“الثالثة ثابتة”: هل ترك الأميركيون العراق فعلاً؟

الكاتب: جورج شاهين | المصدر: الجمهورية
1 تشرين الأول 2026

لو لم يعلن «البنتاغون» رسمياً أمس أنّ «الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف الدولي» اختتموا رسمياً عملية «العزم الصلب» في العراق، لما صدّق العالم أنّ الأميركيين أنّهوا وجودهم فيه. ذلك انّها المرّة الثالثة التي تعلن فيها واشنطن عن نيتها بالانسحاب الشامل، بعدما أرجئت مرّتين، أولاها في تشرين الأول من العام 2009، والثانية في نهاية العام 2014. تارة بطلب من الحكومة العراقية، وأخرى بسبب تزامنها وبداية ظهور «داعش» في الموصل وتمدّدها إلى سوريا. وعليه، ما الذي تغيّر لتكون الثالثة ثابتة؟

صدقت التعهدات الأميركية بالانسحاب الشامل من العراق في آخر أيام أيلول الماضي، بعد مسلسل من العمليات المماثلة التي لم تكتمل فصولها، وتزامنت ومجموعة الحروب التي شاركت فيها الولايات المتحدة في المنطقة، وبدأت مع رفضها للغزو العراقي للكويت، ومعها مجموعة من الدول العربية والخليجية والغربية، بالتمركز في الأراضي السعودية المجاورة للعراق في 7 آب 1990، تحت اسم «درع الصحراء»، إلى أن تطورت بانضمام مجموعة من الدول العربية والغربية والخليجية في عملية «عاصفة الصحراء» ضدّ العراق، التي بدأت في 17 كانون الثاني 1991 بحملة جوية مكثفة ومدمّرة ضدّ البنية التحتية والقوات العسكرية، إلى أن أجبرته على الخروج من الكويت في حرب «نسر الصحراء»، في عملية برية واسعة سُمّيت أيضاً بـ«حرب الـ100 ساعة» من 24 شباط إلى 28 منه عام 1991، والتي انتهت بتحرير الكويت.

وفي مسلسل الحروب الأميركية في العراق، كانت عملية «حرّية العراق» (Operation Iraqi Freedom – OIF) التي امتدت من 19 آذار 2003 حتى 31 آب 2007 على رغم من سقوط صدام حسين في 9 نيسان 2003، تلتها عملية إخلاء جزئية للقوات الأميركية في نهاية كانون الأول العام 2007، قالت واشنطن إنّها شملت القوات الإضافية التي نُقلت إلى المنطقة، قبل أن تعلن في 27 شباط 2009 على لسان رئيسها باراك أوباما انسحاباً شاملاً تنفيذاً لاتفاقية «صوفا» التي عُقدت نهاية العام 2008 مع الحكومة العراقية، وقالت ببرنامج انسحاب شبه شامل بحلول آب 2010، مع الاحتفاظ بـ«قوة انتقالية» للمساعدة حتى نهاية كانون الأول من ذلك العام. وهي تضمّ مجموعة من الخبراء العسكريين في محيط السفارة الأميركية في بغداد، التي تحولت حصناً منيعاً جمعت في نطاقها الإدارات الرسمية العراقية وسُمّيت «المنطقة الخضراء» المقفلة على من لا يمتلك إذناً بدخولها، وذلك عملاً بما سمّته عملية «الفجر الجديد»، (Operation New Dawn – OND) التي امتدت من 1 أيلول 2010 وحتى نهاية العام نفسه.

وفي ظلّ استمرار القلاقل في الداخل العراقي، ومع السيطرة المفاجئة لقوات «الدولة الإسلامية في سوريا والعراق» التي عُرفت بـ«داعش» في 14 حزيران عام 2014 على محافظة الموصل، إثر احتلالها ثكن الجيش الجاري بناؤه، وفرار قادته بطائراتهم والآليات العسكرية الحديثة، وضع المتشدّدون يدهم على ما قدّر يومها بـ11 مليار دولار من العتاد الأميركي المتطور، في أول وأكبر انهيار أصاب الجيش الجديد. على إثرها أعادت القوات الأميركية تعزيز انتشارها «الموقت» ومعها وحدات من «التحالف الدولي ضدّ الإرهاب» المكون من قوات جُمعت من 41 دولة من مختلف قارات العالم، لينتشر في مناطق عدة من العراق، قبل التوسع نحو الأراضي السورية، في مرحلة تلت الغزو «الداعشي» لها بعد عبورها الحدود العراقية ـ السورية في 14 تموز عام 2014، قبل أن تعلن وضع مناطق واسعة من سوريا والعراق تحت سيطرة المنطقة الوسطى الأميركية «سنتكوم»، وإقامة ثكنها على طول الحدود العراقية من الحسكة إلى غرب الفرات، وصولاً إلى «التنف» عند مثلث الحدود السورية – الأردنية – العراقية.

في هذه الأجواء، تبخّرت القرارات الأميركية الخاصة بالانسحاب من العراق، إلى أن أحيتها وفق خطتها الجديدة التي بدأتها في الأراضي السورية قبل العراقية في الربع الأول من السنة الجارية، والتي سلّمت بموجبها مواقعها للجيش السوري الجديد، تزامناً مع اتفاق تسليم مناطق «قوات سوريا الديموقراطية» الكردية، بعد حلّ قواتها «قسد» نهائياً وانضمامها إلى الجيش الشرعي، بدءاً بقاعدة «قسرك» في ريف الحسكة يومي 15 و16 نيسان الماضي، قبل تسليم بقية القواعد في شرق سوريا وغربها وشمالها ومن بينها قواعد «التنف»، حقل «العمر» النفطي، منشآت «كونيكو» للطاقة وقاعدة «الشدادي».

وفي انتظار أن يتوافر مزيد من التفاصيل حول الانسحاب الأميركي الكامل من العراق، والذي كانت آخر مراحله إخلاء «قاعدة أربيل الجوية»، وما يمكن أن تعطيه الحكومة العراقية من تفسيرات، بعدما ربطت الموعد بتفكيك المنظمات المسلحة غير الشرعية في العراق وتسليم أسلحتها للجيش، التي تعثرت عملية تسليم أسلحتها إلى الجيش الشرعي جزئياً، يبقى الأمر محصوراً بما أعلنه البنتاغون أمس، بانتهاء عملية «العزم الصلب»، التي اختصرت مجموعة الحروب التي تلت إسقاط نظام صدام حسين والقضاء على «داعش». وبعد أن بلغ تعداد القوات الأميركية ذروته بـ 170 ألف جندي عام 2007، تراجع تدريجاً إلى أن وصل إلى 50 الفاً، بعدما تحولت مهمّاتها من «العمليات الحربية» إلى «مكافحة التمرّد وإرساء الاستقرار ومواجهة الجماعات المسلّحة وتنظيم القاعدة في العراق»، قبل ان تُكلّف بعدها «تقديم النصح والمساعدة والتدريب للجيش والشرطة العراقية».

ولذلك، تتريث المراجع السياسية والديبلوماسية في حكمها على الخطوة الأميركية في توقيتها وشكلها وغاياتها، في انتظار قراءة انعكاساتها على الساحة الأمنية في العراق، وقياس تراجع التدخّل الأجنبي فيه، ولا سيما منه الإيراني، بعد انعدامه نهائياً في سوريا إلى أن تنتهي القراءة المعمّقة للمهمّة. وعليه، فإنّ أبرز ما أجمعت عليه هذه المراجع، يكمن في اعتبار أنّ ما حصل شكّل رسالة أميركية،ً بأنّ رؤيتها واحدة للساحتين السورية والعراقية، سياسياً وعسكرياً وجغرافياً. وإنّ احتفاظها بما تحتاجه لمراقبة الدولتين بات محصوراً بوجود قواتها مع «شركاء التحالف الدولي» و»قوة المهمّات المشتركة الموحّدة»، التي تتخذ من الأردن مقرًا لها، وستدير هاتين الساحتين معاً. بعد أن اطمأنت إلى حكومة الزيدي الجديدة في العراق، وحكم احمد الشرع في سوريا. وهي لا ترى مخاطر محتملة يمكن أن تدعوها للعودة إلى الأراضي العراقية والسورية، رغم انّها على مرمى حجر منهما معاً.

