خاص- دمج الساحتين اللبنانية والسورية هدف أساسي لتركيا

سواء كانت المعلومات التي نشرتها وكالة رويترز، ثمّ تمّ نفيها، عن لقاءات سرّية ومباشرة عُقدت في تركيا في أيلول الماضي بين مسؤولين سوريين وممثّلين لـ “حزب الله” صحيحة أم لا، فإنّ احتمال عقد لقاءات من هذا النوع ليس مستبعداً، لا بل قد تكون هذه الأخبار نوعاً من تهيئة الرأي العام، لأنّ السعي التركي قائم في شكل حثيث من أجل تحقيق ذلك.
ولكن اللافت أنّ الخبر عن اللقاء السري أتى في وقت أعلنت فيه السلطات السورية قبل أيّام “إحباط مخطّط تخريبي وتفكيك خليّة تابعة لـ “حزب الله” في منطقة حوض اليرموك في ريف درعا، بالتزامن مع وضع القضاء اللبناني يده على شبكة متّهمة بتجنيد سوريين وتدريبهم داخل لبنان على استخدام الأسلحة والمتفجرات والمسيّرات تمهيداً لإرسالهم لتنفيذ عمليات في الساحل السوري، وهذه الشبكة مرتبطة بـ “حزب الله”.
وحصلت هذه التطوّرات، في وقت تسعى تركيا من خلال اتّصالاتها للعمل على عدم زجّ سوريا في نزاع مع “حزب الله” في لبنان، في مقابل تعهّد من “الحزب” بالامتناع عن دعم فصائل من النظام السابق بهدف تهديد الأمن السوري. وقد لعبت تركيا بالفعل دوراً أساسياً في إحجام دمشق عن الدخول في حرب ضدّ “الحزب” في لبنان، كما اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرّات عدّة، والذي اعتبر أنّ في إمكان القوّات السورية أن تتدبّر أمر السلاح في البقاع اللبناني.
فلأنقرة مصالح كثيرة على الساحتين اللبنانية والسورية. والتقريب بينهما يصبّ في خدمة هذه المصالح الجيوسياسية والاقتصادية على السواء. فبعد سقوط نظام الأسد، عزّزت تركيا نفوذها في سوريا، وتحاول العبور منه إلى لبنان تدريجاً. وبينما تعمل على بناء علاقة جيّدة مع لبنان الرسمي من جهة، وبين الدولة اللبنانية والدولة السورية من جهة ثانية، لا يضيرها أيضاً التوصّل إلى توازنات إقليمية تحدّ من النفوذ الإسرائيلي المتنامي، وتعيد ترتيب مرحلة وراثة النفوذ الإيراني.
وهنا تُفهم المقولة التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، وهي أنّ “أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت”، بمعنى أن بلاده تريد تقاسم النفوذ مع إسرائيل في هاتين العاصمتين، في وراثة للدور الإيراني. ومن هذا المنطلق، هي لا تفضّل القضاء على النظام الإيراني، بل تعتبر أنّ بقاءه ضمن قدرة محدودة يفيد منطق التوازن، ويترك عقبة قائمة أمام تلّ أبيب تجبرها على قبول الدور التركي في المنطقة.
وهذا الأمر ينطبق على “حزب الله” في لبنان، الذي يشكّل وجوده عامل ضبط للنفوذ الإسرائيلي، ولكن من دون أن تكون لديه القدرات السابقة، بمعنى أنّ إيران و”الحزب” يبقيان ضمن اللعبة، ويشكّلان صمّاماً في وجه إسرائيل، ولكن من دون قدرات عسكرية كبيرة ولا نفوذ واسع.
ومن هذا المنطلق، سيكون مفيداً للدور التركي أن يحصل تفاهم لتخفيض احتمال الاحتكاكات الأمنية بين القيادة السورية الجديدة و”الحزب”، الذي تحاول تركيا جذبه إلى معسكرها، أو على الأقلّ تبادل المصالح لصدّ التوسّع الإسرائيلي. ومن هنا، كان الاقتراح التركي الهادف إلى المساعدة في إيجاد مخرج لسلاح “الحزب” بوساطتها. ولكن ذلك لم ينجح حتّى الآن.
وما يسهّل الأهداف التركية التوافق مع السعودية على عدد كبير من الأهداف، بعد مراحل من الخلافات السابقة وتضارب المصالح، عبر ولادة “حلف مكّة” الذي يضمّ كلّاً من السعودية وتركيا وباكستان، وهو يفعّل دوره حاليّاً، خصوصاً على صعيد التعاون الأمني والدفاعي. فهذا التحالف الثلاثي يشكّل ثقلاً وازناً في مقابل المحور الذي تشكّله إسرائيل بدعم أميركي. ولكن ما يميّز الدور التركي أنّه أيضاً يحظى بمستوى من الدعم الأميركي والعلاقات التي لم تنقطع مع طهران، والتوافق المستجدّ مع الرياض.
وإذا أضفنا إلى كلّ هذه العوامل الموضوع الاقتصادي الفائق الأهمّية بالنسبة إلى أنقرة، يمكننا أن نفهم المصلحة التركية في فتح الساحتين اللبنانية والسورية على مشاريع مشتركة وضمّ لبنان إلى محورها بدلاً من أن يكون في المحور المقابل.
ولكن، يبدو أنّ ما سُرّب عن لقاء سوري مع “الحزب” في تركيا هو محاولة لجسّ النبض. وهناك احتمال لأن تكون لقاءات قد عُقدت فعلاً، ولكنّها ما تزال على مستوى استكشافي، على أساس أنّ العوائق أمام ذلك ما زالت كبيرة.
ولن يتّضح اتّجاه أيّ مسار في الوقت الحاضر، في انتظار ما سيحدث على الخطّ الأميركي الإيراني، سواء عبر التوصّل إلى اتّفاق أو عودة الحرب. وهذا سيظهر بعد الانتخابات في كلّ من الولايات المتّحدة وإسرائيل خلال شهر من الآن.
ولا شيء يمنع واشنطن من عقد صفقة مع إيران، وتالياً مع “حزب الله”، إذا كان هذان الطرفان قادرين على تأمين مصالحها والتزما شروطها. فهذا الأمر ليس بجديد في السياسة الأميركية، كما أنّه مستساغ لدى “الحزب”، خصوصاً أنّه مستعدّ لعقد الصفقات إذا كان هو من سينفّذها، وهو من يمسك زمام القرار.
خاص- دمج الساحتين اللبنانية والسورية هدف أساسي لتركيا

سواء كانت المعلومات التي نشرتها وكالة رويترز، ثمّ تمّ نفيها، عن لقاءات سرّية ومباشرة عُقدت في تركيا في أيلول الماضي بين مسؤولين سوريين وممثّلين لـ “حزب الله” صحيحة أم لا، فإنّ احتمال عقد لقاءات من هذا النوع ليس مستبعداً، لا بل قد تكون هذه الأخبار نوعاً من تهيئة الرأي العام، لأنّ السعي التركي قائم في شكل حثيث من أجل تحقيق ذلك.
ولكن اللافت أنّ الخبر عن اللقاء السري أتى في وقت أعلنت فيه السلطات السورية قبل أيّام “إحباط مخطّط تخريبي وتفكيك خليّة تابعة لـ “حزب الله” في منطقة حوض اليرموك في ريف درعا، بالتزامن مع وضع القضاء اللبناني يده على شبكة متّهمة بتجنيد سوريين وتدريبهم داخل لبنان على استخدام الأسلحة والمتفجرات والمسيّرات تمهيداً لإرسالهم لتنفيذ عمليات في الساحل السوري، وهذه الشبكة مرتبطة بـ “حزب الله”.
وحصلت هذه التطوّرات، في وقت تسعى تركيا من خلال اتّصالاتها للعمل على عدم زجّ سوريا في نزاع مع “حزب الله” في لبنان، في مقابل تعهّد من “الحزب” بالامتناع عن دعم فصائل من النظام السابق بهدف تهديد الأمن السوري. وقد لعبت تركيا بالفعل دوراً أساسياً في إحجام دمشق عن الدخول في حرب ضدّ “الحزب” في لبنان، كما اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرّات عدّة، والذي اعتبر أنّ في إمكان القوّات السورية أن تتدبّر أمر السلاح في البقاع اللبناني.
فلأنقرة مصالح كثيرة على الساحتين اللبنانية والسورية. والتقريب بينهما يصبّ في خدمة هذه المصالح الجيوسياسية والاقتصادية على السواء. فبعد سقوط نظام الأسد، عزّزت تركيا نفوذها في سوريا، وتحاول العبور منه إلى لبنان تدريجاً. وبينما تعمل على بناء علاقة جيّدة مع لبنان الرسمي من جهة، وبين الدولة اللبنانية والدولة السورية من جهة ثانية، لا يضيرها أيضاً التوصّل إلى توازنات إقليمية تحدّ من النفوذ الإسرائيلي المتنامي، وتعيد ترتيب مرحلة وراثة النفوذ الإيراني.
وهنا تُفهم المقولة التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، وهي أنّ “أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت”، بمعنى أن بلاده تريد تقاسم النفوذ مع إسرائيل في هاتين العاصمتين، في وراثة للدور الإيراني. ومن هذا المنطلق، هي لا تفضّل القضاء على النظام الإيراني، بل تعتبر أنّ بقاءه ضمن قدرة محدودة يفيد منطق التوازن، ويترك عقبة قائمة أمام تلّ أبيب تجبرها على قبول الدور التركي في المنطقة.
وهذا الأمر ينطبق على “حزب الله” في لبنان، الذي يشكّل وجوده عامل ضبط للنفوذ الإسرائيلي، ولكن من دون أن تكون لديه القدرات السابقة، بمعنى أنّ إيران و”الحزب” يبقيان ضمن اللعبة، ويشكّلان صمّاماً في وجه إسرائيل، ولكن من دون قدرات عسكرية كبيرة ولا نفوذ واسع.
ومن هذا المنطلق، سيكون مفيداً للدور التركي أن يحصل تفاهم لتخفيض احتمال الاحتكاكات الأمنية بين القيادة السورية الجديدة و”الحزب”، الذي تحاول تركيا جذبه إلى معسكرها، أو على الأقلّ تبادل المصالح لصدّ التوسّع الإسرائيلي. ومن هنا، كان الاقتراح التركي الهادف إلى المساعدة في إيجاد مخرج لسلاح “الحزب” بوساطتها. ولكن ذلك لم ينجح حتّى الآن.
وما يسهّل الأهداف التركية التوافق مع السعودية على عدد كبير من الأهداف، بعد مراحل من الخلافات السابقة وتضارب المصالح، عبر ولادة “حلف مكّة” الذي يضمّ كلّاً من السعودية وتركيا وباكستان، وهو يفعّل دوره حاليّاً، خصوصاً على صعيد التعاون الأمني والدفاعي. فهذا التحالف الثلاثي يشكّل ثقلاً وازناً في مقابل المحور الذي تشكّله إسرائيل بدعم أميركي. ولكن ما يميّز الدور التركي أنّه أيضاً يحظى بمستوى من الدعم الأميركي والعلاقات التي لم تنقطع مع طهران، والتوافق المستجدّ مع الرياض.
وإذا أضفنا إلى كلّ هذه العوامل الموضوع الاقتصادي الفائق الأهمّية بالنسبة إلى أنقرة، يمكننا أن نفهم المصلحة التركية في فتح الساحتين اللبنانية والسورية على مشاريع مشتركة وضمّ لبنان إلى محورها بدلاً من أن يكون في المحور المقابل.
ولكن، يبدو أنّ ما سُرّب عن لقاء سوري مع “الحزب” في تركيا هو محاولة لجسّ النبض. وهناك احتمال لأن تكون لقاءات قد عُقدت فعلاً، ولكنّها ما تزال على مستوى استكشافي، على أساس أنّ العوائق أمام ذلك ما زالت كبيرة.
ولن يتّضح اتّجاه أيّ مسار في الوقت الحاضر، في انتظار ما سيحدث على الخطّ الأميركي الإيراني، سواء عبر التوصّل إلى اتّفاق أو عودة الحرب. وهذا سيظهر بعد الانتخابات في كلّ من الولايات المتّحدة وإسرائيل خلال شهر من الآن.
ولا شيء يمنع واشنطن من عقد صفقة مع إيران، وتالياً مع “حزب الله”، إذا كان هذان الطرفان قادرين على تأمين مصالحها والتزما شروطها. فهذا الأمر ليس بجديد في السياسة الأميركية، كما أنّه مستساغ لدى “الحزب”، خصوصاً أنّه مستعدّ لعقد الصفقات إذا كان هو من سينفّذها، وهو من يمسك زمام القرار.










