من “دولة إلى دولة”…السؤال في نيويورك… والجواب في “الضاحية”

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
30 أيلول 2026

مشهدان متناقضان، طبعا الأسبوع الفائت، أقله في الشكل. الأول في نيويورك، والثاني في الضاحية الجنوبية لبيروت. ففي نيويورك، وعلى هامش مشاركة رئيس الحكومة نواف سلام في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، عُقد لقاء بينه وبين وزير الخارجية يوسف رجّي من جهة، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي من جهة أخرى، في مشهد يحمل أكثر من دلالة، وإن كانت مفاعيله لا تزال غير محسومة.

في ذلك اللقاء، لم يترك سلام الكثير من الالتباس حول العنوان الذي أراد تثبيته لجهة ما يسعى إليه لبنان، الذي يريد أن تكون علاقته مع إيران “من دولة إلى دولة”، تقوم على احترام السيادة والاستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. والأهم أنه ربط هذا المسار بسلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيدها، إلى جانب أولوية الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات. وهذا الموقف سبق أن اتخذه قبل أكثر من سنتين الرئيس نجيب ميقاتي في ردّه على محمد رضا قاليباف، الذي فوّض نفسه ناطقًا باسم لبنان.

أما مشهد الضاحية فبدا مختلفاً تماماً. ففي الذكرى الثانية لاغتيال السيد حسن نصرالله، رفع الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم سقف المواجهة السياسية مع السلطة، وقال إن من حق رئيس الجمهورية التفاوض، لكن ليس من حقه، بحسب تعبيره، مخالفة الدستور واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري أو التنازل عن حقوق لبنان.

وهنا تكمن المفارقة الحقيقية، التي تجافي حالة الانكار، التي لا تزال تعيشها “حارة حريك”. ففي نيويورك كان رئيس الحكومة يجلس إلى طاولة واحدة مع الرئيس الإيراني ووزيرَي الخارجية، ويتحدث عن علاقة تحكمها قاعدة الندّية، أي أن تكون العلاقات بين بيروت وطهران على أسس واضحة بين دولة ودولة واحترام السيادة وخصوصيات كل من البلدين. وفي الضاحية، كان خطاب “حزب الله” يضع السلطة اللبنانية نفسها تحت المساءلة السياسية، ويعترض على المسار الذي تسلكه في التفاوض، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن المشهدين يشكلان قطيعة كاملة أو أن أحدهما يلغي الآخر.

فاللقاء اللبناني ـ الإيراني قد يكون، من زاوية أخرى، محاولة لفتح قناة مباشرة مع طهران في لحظة شديدة الحساسية، ووضع العلاقة معها أمام اختبار جديد، مع طرح أكثر من علامة استفهام عمّا سيلي هذا اللقاء، على أن تبقى التساؤلات رهن ما ستحمله الأيام المقبلة من مفاجآت. ومن بين هذا الأسئلة الكثيرة يبرز واحد متقدم من حيث أهميته الرمزية، وهو: هل يمكن الانتقال من علاقة لطالما ارتبطت بملفات سياسية وأمنية إلى علاقة مؤسساتية بين دولتين؟ تصريحات رجّي بعد اللقاء ذهبت في هذا الاتجاه أيضاً، إذ قال إن الجانب اللبناني قال في الاجتماع “ما يجب أن يُقال بوضوح” انطلاقاً من الموقف السيادي اللبناني.

في المقابل، فإن كلام قاسم يؤكد أن الخلاف الداخلي لم يُحسم، وأن السؤال لم يعد فقط حول شكل العلاقة مع إيران أو إسرائيل، بل حول من يملك قرار التفاوض، ومن يحدد سقفه، ومن يقرر باسم لبنان في مسائل الحرب والسلم.

ومن هنا، فإن مشهدي نيويورك والضاحية قد لا يكونان متناقضين تماماً بقدر ما هما صورتان للبنان في مرحلة انتقالية، أي صورة دولة تحاول أن تقول للخارج إنها تفاوض باسمها، وصورة قوة سياسية ترفض أن تعتبر أن هذا التفويض يتيح للسلطة الذهاب بعيداً في الخيارات التي تعتبرها مرتبطة بحقوق “المقاومة” والسيادة.

والاختبار الفعلي لن يكون في الصورة التي التُقطت في نيويورك، ولا في سقف الخطاب الذي قيل في الضاحية، بل في ما سيأتي بعدهما. فهل تستطيع الدولة مثلًا  تحويل مبدأ “من دولة إلى دولة” إلى واقع سياسي وأمني داخل لبنان، أم يبقى لبنان أمام مشهدين متوازيين، أحدهما في قاعات الأمم المتحدة والآخر في ساحات النفوذ الداخلي؟

ما قيل بعد لقاء نيويورك، أقّله لبنانيًا، يتناقض جذريًا مع ما قيل في “الضاحية”. وما بين “الخطابين” بون شاسع تفصل “حارة حريك” عن “بعبدا” والسراي الحكومي بمسافات يمكن قياسها بالأميال، وليس بالأمتار؛ وقد تكون هذه المسافة القريبة جغرافيًا أكبر من المسافة الجغرافية بين بيروت وواشنطن أو نيويورك.

من “دولة إلى دولة”…السؤال في نيويورك… والجواب في “الضاحية”

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
30 أيلول 2026

مشهدان متناقضان، طبعا الأسبوع الفائت، أقله في الشكل. الأول في نيويورك، والثاني في الضاحية الجنوبية لبيروت. ففي نيويورك، وعلى هامش مشاركة رئيس الحكومة نواف سلام في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، عُقد لقاء بينه وبين وزير الخارجية يوسف رجّي من جهة، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي من جهة أخرى، في مشهد يحمل أكثر من دلالة، وإن كانت مفاعيله لا تزال غير محسومة.

في ذلك اللقاء، لم يترك سلام الكثير من الالتباس حول العنوان الذي أراد تثبيته لجهة ما يسعى إليه لبنان، الذي يريد أن تكون علاقته مع إيران “من دولة إلى دولة”، تقوم على احترام السيادة والاستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. والأهم أنه ربط هذا المسار بسلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيدها، إلى جانب أولوية الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات. وهذا الموقف سبق أن اتخذه قبل أكثر من سنتين الرئيس نجيب ميقاتي في ردّه على محمد رضا قاليباف، الذي فوّض نفسه ناطقًا باسم لبنان.

أما مشهد الضاحية فبدا مختلفاً تماماً. ففي الذكرى الثانية لاغتيال السيد حسن نصرالله، رفع الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم سقف المواجهة السياسية مع السلطة، وقال إن من حق رئيس الجمهورية التفاوض، لكن ليس من حقه، بحسب تعبيره، مخالفة الدستور واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري أو التنازل عن حقوق لبنان.

وهنا تكمن المفارقة الحقيقية، التي تجافي حالة الانكار، التي لا تزال تعيشها “حارة حريك”. ففي نيويورك كان رئيس الحكومة يجلس إلى طاولة واحدة مع الرئيس الإيراني ووزيرَي الخارجية، ويتحدث عن علاقة تحكمها قاعدة الندّية، أي أن تكون العلاقات بين بيروت وطهران على أسس واضحة بين دولة ودولة واحترام السيادة وخصوصيات كل من البلدين. وفي الضاحية، كان خطاب “حزب الله” يضع السلطة اللبنانية نفسها تحت المساءلة السياسية، ويعترض على المسار الذي تسلكه في التفاوض، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن المشهدين يشكلان قطيعة كاملة أو أن أحدهما يلغي الآخر.

فاللقاء اللبناني ـ الإيراني قد يكون، من زاوية أخرى، محاولة لفتح قناة مباشرة مع طهران في لحظة شديدة الحساسية، ووضع العلاقة معها أمام اختبار جديد، مع طرح أكثر من علامة استفهام عمّا سيلي هذا اللقاء، على أن تبقى التساؤلات رهن ما ستحمله الأيام المقبلة من مفاجآت. ومن بين هذا الأسئلة الكثيرة يبرز واحد متقدم من حيث أهميته الرمزية، وهو: هل يمكن الانتقال من علاقة لطالما ارتبطت بملفات سياسية وأمنية إلى علاقة مؤسساتية بين دولتين؟ تصريحات رجّي بعد اللقاء ذهبت في هذا الاتجاه أيضاً، إذ قال إن الجانب اللبناني قال في الاجتماع “ما يجب أن يُقال بوضوح” انطلاقاً من الموقف السيادي اللبناني.

في المقابل، فإن كلام قاسم يؤكد أن الخلاف الداخلي لم يُحسم، وأن السؤال لم يعد فقط حول شكل العلاقة مع إيران أو إسرائيل، بل حول من يملك قرار التفاوض، ومن يحدد سقفه، ومن يقرر باسم لبنان في مسائل الحرب والسلم.

ومن هنا، فإن مشهدي نيويورك والضاحية قد لا يكونان متناقضين تماماً بقدر ما هما صورتان للبنان في مرحلة انتقالية، أي صورة دولة تحاول أن تقول للخارج إنها تفاوض باسمها، وصورة قوة سياسية ترفض أن تعتبر أن هذا التفويض يتيح للسلطة الذهاب بعيداً في الخيارات التي تعتبرها مرتبطة بحقوق “المقاومة” والسيادة.

والاختبار الفعلي لن يكون في الصورة التي التُقطت في نيويورك، ولا في سقف الخطاب الذي قيل في الضاحية، بل في ما سيأتي بعدهما. فهل تستطيع الدولة مثلًا  تحويل مبدأ “من دولة إلى دولة” إلى واقع سياسي وأمني داخل لبنان، أم يبقى لبنان أمام مشهدين متوازيين، أحدهما في قاعات الأمم المتحدة والآخر في ساحات النفوذ الداخلي؟

ما قيل بعد لقاء نيويورك، أقّله لبنانيًا، يتناقض جذريًا مع ما قيل في “الضاحية”. وما بين “الخطابين” بون شاسع تفصل “حارة حريك” عن “بعبدا” والسراي الحكومي بمسافات يمكن قياسها بالأميال، وليس بالأمتار؛ وقد تكون هذه المسافة القريبة جغرافيًا أكبر من المسافة الجغرافية بين بيروت وواشنطن أو نيويورك.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار