خاص- واشنطن أبلغت لبنان: وعودكم فارغة!

الكاتب: ايلين زغيب عيسى
30 أيلول 2026

نفّذوا خطوات عملية فورية بنزع سلاح “حزب الله”. هذه هي العبارة السحرية التي أفهمها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لرئيس الحكومة نوّاف سلام في لقائهما الأخير في واشنطن. وهذا المنطق الأميركي صار واضحاً وضوح الشمس، وقد عبّر عنه أكثر من مسؤول، على رأسهم السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، الذي أكّد قبل فترة أنّه لا يمكن للبنان طلب انسحاب القوّات الإسرائيلية من دون تطبيق قرار حصر السلاح.

إذاً، انتهى زمن المراوغة والتذاكي على الطريقة اللبنانية. وأصبح الاتفاق الإطار معلّقاً، لا بل مهدّداً بالفشل، ما لم تقدِم الحكومة والجيش على خطوات عمليّة حقيقية في اتّجاه سحب السلاح. وهذا الأمر في الواقع لا يبدو متاحاً، إذ إنّ الدولة لا تريد أن تقارب هذا الملفّ بمنطق القوّة خوفاً على السلم الأهلي، فيما “حزب الله” لا يبدي أيّ ليونة، لا بل يصعّد رافضاً التخلّي عن سلاحه.

ولم يعد منطق “الالتزام المتبادل والمرحلي” الذي كرّره سلام في العاصمة الأميركية ينفع. فالولايات المتّحدة تعتبر أنّ هذا المبدأ سبق أن نُفّذ عبر “المناطق التجريبية”، حيث تراجعت إسرائيل من ثلاث قرى، وإن كانت خارج “الخطّ الأصفر”، لكنّ الجيش اكتفى بالانتشار فيها من دون أن يقوم بأيّ عمليّات تفتيش للبنى التحتيّة، لا بل اتّهمت إسرائيل “الحزب” بالعودة إلى هذه المناطق وتغاضي الجيش عن ذلك. وعليه، رفضت أن تقوم بأي انسحابات من مناطق تجريبية جديدة، ووافقتها واشنطن على هذه الصورة.

ولكن هذا لا يعني أنّ السياسة الأميركية تجاه لبنان ستتغيّر. فالإدارة الأميركية ستستمرّ في دعم الجيش ضمن المستوى الحالي، إنّما من دون توسيعه أو منح أسلحة نوعية. وسيبقى موقفها أنّ الجيش هو الضمانة  الوحيدة في وجه القوى غير الشرعية، وهي تدعم بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصراً. كما أنّ واشنطن متمسّكة بالاتّفاق الإطار الذي تمّ التوصّل إليه بين لبنان وإسرائيل، إنّما هي تعتبر أنّ لبنان هو من يخلّ بوعوده في ما خصّ موضوع السلاح.

وفيما يسعى لبنان إلى عقد الجولة الثامنة من المفاوضات، يريد الجانب الأميركي خطوات ملموسة. ولم تستبعد بعض المصادر انعقاد هذه الجولة خلال النصف الثاني من تشرين الأوّل، إذا ما نجحت الاتّصالات التي تجريها واشنطن مع تلّ أبيب. ولكن كل الأطراف باتوا يدركون أنّ انعقاد جولة مفاوضات جديدة، إن حصل، سيكون مجرّد محاولة لعدم دفن المسار التفاوضي، لكن لا نتيجة تُرتجى منه في الوقت الحاضر.

أمّا بالنسبة إلى التحرّك الذي سيقوم به رئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير سيمون كرم في اتّجاه الفاتيكان ثمّ باريس، فلا يمكن أن يحلّ محلّ الدور الأميركي الذي يعرف لبنان أنّه الدور الوحيد الذي يعوّل عليه. وقد أعلن المسؤولون اللبنانيون ذلك بكل وضوح، بحيث تبقى الولايات المتّحدة هي الطرف الوحيد القادر على الضغط على إسرائيل وعلى إبقاء مستوى التصعيد منخفضاً نسبياً على الجبهة اللبنانية. أمّا الدور الأوروبي والفاتيكاني تحديداً فيبقى دوراً معنويّاً، خصوصاً أن الرئيس دونالد ترامب يرد استبعاد أيّ دور أوروبي، وخصوصاً الفرنسي.

ماذا يعني هذا الواقع؟

يعني أوّلاً أن الانسحاب الإسرائيلي من أيّ مواقع محتلّة غير وارد، وبموافقة أميركية على ذلك. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المقبل على انتخابات تشريعية في 27 تشرين الأوّل ليس في وارد تقديم أيّ تنازل، لا بل على العكس، هو يبحث عن “إنجازات” يعرضها أمام الناخبين، ومنها أمن المستوطنات الشمالية، والسيطرة على أحد أهمّ معاقل “الحزب” في تلّة علي الطاهر، إضافة إلى “إنجازات” أخرى في الضفة وغزّة وفي الملفّ الإيراني.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل هناك مخاطر ملموسة من توسيع إسرائيل لنطاق عمليّاتها واستكمال سيطرتها على التلال الاستراتيجية الأخرى القريبة من علي الطاهر كجبل الريحان وسجد وإقليم التفاّح. وهذه تُعتبر آخر مواقع الحزب على هذا المحور. وهذه المناطق تشكّل المعبر إلى البقاع الغربي الذي يمكن أن يكون منطقة التصعيد المقبلة، في موازاة التصعيد على الساحل، حيث يتركّز القصف الكثيف على منطقة المنصوري المشرفة على مدينة صور غرباً.

وفي هذا الوقت، يستمر لبنان في التخبّط في مشاكله الاقتصادية من كهرباء وبنى تحتية وارتفاع الأسعار وغياب الاستثمارات. وسيظل الوضع على هذا المنوال، ما لم تعطِ واشنطن الضوء الأخضر لإنعاش الاقتصاد اللبناني. وهذا لن يحصل من دون إصلاحات حقيقية على مستوى الشفافية من جهة ونزع السلاح من جهة أخرى.

ومع هذا الواقع، يصبح وضع الحكومة في حدّ ذاته على المحكّ، ولو أنّ مجلس النوّاب جدّد الثقة لها قبل فترة. فالبلد يغرق في المشكلات المعيشية التي قد تصل إلى وقت لا يعود في استطاعة اللبنانيين تحمّلها.

خاص- واشنطن أبلغت لبنان: وعودكم فارغة!

الكاتب: ايلين زغيب عيسى
30 أيلول 2026

نفّذوا خطوات عملية فورية بنزع سلاح “حزب الله”. هذه هي العبارة السحرية التي أفهمها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لرئيس الحكومة نوّاف سلام في لقائهما الأخير في واشنطن. وهذا المنطق الأميركي صار واضحاً وضوح الشمس، وقد عبّر عنه أكثر من مسؤول، على رأسهم السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، الذي أكّد قبل فترة أنّه لا يمكن للبنان طلب انسحاب القوّات الإسرائيلية من دون تطبيق قرار حصر السلاح.

إذاً، انتهى زمن المراوغة والتذاكي على الطريقة اللبنانية. وأصبح الاتفاق الإطار معلّقاً، لا بل مهدّداً بالفشل، ما لم تقدِم الحكومة والجيش على خطوات عمليّة حقيقية في اتّجاه سحب السلاح. وهذا الأمر في الواقع لا يبدو متاحاً، إذ إنّ الدولة لا تريد أن تقارب هذا الملفّ بمنطق القوّة خوفاً على السلم الأهلي، فيما “حزب الله” لا يبدي أيّ ليونة، لا بل يصعّد رافضاً التخلّي عن سلاحه.

ولم يعد منطق “الالتزام المتبادل والمرحلي” الذي كرّره سلام في العاصمة الأميركية ينفع. فالولايات المتّحدة تعتبر أنّ هذا المبدأ سبق أن نُفّذ عبر “المناطق التجريبية”، حيث تراجعت إسرائيل من ثلاث قرى، وإن كانت خارج “الخطّ الأصفر”، لكنّ الجيش اكتفى بالانتشار فيها من دون أن يقوم بأيّ عمليّات تفتيش للبنى التحتيّة، لا بل اتّهمت إسرائيل “الحزب” بالعودة إلى هذه المناطق وتغاضي الجيش عن ذلك. وعليه، رفضت أن تقوم بأي انسحابات من مناطق تجريبية جديدة، ووافقتها واشنطن على هذه الصورة.

ولكن هذا لا يعني أنّ السياسة الأميركية تجاه لبنان ستتغيّر. فالإدارة الأميركية ستستمرّ في دعم الجيش ضمن المستوى الحالي، إنّما من دون توسيعه أو منح أسلحة نوعية. وسيبقى موقفها أنّ الجيش هو الضمانة  الوحيدة في وجه القوى غير الشرعية، وهي تدعم بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصراً. كما أنّ واشنطن متمسّكة بالاتّفاق الإطار الذي تمّ التوصّل إليه بين لبنان وإسرائيل، إنّما هي تعتبر أنّ لبنان هو من يخلّ بوعوده في ما خصّ موضوع السلاح.

وفيما يسعى لبنان إلى عقد الجولة الثامنة من المفاوضات، يريد الجانب الأميركي خطوات ملموسة. ولم تستبعد بعض المصادر انعقاد هذه الجولة خلال النصف الثاني من تشرين الأوّل، إذا ما نجحت الاتّصالات التي تجريها واشنطن مع تلّ أبيب. ولكن كل الأطراف باتوا يدركون أنّ انعقاد جولة مفاوضات جديدة، إن حصل، سيكون مجرّد محاولة لعدم دفن المسار التفاوضي، لكن لا نتيجة تُرتجى منه في الوقت الحاضر.

أمّا بالنسبة إلى التحرّك الذي سيقوم به رئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير سيمون كرم في اتّجاه الفاتيكان ثمّ باريس، فلا يمكن أن يحلّ محلّ الدور الأميركي الذي يعرف لبنان أنّه الدور الوحيد الذي يعوّل عليه. وقد أعلن المسؤولون اللبنانيون ذلك بكل وضوح، بحيث تبقى الولايات المتّحدة هي الطرف الوحيد القادر على الضغط على إسرائيل وعلى إبقاء مستوى التصعيد منخفضاً نسبياً على الجبهة اللبنانية. أمّا الدور الأوروبي والفاتيكاني تحديداً فيبقى دوراً معنويّاً، خصوصاً أن الرئيس دونالد ترامب يرد استبعاد أيّ دور أوروبي، وخصوصاً الفرنسي.

ماذا يعني هذا الواقع؟

يعني أوّلاً أن الانسحاب الإسرائيلي من أيّ مواقع محتلّة غير وارد، وبموافقة أميركية على ذلك. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المقبل على انتخابات تشريعية في 27 تشرين الأوّل ليس في وارد تقديم أيّ تنازل، لا بل على العكس، هو يبحث عن “إنجازات” يعرضها أمام الناخبين، ومنها أمن المستوطنات الشمالية، والسيطرة على أحد أهمّ معاقل “الحزب” في تلّة علي الطاهر، إضافة إلى “إنجازات” أخرى في الضفة وغزّة وفي الملفّ الإيراني.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل هناك مخاطر ملموسة من توسيع إسرائيل لنطاق عمليّاتها واستكمال سيطرتها على التلال الاستراتيجية الأخرى القريبة من علي الطاهر كجبل الريحان وسجد وإقليم التفاّح. وهذه تُعتبر آخر مواقع الحزب على هذا المحور. وهذه المناطق تشكّل المعبر إلى البقاع الغربي الذي يمكن أن يكون منطقة التصعيد المقبلة، في موازاة التصعيد على الساحل، حيث يتركّز القصف الكثيف على منطقة المنصوري المشرفة على مدينة صور غرباً.

وفي هذا الوقت، يستمر لبنان في التخبّط في مشاكله الاقتصادية من كهرباء وبنى تحتية وارتفاع الأسعار وغياب الاستثمارات. وسيظل الوضع على هذا المنوال، ما لم تعطِ واشنطن الضوء الأخضر لإنعاش الاقتصاد اللبناني. وهذا لن يحصل من دون إصلاحات حقيقية على مستوى الشفافية من جهة ونزع السلاح من جهة أخرى.

ومع هذا الواقع، يصبح وضع الحكومة في حدّ ذاته على المحكّ، ولو أنّ مجلس النوّاب جدّد الثقة لها قبل فترة. فالبلد يغرق في المشكلات المعيشية التي قد تصل إلى وقت لا يعود في استطاعة اللبنانيين تحمّلها.

مزيد من الأخبار