“الثالثة ثابتة”: هل ترك الأميركيون العراق فعلاً؟

الكاتب: جورج شاهين | المصدر: الجمهورية
1 تشرين الأول 2026

لو لم يعلن «البنتاغون» رسمياً أمس أنّ «الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف الدولي» اختتموا رسمياً عملية «العزم الصلب» في العراق، لما صدّق العالم أنّ الأميركيين أنّهوا وجودهم فيه. ذلك انّها المرّة الثالثة التي تعلن فيها واشنطن عن نيتها بالانسحاب الشامل، بعدما أرجئت مرّتين، أولاها في تشرين الأول من العام 2009، والثانية في نهاية العام 2014. تارة بطلب من الحكومة العراقية، وأخرى بسبب تزامنها وبداية ظهور «داعش» في الموصل وتمدّدها إلى سوريا. وعليه، ما الذي تغيّر لتكون الثالثة ثابتة؟

صدقت التعهدات الأميركية بالانسحاب الشامل من العراق في آخر أيام أيلول الماضي، بعد مسلسل من العمليات المماثلة التي لم تكتمل فصولها، وتزامنت ومجموعة الحروب التي شاركت فيها الولايات المتحدة في المنطقة، وبدأت مع رفضها للغزو العراقي للكويت، ومعها مجموعة من الدول العربية والخليجية والغربية، بالتمركز في الأراضي السعودية المجاورة للعراق في 7 آب 1990، تحت اسم «درع الصحراء»، إلى أن تطورت بانضمام مجموعة من الدول العربية والغربية والخليجية في عملية «عاصفة الصحراء» ضدّ العراق، التي بدأت في 17 كانون الثاني 1991 بحملة جوية مكثفة ومدمّرة ضدّ البنية التحتية والقوات العسكرية، إلى أن أجبرته على الخروج من الكويت في حرب «نسر الصحراء»، في عملية برية واسعة سُمّيت أيضاً بـ«حرب الـ100 ساعة» من 24 شباط إلى 28 منه عام 1991، والتي انتهت بتحرير الكويت.

وفي مسلسل الحروب الأميركية في العراق، كانت عملية «حرّية العراق» (Operation Iraqi Freedom – OIF) التي امتدت من 19 آذار 2003 حتى 31 آب 2007 على رغم من سقوط صدام حسين في 9 نيسان 2003، تلتها عملية إخلاء جزئية للقوات الأميركية في نهاية كانون الأول العام 2007، قالت واشنطن إنّها شملت القوات الإضافية التي نُقلت إلى المنطقة، قبل أن تعلن في 27 شباط 2009 على لسان رئيسها باراك أوباما انسحاباً شاملاً تنفيذاً لاتفاقية «صوفا» التي عُقدت نهاية العام 2008 مع الحكومة العراقية، وقالت ببرنامج انسحاب شبه شامل بحلول آب 2010، مع الاحتفاظ بـ«قوة انتقالية» للمساعدة حتى نهاية كانون الأول من ذلك العام. وهي تضمّ مجموعة من الخبراء العسكريين في محيط السفارة الأميركية في بغداد، التي تحولت حصناً منيعاً جمعت في نطاقها الإدارات الرسمية العراقية وسُمّيت «المنطقة الخضراء» المقفلة على من لا يمتلك إذناً بدخولها، وذلك عملاً بما سمّته عملية «الفجر الجديد»، (Operation New Dawn – OND) التي امتدت من 1 أيلول 2010 وحتى نهاية العام نفسه.

وفي ظلّ استمرار القلاقل في الداخل العراقي، ومع السيطرة المفاجئة لقوات «الدولة الإسلامية في سوريا والعراق» التي عُرفت بـ«داعش» في 14 حزيران عام 2014 على محافظة الموصل، إثر احتلالها ثكن الجيش الجاري بناؤه، وفرار قادته بطائراتهم والآليات العسكرية الحديثة، وضع المتشدّدون يدهم على ما قدّر يومها بـ11 مليار دولار من العتاد الأميركي المتطور، في أول وأكبر انهيار أصاب الجيش الجديد. على إثرها أعادت القوات الأميركية تعزيز انتشارها «الموقت» ومعها وحدات من «التحالف الدولي ضدّ الإرهاب» المكون من قوات جُمعت من 41 دولة من مختلف قارات العالم، لينتشر في مناطق عدة من العراق، قبل التوسع نحو الأراضي السورية، في مرحلة تلت الغزو «الداعشي» لها بعد عبورها الحدود العراقية ـ السورية في 14 تموز عام 2014، قبل أن تعلن وضع مناطق واسعة من سوريا والعراق تحت سيطرة المنطقة الوسطى الأميركية «سنتكوم»، وإقامة ثكنها على طول الحدود العراقية من الحسكة إلى غرب الفرات، وصولاً إلى «التنف» عند مثلث الحدود السورية – الأردنية – العراقية.

في هذه الأجواء، تبخّرت القرارات الأميركية الخاصة بالانسحاب من العراق، إلى أن أحيتها وفق خطتها الجديدة التي بدأتها في الأراضي السورية قبل العراقية في الربع الأول من السنة الجارية، والتي سلّمت بموجبها مواقعها للجيش السوري الجديد، تزامناً مع اتفاق تسليم مناطق «قوات سوريا الديموقراطية» الكردية، بعد حلّ قواتها «قسد» نهائياً وانضمامها إلى الجيش الشرعي، بدءاً بقاعدة «قسرك» في ريف الحسكة يومي 15 و16 نيسان الماضي، قبل تسليم بقية القواعد في شرق سوريا وغربها وشمالها ومن بينها قواعد «التنف»، حقل «العمر» النفطي، منشآت «كونيكو» للطاقة وقاعدة «الشدادي».

وفي انتظار أن يتوافر مزيد من التفاصيل حول الانسحاب الأميركي الكامل من العراق، والذي كانت آخر مراحله إخلاء «قاعدة أربيل الجوية»، وما يمكن أن تعطيه الحكومة العراقية من تفسيرات، بعدما ربطت الموعد بتفكيك المنظمات المسلحة غير الشرعية في العراق وتسليم أسلحتها للجيش، التي تعثرت عملية تسليم أسلحتها إلى الجيش الشرعي جزئياً، يبقى الأمر محصوراً بما أعلنه البنتاغون أمس، بانتهاء عملية «العزم الصلب»، التي اختصرت مجموعة الحروب التي تلت إسقاط نظام صدام حسين والقضاء على «داعش». وبعد أن بلغ تعداد القوات الأميركية ذروته بـ 170 ألف جندي عام 2007، تراجع تدريجاً إلى أن وصل إلى 50 الفاً، بعدما تحولت مهمّاتها من «العمليات الحربية» إلى «مكافحة التمرّد وإرساء الاستقرار ومواجهة الجماعات المسلّحة وتنظيم القاعدة في العراق»، قبل ان تُكلّف بعدها «تقديم النصح والمساعدة والتدريب للجيش والشرطة العراقية».

ولذلك، تتريث المراجع السياسية والديبلوماسية في حكمها على الخطوة الأميركية في توقيتها وشكلها وغاياتها، في انتظار قراءة انعكاساتها على الساحة الأمنية في العراق، وقياس تراجع التدخّل الأجنبي فيه، ولا سيما منه الإيراني، بعد انعدامه نهائياً في سوريا إلى أن تنتهي القراءة المعمّقة للمهمّة. وعليه، فإنّ أبرز ما أجمعت عليه هذه المراجع، يكمن في اعتبار أنّ ما حصل شكّل رسالة أميركية،ً بأنّ رؤيتها واحدة للساحتين السورية والعراقية، سياسياً وعسكرياً وجغرافياً. وإنّ احتفاظها بما تحتاجه لمراقبة الدولتين بات محصوراً بوجود قواتها مع «شركاء التحالف الدولي» و»قوة المهمّات المشتركة الموحّدة»، التي تتخذ من الأردن مقرًا لها، وستدير هاتين الساحتين معاً. بعد أن اطمأنت إلى حكومة الزيدي الجديدة في العراق، وحكم احمد الشرع في سوريا. وهي لا ترى مخاطر محتملة يمكن أن تدعوها للعودة إلى الأراضي العراقية والسورية، رغم انّها على مرمى حجر منهما معاً.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار