من الطابق 14 إلى الشارع… هكذا أخرجت كرامي أساتذة من الملاك!

الكاتب: نورما أبو زيد | المصدر: نداء الوطن
30 أيلول 2026

ألقت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي بعددٍ مجهول من الأساتذة المثبتين في المجهول، وبدت كما لو أنّها تفتح نافذة مكتبها في الطابق 14، وتتسلّى برمي حجارة في بركة راكدة.

عدد الأساتذة الذين لقوا حتفهم على يد كرامي لا يزال مجهولا، لأنّ قرار تصفيتهم تمّ بـ”تهريبة”. والغريب هو أنّ المصفّقين في دائرة كرامي الضيّقة يُسمّون دوائرها المتّسعة “إصلاحًا”، والأغرب هو أنّ الحكومة صدّقت لها على قرارها. أمّا الأكثر غرابة، فهو أنّ وزارة التربية لا تشرح للأساتذة المطرودين على أيّ معايير استندت الوزيرة “القديرة”. ولعلّ المثير للدهشة في بلد العجائب هو أنّ الوزارة تمنع المطرودين من الاطّلاع على كامل ملفاتهم، والسبب طبعًا: منعهم من نقض قراراتها أمام شورى الدولة.

فهل الإصلاح يكون بفتح أبواب المغادرة في وجه الأساتذة، في وقت يعيش فيه التعليم الرسمي أزمة خانقة، ويعيش اللبنانيون أزمة اقتصادية تجعل فقدان الوظيفة أقرب إلى حكم بالإعدام الاجتماعي؟ وأيّ إصلاح هذا الذي يُقدّم على صورة ضربات عشوائية؟ وإذا كان القرار سليمًا، فلماذا لا تُفتح الملفات كاملة أمام أصحابها؟ وإذا كانت المعايير واضحة، فلماذا لا يعرف الأساتذة بوضوح الأساس الذي بُني عليه القرار بحقهم؟ وإذا كانت الوزيرة واثقة من قرارها، فلماذا يُضيّق على من يريد أن يطّلع على ملفه، ليمارس حقّه في مراجعة القضاء؟

يقول المتضرّرون إنّ الأساتذة المطرودين من ملاك التعليم الرسمي ليسوا، في نظر الوزيرة التي نفّذت فعلتها بصمت، أكثر من مجموعة أسماء في قرارات إدارية. لكن، كيف وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه؟ وهل تتحمّل الحكومة مسؤوليتها، ولو لمرّة واحدة، وتعيد هؤلاء المصروفين إلى مواقعهم وحياتهم العملية الطبيعية، بدل أن تجعلهم يدفعون مرتين ثمن أزمة صنعتها السلطة ولم يصنعوها هم؟ ثمّ هل “فشّت” الوزيرة غضبها بالأساتذة الذين وضعتهم خارج ملاك التعليم، أم أنّ ما جرى لم يكن سوى الدفعة الأولى؟

بحسب متابعين للملف، هناك خشية من أن تكون الوزارة بصدد إعداد قرارات جديدة تطال أساتذة آخرين. فمن هم “المعدومون”؟ ومن هم المرشّحون المحتملون لـ “الإعدام” الثاني؟

خلال الأزمة المالية، وفيما كانت الدولة تتداعى بلا توقّف، هبط راتب الأستاذ إلى نحو 90 دولارًا، فيما كانت المساعدات المالية تتأخّر أشهرًا عن بعض الأساتذة، وسط فوضى إدارية وغياب المساءلة والمحاسبة من الوزارة المعنية. ورغم الراتب الذي لا يكفي ويتأخّر أشهرًا، ورغم الغلاء الذي لا يرحم، اضطرّ أساتذة التعليم الرسمي إلى العمل بدوام كامل، من دون أن يتغيّبوا عن حصة واحدة.

وفي الوقت الذي غاب فيه موظفون كثر عن إداراتهم، وعمل بعضهم في القطاع الخاص خلال ساعات الدوام الرسمي، كان الأستاذ يُستجوَب إذا غاب يومًا واحدًا. وبينما كانت الإجازات بلا راتب والاستيداعات تُمنح لجميع الموظفين في كلّ الإدارات الأخرى، كان الأستاذ يُواجَه بالرفض بحجة عدم وجود بديل. ممّا يعني أنّ وزارة التربية، وفي عزّ الأزمة المالية، جعلت الأستاذ أسير وظيفته بدوام كامل، وأسير راتب لا يكفيه لتأمين قوت عائلته، فيما كانت تُفتح لغيره من موظفي الدولة ومن موظفي الوزارة نفسها أبواب العمل في الخارج.

ثم جاءت الإضرابات، لتنتهي غالبًا بعودة الأساتذة إلى الصفوف من دون أن يستعيدوا حقوقهم. وعندما قرّر بعضهم ألّا يطووا وجعهم بأمر إداري، وأن يواصلوا الإضراب، جاءهم العقاب من الوزيرة كرامي بمفعول رجعي. صحيح أنّ كرامي لم تُمسك بالجميع حتى الساعة من ياقة أعوامهم في التعليم، وتلقي بهم من نافذة الوزارة كما فعلت مع زملائهم المطرودين، لكنّها تمنعهم من العمل، رغم الحاجة إليهم في المدارس، وتنتظر استشارة مجلس الخدمة، لكي يلقوا المصير نفسه الذي لقيه زملاؤهم. والغريب العجيب في القرارات العجيبة للوزيرة الغريبة هو أنّ المنقطعين في العامين 2023 و2024 أُقيلوا، في حين أنّ الذين انقطعوا منذ العام 2020 لم تصدر إقالتهم بعد، ويتردّد أنّهم سيعاملون وفق قاعدة “ناس بسمنة وناس بزيت”.

الوزيرة، ابنة الجامعة الأميركية، التي لم تصب الأزمة المالية دخلها الجامعي بالطريقة التي أصابت بها رواتب أساتذة التعليم الرسمي، تريد ممّن بلغت رواتبهم 90 دولارًا أن يتحمّلوا الانهيار بصمت، وتعاقبهم لأنّهم رفعوا الصوت. فهل كانت لتستطيع الوزيرة نفسها أن تتقاضى 90 دولارًا في جامعتها وأن تستمرّ في تقطيب فمها وحجب صوتها؟

وأيّ عدالة هذه التي تعاقب من اضطر إلى تأمين عائلته وسط الانهيار، فيما كانت الدولة بأسرها تتعثر في أداء واجباتها المالية؟

ثم ما هذه الكيدية التي تدفع الوزيرة كرامي إلى المضيّ في قطع رؤوس موظفين، فيما كان سلفها عباس الحلبي قد اكتفى بالاقتطاع من رواتبهم، ووقّع قرارًا يتيح عودتهم بحسب ما أبلغ مراجعيه؟ ولماذا نُفّذت “الإعدامات” بهذه الطريقة الملتبسة، بعيدًا من أيّ مسار يتيح للمعنيين الدفاع عن أنفسهم؟

ثمّ لماذا وضعت الوزيرة من امتنع عن التعليم لأسباب مرضية مثبتة بإفادات طبية، في سلة واحدة مع من انقطع بسبب العجز المالي، وكأنّ اختلاف الأسباب لا قيمة له؟

وكيف يستقيم أن تُسقط سنوات الخدمة في قرار واحد اعتباطي، مستندة إلى استشارة قضائية غير ملزمة، من دون تمييز بين الحالات؟ فهل ممنوع على الأستاذ أن يمرض مثلا؟ وهل المعطيات المرسلة إلى مجلس الخدمة المدنية دقيقة وصحيحة؟

فإذا كان لكل أستاذ ملف، ولكل ملفّ محضر استجواب ومستندات، فلماذا لا يُسمح لصاحب العلاقة بالاطلاع الكامل عليها؟

بل أكثر من ذلك: هل حُرّفت الإفادات التي أدلى بها الأساتذة أثناء التحقيق أو عُدّلت أو أُسقطت أجزاء منها؟

هذه ليست أسئلة هامشية. هذه أسئلة جوهرية، لأنّ فتح الوزارة للملفات أمام أصحابها لا يضرّ بقرار سليم، بل يحميه. وإتاحة المستندات للقضاء لا تضعف الوزارة، بل تقوّي حجتها إن وُجِدت.

فلماذا تخشى الوزيرة من الشفافية؟ ولماذا لا تفتح الملفات أمام أصحابها، بكلّ ما فيها من قرارات ومحاضر ومراسلات، ليُترك لشورى الدولة أن يقول كلمته؟ وأيّ عدالة هذه التي تُبنى على قرار لا يتيح لمن أصابه أن يعرف كامل الملف الذي أُدين به؟ وهل سمعت الوزيرة بالقانون الذي يكرّس الحقّ في الوصول إلى المعلومات، أم تعتقد، بحكم القصور في النظر، أنّه يُطبّق على الشركات الخاصة لا الوزارات؟

من الطابق 14 إلى الشارع… هكذا أخرجت كرامي أساتذة من الملاك!

الكاتب: نورما أبو زيد | المصدر: نداء الوطن
30 أيلول 2026

ألقت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي بعددٍ مجهول من الأساتذة المثبتين في المجهول، وبدت كما لو أنّها تفتح نافذة مكتبها في الطابق 14، وتتسلّى برمي حجارة في بركة راكدة.

عدد الأساتذة الذين لقوا حتفهم على يد كرامي لا يزال مجهولا، لأنّ قرار تصفيتهم تمّ بـ”تهريبة”. والغريب هو أنّ المصفّقين في دائرة كرامي الضيّقة يُسمّون دوائرها المتّسعة “إصلاحًا”، والأغرب هو أنّ الحكومة صدّقت لها على قرارها. أمّا الأكثر غرابة، فهو أنّ وزارة التربية لا تشرح للأساتذة المطرودين على أيّ معايير استندت الوزيرة “القديرة”. ولعلّ المثير للدهشة في بلد العجائب هو أنّ الوزارة تمنع المطرودين من الاطّلاع على كامل ملفاتهم، والسبب طبعًا: منعهم من نقض قراراتها أمام شورى الدولة.

فهل الإصلاح يكون بفتح أبواب المغادرة في وجه الأساتذة، في وقت يعيش فيه التعليم الرسمي أزمة خانقة، ويعيش اللبنانيون أزمة اقتصادية تجعل فقدان الوظيفة أقرب إلى حكم بالإعدام الاجتماعي؟ وأيّ إصلاح هذا الذي يُقدّم على صورة ضربات عشوائية؟ وإذا كان القرار سليمًا، فلماذا لا تُفتح الملفات كاملة أمام أصحابها؟ وإذا كانت المعايير واضحة، فلماذا لا يعرف الأساتذة بوضوح الأساس الذي بُني عليه القرار بحقهم؟ وإذا كانت الوزيرة واثقة من قرارها، فلماذا يُضيّق على من يريد أن يطّلع على ملفه، ليمارس حقّه في مراجعة القضاء؟

يقول المتضرّرون إنّ الأساتذة المطرودين من ملاك التعليم الرسمي ليسوا، في نظر الوزيرة التي نفّذت فعلتها بصمت، أكثر من مجموعة أسماء في قرارات إدارية. لكن، كيف وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه؟ وهل تتحمّل الحكومة مسؤوليتها، ولو لمرّة واحدة، وتعيد هؤلاء المصروفين إلى مواقعهم وحياتهم العملية الطبيعية، بدل أن تجعلهم يدفعون مرتين ثمن أزمة صنعتها السلطة ولم يصنعوها هم؟ ثمّ هل “فشّت” الوزيرة غضبها بالأساتذة الذين وضعتهم خارج ملاك التعليم، أم أنّ ما جرى لم يكن سوى الدفعة الأولى؟

بحسب متابعين للملف، هناك خشية من أن تكون الوزارة بصدد إعداد قرارات جديدة تطال أساتذة آخرين. فمن هم “المعدومون”؟ ومن هم المرشّحون المحتملون لـ “الإعدام” الثاني؟

خلال الأزمة المالية، وفيما كانت الدولة تتداعى بلا توقّف، هبط راتب الأستاذ إلى نحو 90 دولارًا، فيما كانت المساعدات المالية تتأخّر أشهرًا عن بعض الأساتذة، وسط فوضى إدارية وغياب المساءلة والمحاسبة من الوزارة المعنية. ورغم الراتب الذي لا يكفي ويتأخّر أشهرًا، ورغم الغلاء الذي لا يرحم، اضطرّ أساتذة التعليم الرسمي إلى العمل بدوام كامل، من دون أن يتغيّبوا عن حصة واحدة.

وفي الوقت الذي غاب فيه موظفون كثر عن إداراتهم، وعمل بعضهم في القطاع الخاص خلال ساعات الدوام الرسمي، كان الأستاذ يُستجوَب إذا غاب يومًا واحدًا. وبينما كانت الإجازات بلا راتب والاستيداعات تُمنح لجميع الموظفين في كلّ الإدارات الأخرى، كان الأستاذ يُواجَه بالرفض بحجة عدم وجود بديل. ممّا يعني أنّ وزارة التربية، وفي عزّ الأزمة المالية، جعلت الأستاذ أسير وظيفته بدوام كامل، وأسير راتب لا يكفيه لتأمين قوت عائلته، فيما كانت تُفتح لغيره من موظفي الدولة ومن موظفي الوزارة نفسها أبواب العمل في الخارج.

ثم جاءت الإضرابات، لتنتهي غالبًا بعودة الأساتذة إلى الصفوف من دون أن يستعيدوا حقوقهم. وعندما قرّر بعضهم ألّا يطووا وجعهم بأمر إداري، وأن يواصلوا الإضراب، جاءهم العقاب من الوزيرة كرامي بمفعول رجعي. صحيح أنّ كرامي لم تُمسك بالجميع حتى الساعة من ياقة أعوامهم في التعليم، وتلقي بهم من نافذة الوزارة كما فعلت مع زملائهم المطرودين، لكنّها تمنعهم من العمل، رغم الحاجة إليهم في المدارس، وتنتظر استشارة مجلس الخدمة، لكي يلقوا المصير نفسه الذي لقيه زملاؤهم. والغريب العجيب في القرارات العجيبة للوزيرة الغريبة هو أنّ المنقطعين في العامين 2023 و2024 أُقيلوا، في حين أنّ الذين انقطعوا منذ العام 2020 لم تصدر إقالتهم بعد، ويتردّد أنّهم سيعاملون وفق قاعدة “ناس بسمنة وناس بزيت”.

الوزيرة، ابنة الجامعة الأميركية، التي لم تصب الأزمة المالية دخلها الجامعي بالطريقة التي أصابت بها رواتب أساتذة التعليم الرسمي، تريد ممّن بلغت رواتبهم 90 دولارًا أن يتحمّلوا الانهيار بصمت، وتعاقبهم لأنّهم رفعوا الصوت. فهل كانت لتستطيع الوزيرة نفسها أن تتقاضى 90 دولارًا في جامعتها وأن تستمرّ في تقطيب فمها وحجب صوتها؟

وأيّ عدالة هذه التي تعاقب من اضطر إلى تأمين عائلته وسط الانهيار، فيما كانت الدولة بأسرها تتعثر في أداء واجباتها المالية؟

ثم ما هذه الكيدية التي تدفع الوزيرة كرامي إلى المضيّ في قطع رؤوس موظفين، فيما كان سلفها عباس الحلبي قد اكتفى بالاقتطاع من رواتبهم، ووقّع قرارًا يتيح عودتهم بحسب ما أبلغ مراجعيه؟ ولماذا نُفّذت “الإعدامات” بهذه الطريقة الملتبسة، بعيدًا من أيّ مسار يتيح للمعنيين الدفاع عن أنفسهم؟

ثمّ لماذا وضعت الوزيرة من امتنع عن التعليم لأسباب مرضية مثبتة بإفادات طبية، في سلة واحدة مع من انقطع بسبب العجز المالي، وكأنّ اختلاف الأسباب لا قيمة له؟

وكيف يستقيم أن تُسقط سنوات الخدمة في قرار واحد اعتباطي، مستندة إلى استشارة قضائية غير ملزمة، من دون تمييز بين الحالات؟ فهل ممنوع على الأستاذ أن يمرض مثلا؟ وهل المعطيات المرسلة إلى مجلس الخدمة المدنية دقيقة وصحيحة؟

فإذا كان لكل أستاذ ملف، ولكل ملفّ محضر استجواب ومستندات، فلماذا لا يُسمح لصاحب العلاقة بالاطلاع الكامل عليها؟

بل أكثر من ذلك: هل حُرّفت الإفادات التي أدلى بها الأساتذة أثناء التحقيق أو عُدّلت أو أُسقطت أجزاء منها؟

هذه ليست أسئلة هامشية. هذه أسئلة جوهرية، لأنّ فتح الوزارة للملفات أمام أصحابها لا يضرّ بقرار سليم، بل يحميه. وإتاحة المستندات للقضاء لا تضعف الوزارة، بل تقوّي حجتها إن وُجِدت.

فلماذا تخشى الوزيرة من الشفافية؟ ولماذا لا تفتح الملفات أمام أصحابها، بكلّ ما فيها من قرارات ومحاضر ومراسلات، ليُترك لشورى الدولة أن يقول كلمته؟ وأيّ عدالة هذه التي تُبنى على قرار لا يتيح لمن أصابه أن يعرف كامل الملف الذي أُدين به؟ وهل سمعت الوزيرة بالقانون الذي يكرّس الحقّ في الوصول إلى المعلومات، أم تعتقد، بحكم القصور في النظر، أنّه يُطبّق على الشركات الخاصة لا الوزارات؟

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار