رسالة أميركية: سرّعوا حصر السلاح ولا تراهنوا على الانتخابات

الكاتب: ابراهيم الرز | المصدر: المدن
30 أيلول 2026

حملت زيارة عضوي الكونغرس الأميركي دارين لحود وجوش غوتهايمر إلى بيروت أكثر من دلالة تتصل بالمرحلة التي دخلها لبنان وبالمتابعة الأميركية لمسار حصر السلاح. فطبيعة الرجلين وموقعهما داخل لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، إلى جانب مضمون اللقاءات التي عقداها، تضع الزيارة في إطار أوسع، تقويم ما أنجزته الدولة اللبنانية في ملف حصر السلاح، والاستماع إلى المسؤولين حول العراقيل التي تواجه هذا المسار، في وقت لا تخلو فيه المقاربة الأميركية من علامات استفهام حيال سرعة التنفيذ ومدى قدرة المؤسسات اللبنانية على ترجمة القرارات السياسية إلى خطوات فعلية.

هذه القراءة يعززها ما يقوله النائب وضاح الصادق لـِ “المدن” عن أجواء الزيارة، إذ يقول “إن عضوي الكونغرس حضرا للاطلاع مباشرة على الاتجاه الذي تسلكه الدولة اللبنانية، خصوصاً في ملف حصر السلاح بيدها، الذي بات يتصدر أجندة معظم الوفود الدولية والعربية الوافدة إلى بيروت، مع تركيز واضح على حجم التقدم الذي تحقق فعلياً على الأرض”.

ووفق الصادق، ” تشمل المقاربة الأميركية تقييم أداء الدولة ومؤسساتها في تنفيذ الالتزامات التي أعلنتها. وفي هذا السياق، يتحدث عن “وجود علامات استفهام أميركية على بعض جوانب عملية حصر السلاح وعلى مدى سرعة التقدم فيها، خاصة أن لدى الحكومة الدعم العربي والأميركي والدولي اللازم وفي المقابل لا تقدم، وعليه يجب معالجة هذا الخلل بسرعة”، بما يعكس اهتماماً أميركياً بقدرة التحول إلى مسار تنفيذي واضح ومستدام.

ومن هنا، تبدو المواقف السابقة للنائب دارين لحود من قيادة الجيش جزءاً من نقاش أوسع يتصل بأداء مؤسسات الدولة في هذا الملف، أكثر مما هي رسالة موجهة حصراً إلى المؤسسة العسكرية. فجوهر النقاش، وفق ما يمكن استخلاصه من كلام الصادق، يتعلق بمدى قدرة الدولة، بمختلف أجهزتها السياسية والأمنية والعسكرية، على تحويل التزام حصر السلاح إلى خطوات ملموسة، وبالوتيرة التي يجري فيها ذلك مقارنة بالتوقعات الأميركية.

لذا  تكتسب زيارة لحود أهمية خاصة. فهو من أكثر أعضاء الكونغرس انخراطاً في الملف اللبناني، ومواقفه تجمع عادة بين دعم المؤسسة العسكرية والتشديد على ضرورة تحقيق تقدم ملموس في حصر السلاح. وبالتالي، فإن حضوره إلى بيروت يسمح للجانب الأميركي بالاستماع مباشرة إلى تفسير المسؤولين اللبنانيين، بدلاً من الاكتفاء بالتقارير أو التقديرات التي تصل إلى واشنطن.

أما وجود جوش غوتهايمر إلى جانبه، فيحمل دلالة سياسية إضافية. فهو ديمقراطي معروف باهتمامه بالملف الإسرائيلي وبقضايا إيران وحزب الله، ولذلك فإن الرسالة التي نقلها إلى عدد من الذين التقاهم تبدو لافتة بقدر مضمون الزيارة نفسها.

ووفق الصادق، أبلغ غوتهايمر محاوريه “أن من يراهن في لبنان على الانتخابات النصفية الأميركية وعلى إمكان أن يؤدي تبدل موازين القوى داخل الكونغرس إلى تغيير سياسة إدارة دونالد ترامب، يقوم برهان خاطئ. فالتوجه الأميركي الأساسي، لن يتبدل نتيجة الانتخابات”.

هذه الرسالة لم تصدر عن نائب جمهوري قريب من ترامب، بل عن نائب ديمقراطي. وهي بذلك تؤكد المؤكد، أن بعض العناوين الأساسية في السياسة الأميركية تجاه لبنان، ولا سيما حصر السلاح وتقوية الدولة والحد من نفوذ إيران وحزب الله، تتجاوز إلى حد كبير الانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين.

وهذا تحديداً ما قد تكون واشنطن تريد إيصاله إلى القوى اللبنانية التي اعتادت انتظار تغيير الإدارات أو نتائج الانتخابات الأميركية قبل حسم خياراتها، لا تبنوا حساباتكم على تبدل داخلي في الولايات المتحدة، لأن الملف اللبناني، في خطوطه العامة، يحظى بقدر من التوافق بين الحزبين.

في المقابل، حاول الجانب اللبناني أن يضع أمام الوفد الأميركي الشق الآخر من المعادلة. رئيس الجمهورية جوزاف عون أكد أن لبنان ملتزم تنفيذ “اتفاق الإطار”، لكنه شدد على ضرورة أن تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لوقف التفجير والجرف والتدمير في الجنوب، واستكمال ملف الأسرى، ومعالجة النقاط المختلف عليها على الخط الأزرق، والبدء بانسحاب تدريجي يسمح بانتشار الجيش.

الرسالة نفسها، حملها رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي اعتبر أن استمرار العمليات الإسرائيلية يهدد كل الجهود المبذولة لبناء الدولة وتقوية مؤسساتها، وأعاد التشديد على أهمية استمرار الدور الدولي في الجنوب وعدم ترك الجيش وحيداً أمام مسؤوليات أمنية تتجاوز قدراته الحالية.

وهكذا تحولت الزيارة إلى نقاش حول مسؤوليتين متوازيتين، واشنطن تسأل ماذا فعلت الدولة في ملف السلاح، وبيروت تجيب بأن نجاح هذا المسار يحتاج أيضاً إلى وقف العمليات الإسرائيلية وإعطاء الجيش الإمكانات التي تسمح له بملء أي فراغ.

لكن الصورة لا تقتصر على الأمن. فوفق الصادق، “معظم الوفود التي تصل إلى لبنان اليوم، أميركية أو خليجية أو دولية، تتحرك ضمن معادلة واحدة تقريباً، هناك استعداد للاستثمار والمساعدة في الكهرباء والطاقة والبنى التحتية وإعادة الإعمار، لكن ذلك يحتاج إلى ضمانات بأن لبنان لن يعود بعد سنوات قليلة إلى دورة الحرب والتدمير نفسها”.

من هنا، تصبح حصرية السلاح بالنسبة إلى الجهات الخارجية جزءاً من الملف الاقتصادي أيضاً. فالاستثمارات الكبرى تحتاج إلى دولة قادرة على ضمان الاستقرار، كما أن المانحين يريدون التأكد من أن الأموال التي تدخل لبنان ستُستخدم لإعادة بناء الاقتصاد والدولة، لا أن تتحول بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تمويل دورة عسكرية جديدة.

لذلك، قد يكون السؤال الحقيقي الذي حمله لحود وغوتهايمر إلى بيروت، هل دخل لبنان فعلاً مرحلة بناء دولة صاحبة القرار الوحيد، أم أن المسار لا يزال أبطأ من التوقعات الأميركية؟

والرسالة الموازية لا تقل وضوحاً، انتظار انتخابات أميركية جديدة أملاً بتغيير هذه المعادلة قد لا يكون رهاناً صالحاً هذه المرة.

رسالة أميركية: سرّعوا حصر السلاح ولا تراهنوا على الانتخابات

الكاتب: ابراهيم الرز | المصدر: المدن
30 أيلول 2026

حملت زيارة عضوي الكونغرس الأميركي دارين لحود وجوش غوتهايمر إلى بيروت أكثر من دلالة تتصل بالمرحلة التي دخلها لبنان وبالمتابعة الأميركية لمسار حصر السلاح. فطبيعة الرجلين وموقعهما داخل لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، إلى جانب مضمون اللقاءات التي عقداها، تضع الزيارة في إطار أوسع، تقويم ما أنجزته الدولة اللبنانية في ملف حصر السلاح، والاستماع إلى المسؤولين حول العراقيل التي تواجه هذا المسار، في وقت لا تخلو فيه المقاربة الأميركية من علامات استفهام حيال سرعة التنفيذ ومدى قدرة المؤسسات اللبنانية على ترجمة القرارات السياسية إلى خطوات فعلية.

هذه القراءة يعززها ما يقوله النائب وضاح الصادق لـِ “المدن” عن أجواء الزيارة، إذ يقول “إن عضوي الكونغرس حضرا للاطلاع مباشرة على الاتجاه الذي تسلكه الدولة اللبنانية، خصوصاً في ملف حصر السلاح بيدها، الذي بات يتصدر أجندة معظم الوفود الدولية والعربية الوافدة إلى بيروت، مع تركيز واضح على حجم التقدم الذي تحقق فعلياً على الأرض”.

ووفق الصادق، ” تشمل المقاربة الأميركية تقييم أداء الدولة ومؤسساتها في تنفيذ الالتزامات التي أعلنتها. وفي هذا السياق، يتحدث عن “وجود علامات استفهام أميركية على بعض جوانب عملية حصر السلاح وعلى مدى سرعة التقدم فيها، خاصة أن لدى الحكومة الدعم العربي والأميركي والدولي اللازم وفي المقابل لا تقدم، وعليه يجب معالجة هذا الخلل بسرعة”، بما يعكس اهتماماً أميركياً بقدرة التحول إلى مسار تنفيذي واضح ومستدام.

ومن هنا، تبدو المواقف السابقة للنائب دارين لحود من قيادة الجيش جزءاً من نقاش أوسع يتصل بأداء مؤسسات الدولة في هذا الملف، أكثر مما هي رسالة موجهة حصراً إلى المؤسسة العسكرية. فجوهر النقاش، وفق ما يمكن استخلاصه من كلام الصادق، يتعلق بمدى قدرة الدولة، بمختلف أجهزتها السياسية والأمنية والعسكرية، على تحويل التزام حصر السلاح إلى خطوات ملموسة، وبالوتيرة التي يجري فيها ذلك مقارنة بالتوقعات الأميركية.

لذا  تكتسب زيارة لحود أهمية خاصة. فهو من أكثر أعضاء الكونغرس انخراطاً في الملف اللبناني، ومواقفه تجمع عادة بين دعم المؤسسة العسكرية والتشديد على ضرورة تحقيق تقدم ملموس في حصر السلاح. وبالتالي، فإن حضوره إلى بيروت يسمح للجانب الأميركي بالاستماع مباشرة إلى تفسير المسؤولين اللبنانيين، بدلاً من الاكتفاء بالتقارير أو التقديرات التي تصل إلى واشنطن.

أما وجود جوش غوتهايمر إلى جانبه، فيحمل دلالة سياسية إضافية. فهو ديمقراطي معروف باهتمامه بالملف الإسرائيلي وبقضايا إيران وحزب الله، ولذلك فإن الرسالة التي نقلها إلى عدد من الذين التقاهم تبدو لافتة بقدر مضمون الزيارة نفسها.

ووفق الصادق، أبلغ غوتهايمر محاوريه “أن من يراهن في لبنان على الانتخابات النصفية الأميركية وعلى إمكان أن يؤدي تبدل موازين القوى داخل الكونغرس إلى تغيير سياسة إدارة دونالد ترامب، يقوم برهان خاطئ. فالتوجه الأميركي الأساسي، لن يتبدل نتيجة الانتخابات”.

هذه الرسالة لم تصدر عن نائب جمهوري قريب من ترامب، بل عن نائب ديمقراطي. وهي بذلك تؤكد المؤكد، أن بعض العناوين الأساسية في السياسة الأميركية تجاه لبنان، ولا سيما حصر السلاح وتقوية الدولة والحد من نفوذ إيران وحزب الله، تتجاوز إلى حد كبير الانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين.

وهذا تحديداً ما قد تكون واشنطن تريد إيصاله إلى القوى اللبنانية التي اعتادت انتظار تغيير الإدارات أو نتائج الانتخابات الأميركية قبل حسم خياراتها، لا تبنوا حساباتكم على تبدل داخلي في الولايات المتحدة، لأن الملف اللبناني، في خطوطه العامة، يحظى بقدر من التوافق بين الحزبين.

في المقابل، حاول الجانب اللبناني أن يضع أمام الوفد الأميركي الشق الآخر من المعادلة. رئيس الجمهورية جوزاف عون أكد أن لبنان ملتزم تنفيذ “اتفاق الإطار”، لكنه شدد على ضرورة أن تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لوقف التفجير والجرف والتدمير في الجنوب، واستكمال ملف الأسرى، ومعالجة النقاط المختلف عليها على الخط الأزرق، والبدء بانسحاب تدريجي يسمح بانتشار الجيش.

الرسالة نفسها، حملها رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي اعتبر أن استمرار العمليات الإسرائيلية يهدد كل الجهود المبذولة لبناء الدولة وتقوية مؤسساتها، وأعاد التشديد على أهمية استمرار الدور الدولي في الجنوب وعدم ترك الجيش وحيداً أمام مسؤوليات أمنية تتجاوز قدراته الحالية.

وهكذا تحولت الزيارة إلى نقاش حول مسؤوليتين متوازيتين، واشنطن تسأل ماذا فعلت الدولة في ملف السلاح، وبيروت تجيب بأن نجاح هذا المسار يحتاج أيضاً إلى وقف العمليات الإسرائيلية وإعطاء الجيش الإمكانات التي تسمح له بملء أي فراغ.

لكن الصورة لا تقتصر على الأمن. فوفق الصادق، “معظم الوفود التي تصل إلى لبنان اليوم، أميركية أو خليجية أو دولية، تتحرك ضمن معادلة واحدة تقريباً، هناك استعداد للاستثمار والمساعدة في الكهرباء والطاقة والبنى التحتية وإعادة الإعمار، لكن ذلك يحتاج إلى ضمانات بأن لبنان لن يعود بعد سنوات قليلة إلى دورة الحرب والتدمير نفسها”.

من هنا، تصبح حصرية السلاح بالنسبة إلى الجهات الخارجية جزءاً من الملف الاقتصادي أيضاً. فالاستثمارات الكبرى تحتاج إلى دولة قادرة على ضمان الاستقرار، كما أن المانحين يريدون التأكد من أن الأموال التي تدخل لبنان ستُستخدم لإعادة بناء الاقتصاد والدولة، لا أن تتحول بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تمويل دورة عسكرية جديدة.

لذلك، قد يكون السؤال الحقيقي الذي حمله لحود وغوتهايمر إلى بيروت، هل دخل لبنان فعلاً مرحلة بناء دولة صاحبة القرار الوحيد، أم أن المسار لا يزال أبطأ من التوقعات الأميركية؟

والرسالة الموازية لا تقل وضوحاً، انتظار انتخابات أميركية جديدة أملاً بتغيير هذه المعادلة قد لا يكون رهاناً صالحاً هذه المرة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار