأولى مضموناً تفاوضياً واضحاً عزّز المناخاتِ التي كانت تحدثتْ عنها «الراي» في عددها (الاثنين) عن أن معادلة التقابُل في سياق «المناطق التجريبية» الناظمة للانسحابِ الإسرائيلي من المنطقة الأمنية باتت تقوم على أن توسيعَ هذه المناطق وجَدْوَلتها جغرافياً وزمنياً يَقْتضي سَحْباً موازياً لسلاح «حزب الله» من مناطق في شمال الليطاني.
وقد نقلت صحيفة «نداء الوطن» عن مصدر دبلوماسي مطّلع أن سلام «طَرَحَ على الجانب الأميركي ضرورة اعتماد جدول زمني ومبدأ التنفيذ المتوازي بين مساريْن، أي أن يترافق الانسحاب الإسرائيلي مع خطوات لبنانية ملموسة على صعيد حصر السلاح»، وأنه في هذا السياق، «اقترح أن يُقابِل انسحاب إسرائيل من منطقة في جنوب الليطاني إخلاء منطقة مماثلة شمال الليطاني من سلاح حزب الله، بما يضمن مبدأ التدرّج والتبادلية في التنفيذ».
«المناطق التجريبية»
وتشي هذه المعطيات، بأنّ اتفاقَ الإطار وتحديداً جوهره المتمثّل في «المناطق التجريبية»، وفي ضوء عدم إطلاق الدولة اللبنانية مسار حصر السلاح شمال الليطاني، بات أمام متطلّبات جديدة إذا أريد دفْعه وإخراجه من الجمود، وبحيث باتت المعادلة واقعياً تَرتبط بتلازمٍ جغرافي بين مسارين: منطقةٌ جنوب الليطاني تُخْليها إسرائيل، في مقابل منطقة مماثلة شمال الليطاني يَجْري فيها سَحب سلاح الحزب من قِبل الجيش اللبناني.
وتتحدّث أوساطٌ سياسية في بيروت عن أنّ خروج مسألة السلاحَ شمال الليطاني من «العتمة» – هو الذي يشكل جزءاً من اتفاق الإطار الذي تتمحور روحيته وبنود فيه حول حصر السلاح في كل لبنان – يأتي ليُلقي الضوء مجدداً على السؤال الذي رافَقَ اتفاق 26 يونيو منذ توقيعه بين بيروت وتل أبيب وواشنطن والذي يبدو أنه يعاد تعريفه حالياً: ما الذي يقدّمه لبنان عملياً مقابل الانسحاب الإسرائيلي؟
ففي المناطق التي مازالت إسرائيل تحتلّها جنوباً، كان واضحاً أن أي انسحاب يُفترض أن يترافق مع انتشار الجيش اللبناني وبَسط سلطة الدولة ومنْع إعادة إنشاء بنى عسكرية لـ «حزب الله». لكن الواقع أن الجيش الإسرائيلي، خلال احتلاله هذه المناطق، عمد، ومازال، إلى تدمير أجزاء واسعة ما يعتبره بنى عسكرية للحزب، الأمر الذي يطرح سؤالاً عملياً حول طبيعة المهمة اللبنانية التي ستواكب انسحابه وتكون «ثمناً» له، وما إذا كان المطلوب لبنانياً يَقتصر على تثبيت الانتشار والسيطرة جنوب الليطاني أم يمتدّ، بالتوازي، إلى مناطق تقع شمال النهر.
ووفق هذه الأوساط، فإنّ انسحابَ إسرائيل من منطقةٍ جديدة «مطهَّرة» داخل «الخط الأصفر» وتسليمها للجيش اللبناني سيكون من دون «عائد» عسكري يُماثله ما دامت هي حققت الهدف بيدها أو قادرة على استكمال بلوغه من دون أي مقابل، وهو ما يطرح تالياً سؤالاً يُخشى أنه بات «الحاكِم» لمسار التفاوض والانسحاب: ما الخطوة التي يُفترض أن يقوم بها لبنان في المقابل وتُعتبر من «الوزن» نفسه؟
وهذا يلامس جوهر الإشكالية التي برزت مع التطورات الميدانية الأخيرة، ولا سيما مع انتقال الضغوط الإسرائيلية إلى مناطق تتجاوز نطاق الاحتلال المباشر جنوب الليطاني. فبعد علي الطاهر، انتقل التصعيد إلى إقليم التفاح ومرتفعات جزين، وهي أيضاً شمال الليطاني، وهو ما اعتُبر إشارةً من تل أبيب إلى أن هذه البقعة الإستراتيجية صارتْ ساحةً للضغط العسكري وستبقى كذلك ما لم تقم الدولة اللبنانية بخطوة فيها، وسط اعتقادٍ أن إسرائيل لن تسلّم بانسحابٍ تدريجي بوتيرةٍ مُجَدْوَلة من الجنوب من دون أن يرافق ذلك إطلاقُ الدولة اللبنانية إجراءات موازية في ما خصّ سلاح الحزب شمال الليطاني.
وفي ظل اعتقادٍ أنّ الاتفاق الإطار بات أمام سؤال «كيف يُقاس تنفيذه»، وليس فقط «بماذا يُقاس» (آلية التحقق)، يُخشى أن العقدة الفعلية التي ستحدد مسار المرحلة المقبلة قد لا تكون في الانسحاب الإسرائيلي وحده، ولا في حصر السلاح وحده، بل في ترتيب العلاقة بين المسارين: أيّ مساحة لبنانية يقابلها أي انسحاب إسرائيلي، ومَن يحدد أن هذه المساحة أُخليت فعلاً مِن السلاح، وماذا يحدث إذا نفذ طرف خطوته ولم ينفذ الآخر خطوته المقابلة؟
«الخطوة مقابل خطوة»
وإذا كانت صيغة «الخطوة مقابل خطوة» قد بدت سابقاً عنواناً عاماً، فإن الساعات الماضية بدأت تمنحها شكلاً أكثر تحديداً يفرضه الواقع والواقعية: جنوب النهر في مقابل شماله، والانسحاب في مقابل حصر السلاح، والتدرج في مقابل التحقق. ويبقى الاختبار الفعلي في كيفية تحويل هذه المعادلة إلى آلية قابلة للتنفيذ على الأرض، لا سيما أن نجاحها يفترض توافقاً على المناطق والتوقيت وآلية التحقق، فضلاً عن قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ الجزء الواقع عليها من المعادلة.
وذكّرت الأوساط السياسية نفسها في هذا السياق بأن الحكومة اللبنانية وبعد قراراتها في أغسطس 2025 في ما خص حصر السلاح بيد الدولة أقرت خطة من 5 مراحل، الأولى: انطلقت في جنوب الليطاني وصولاً إلى الحدود الدولية (أعلن الجيش اللبناني أنه انجزها على مستوى السيطرة العملياتية)، والثانية كان يفترض أن تشمل المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني وصولاً إلى مجرى نهر الأولي (شمال مدينة صيدا) وقد حددت لها الحكومة اللبنانية (في فبراير 2026) مهلة زمنية أولية مدتها 4 أشهر، والثالثة كان يفترض أن تتوسع لتشمل البقاع (القسم الشرقي من لبنان)، والرابعة بيروت وضواحيها (بما فيها الضاحية الجنوبية). أما الخامسة فتشمل بقية المناطق اللبنانية في الشمال وجبل لبنان.
وقد ذكّر الرئيس سلام قبيل اختتام زيارته التي وُصفت بالناجحة جداً لواشنطن والتي كرّستْ الاهتمام الأميركي الكبير بالوضع اللبناني بالمسار «المجدْول» لحصْر السلاح واضعاً إياه في إطار متوازٍ مع الانسحاب الإسرائيلي «وفق جدول زمني مطلوب».
وفي هذا السياق أكد رئيس الحكومة أن «لبنان حسم خياره، واخترْنا ألا تكون هناك سلطة تعلو على سلطة الدولة، ولا سلاح خارج مؤسساتها الشرعية، ولا قرار بالحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية»، موضحاً أن لبنان «اختار التفاوض والديبلوماسية، وهو ما أفضى إلى الإطار الثلاثي الذي تم توقيعه هنا في واشنطن، لأننا نؤمن بأن هذا المسار يمكن أن يؤدي إلى استعادة السيادة اللبنانية، من خلال تحقيق الانسحاب الإسرائيلي وضمان حصر السلاح بيد الدولة على كامل أراضيها».
وأضاف: «يقوم هذا الإطار على مبدأين بنّاءيْن: التبادُلية والمرْحلية. لكن كي نتقدم، علينا أن نترجم هذين المبدأين إلى خطوات عملية. وهنا نعوّل على القيادة الأميركية. وهذا يتطلّب: أولاً، وضْع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي ولتنفيذ حصرية السلاح بيد الدولة. ويجب أن يتقدّم هذان المساران بالتوازي. ثانياً، يجب وضع آلية موثوقة للتحقق من تنفيذ الالتزامات من الجانبين». وتابع: «ثالثاً، علينا حشد الشركاء الدوليين لدعم الحكومة بصورة فاعلة في إعادة بناء البلاد، وكما ينص الإطار، تمكين النازحين من العودة».
وجاء كلام سلام خلال عشاء على شرفه أقامتْه سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض في حضور حشد من كبار المسؤولين الأميركيين بينهم نائبا مستشار الأمن القومي مايكل نيدهام وجوزيف كاتلر، وآخَرون من وزارات الخارجية والخزانة والتجارة ومساعد الرئيس الأميركي سيباستيان غوركا، إلى جانب دبلوماسيين بينهم المبعوث السعودي الخاص إلى لبنان الأمير يزيد بن فرحان، وسفراء العديد من الدول الخليجية والعربية لدى الولايات المتحدة وبينهم سفيرة الكويت الشيخة الزين الصباح.
وقبْلها اجتمع سلام مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت حيث جرى البحث «في العلاقات الاقتصادية والمالية بين لبنان والولايات المتحدة». وعرض سلام التقدم الذي أحرزتْه الحكومة في مسار الإصلاحات المالية والمصرفية.
صندوق النقد
كما تم البحث في مسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والتعاون مع البنك الدولي و«جهود الحكومة لمكافحة الاقتصاد النقدي والحد من استخدام النقد خارج النظام المالي، وتعزيز الشفافية والامتثال ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب».
وإثر اللقاء، قال بيسنت في منشور على موقع إكس إنه ناقش مع سلام ووزير مالية لبنان ياسين جابر إصلاحات القطاع المالي الرئيسية في البلاد و«الحاجة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لتعطيل الشبكات المالية التابعة لإيران وحزب الله، وأهمية الإصلاحات الجوهرية في القطاع المالي لاستعادة الثقة في النظام المصرفي اللبناني».
وكانت الخارجية الأميركية، أعلنتْ أن الوزير ماركو روبيو عاود التأكيد أمام سلام «التزام الولايات المتحدة القوي بدعم لبنان في تنفيذ الإطار الثلاثي، الذي يمثل السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم بين لبنان وإسرائيل» وأنه أشاد بجهود الحكومة اللبنانية «الرامية إلى بسط سلطة الدولة، وجدد تأكيد دعم واشنطن لدولة لبنانية ذات سيادة ومتحررة من النفوذ الضار لحزب الله وإيران».
وفي موازاة ذلك، كان الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون يعلن أمام عضوي الكونغرس الأميركي دارين لحود وجوش غوتهايمر «أن لبنان يعلّق أهمية كبيرة على الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل لإلزامها تنفيذ «اتفاق الاطار» لأنها لاتزال تمتنع عن التقيد بمندرجاته رغم أن لبنان ملتزم بتطبيقه التزاماً كاملاً».
واعتبر «ان تفعيل«اتفاق الاطار» يَقتضي العمل بسرعة على استكمال إعادة الأسرى اللبنانيين وتصحيح النقاط المختلف عليها على طول الخط الأزرق وانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجاً من الأراضي اللبنانية وانتشار الجيش فيها وصولاً حتى الحدود الجنوبية المعترَف بها دولياً»،
وأضاف: «أي تأخير في تنفيذ إسرائيل لاتفاق الاطار سيُبقي التوتر في الجنوب ويحول دون تمكن الدولة من بسط سلطتها على كامل أراضيها الجنوبية وإزالة المَظاهر المسلّحة وإعادة النازحين الجنوبيين إلى قراهم وبلداتهم».











