العلاقة المالية بين لبنان وسوريا من التعاون السياسي والاقتصادي إلى حل أزمة المصارف والودائع

أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت تقييم حالة بعنوان “العلاقة المالية بين لبنان وسورية: من التعاون السياسي والاقتصادي إلى حلّ أزمة المصارف والودائع”، يتناول مسار العلاقات المالية بين البلدين، من سنوات التعاون الاقتصادي إلى تداعيات الأزمة المصرفية اللبنانية على الاقتصاد السوري، لا سيما في ما يتعلق بالودائع السورية العالقة في المصارف اللبنانية، وانكشاف المصارف السورية على القطاع المصرفي اللبناني.
يوضح تقييم الحالة أن اعتماد الاقتصاد السوري، طوال عقود، على القطاع المصرفي اللبناني جعل تداعيات الأزمة المالية اللبنانية، التي بدأت في عام 2019، تمتد إلى سورية، من خلال تجميد ودائع وانكشاف عدد من المصارف السورية على المصارف اللبنانية. ويستعرض حجم الودائع السورية العالقة في لبنان والتقديرات المتباينة بشأنها، إضافة إلى التحديات التي تواجه إعادة بناء العلاقات المالية والمصرفية بين البلدين في ظلّ الإصلاحات التي تشهدها سورية ومساعيها إلى الانفتاح الاقتصادي.
ويشير التقييم إلى أن نجاح التعاون المالي والمصرفي في المرحلة المقبلة يتطلب معالجة الملفات التي خلّفتها أزمة 2019 المصرفية، وتعزيز الحوكمة واستعادة الثقة في القطاعين الماليين. ويؤكد في هذا السياق، أن التقارب السياسي بين البلدين، على الرغم من أهميته، لا يكفي وحده لإرساء علاقة مالية ومصرفية جديدة، ما لم تُعالَج الملفات العالقة التي خلّفتها الأزمة المصرفية اللبنانية.
ويرصد التقييم التطورات الأخيرة في العلاقات الثنائية، منذ اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق في 9 أيار/ مايو 2026، وصولًا إلى إعلان وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط في 23 أيلول/ سبتمبر 2026، بدء مراجعة أكثر من أربعين اتفاقًا وبروتوكولًا مشتركًا، وذلك بعد إنشاء اللجنة العليا اللبنانية-السورية المشتركة وإطلاق مجلس أعمال مشترك.
ويلفت التقييم إلى أن لبنان أدّى تاريخيًّا دور الوسيط المالي للاقتصاد السوري، وهو دور تعزّز بعد عام 2011 مع فرض العقوبات الدولية على سورية. إلا أن التطورات الأخيرة، وفي مقدمها رفع الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصادية في أيار/ مايو 2025 وإنهاء الولايات المتحدة الأميركية برنامج العقوبات الشامل على سورية، قد يؤديان إلى تراجع اعتماد دمشق على مرفأ بيروت والمصارف اللبنانية.
وبحلول أيلول/ سبتمبر 2012، وفق التقييم، كانت ستة بنوك تابعة لمصارف لبنانية أو مرتبطة بها من أصل 20 مصرفًا عاملًا في سورية، تمتلك 114 فرعًا، أي أكثر من خُمس شبكة الفروع المصرفية، فيما شكّلت رساميلها 16.2 في المئة من إجمالي رساميل القطاع المصرفي السوري. وبلغت أصولها المجمعة ذروتها في عام 2010 عند 376.1 مليار ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 8 مليارات دولار.
ومع اندلاع الأزمة المالية في لبنان في عام 2019، تحوّل هذا الترابط المصرفي إلى مصدر للخسائر. كما يوضح التقييم أن مصرف سورية المركزي ألزم المصارف التجارية، في أيلول/ سبتمبر 2025، بالاعتراف الكامل بانكشافاتها على النظام المالي اللبناني، وتكوين مؤونات كاملة، وتقديم خطط لإعادة الهيكلة خلال ستة أشهر.
وبحسب تصريحات أدلى بها حاكم مصرف سورية المركزي السابق في تشرين الأول/أكتوبر 2025، تجاوزت انكشافات المصارف التجارية السورية على لبنان 1.6 مليار دولار. ويعادل هذا المبلغ نحو ثلث إجمالي ودائع هذه المصارف، التي قدّرتها وكالة “رويترز” بنحو 4.9 مليارات دولار، استنادًا إلى التقارير المالية لعام 2024 للمصارف التجارية الأربعة عشر. وأوضح تقييم الحالة أن هذه النسبة لا تعني أن ثلث ودائع هذه المصارف موجود في لبنان.
وفي ما يتعلق بحجم الودائع السورية العالقة في لبنان، يشير التقييم إلى عدم وجود بيانات رسمية منشورة تفصل الودائع بحسب جنسيات أصحابها، الأمر الذي أدى إلى تفاوت كبير في التقديرات، حيث تتراوح التقديرات بين نحو 3 مليارات دولار، وفق رئيس لجنة الرقابة على المصارف السابق سمير حمود، و8 إلى 10 مليارات دولار وفق مصادر مصرفية لبنانية، فيما تصل تقديرات منسوبة إلى مصادر في النظام السوري السابق، إلى ما بين 20 و60 مليار دولار. ويعزو التقييم هذا التباين إلى اختلاف تعريف «الأموال السورية» والطرائق المعتمدة في احتسابها.
ويحدد التقييم ثلاثة تحديات أساسية أمام إعادة بناء العلاقة المالية بين البلدين. يتمثل التحدي الأول في متطلبات رسملة المصارف السورية المرتبطة بلبنان والمساهمين اللبنانيين فيها، وما تفرضه من خيارات صعبة بين دعم استثماراتهم في سورية ومعالجة أوضاعهم المالية في لبنان.
أما التحدي الثاني فيتعلق بتنظيم مستوى الانفتاح وشروط الترخيص والامتثال في سورية، في ظل منافسة متوقعة من مصارف خليجية تتمتع برسملة أكبر، الأمر الذي قد يزيد صعوبة المنافسة أمام المصارف اللبنانية. ويتمثل التحدي الثالث في عودة الطلب على الخدمات المصرفية وتحسن مستويات الدخل والائتمان داخل السوق السورية.
في المقابل، يرى تقييم الحالة أن مساعي سورية إلى إعادة بناء قطاعها المالي والانفتاح مجددًا على النظام المصرفي العالمي، تتيح للبنان فرصة لأداء دور مهم، من خلال نقل خبراته المهنية والتقنية في مجالات الامتثال وإدارة المخاطر وأنظمة الدفع والتمويل التجاري.
وفي هذا الإطار، برزت في آب/أغسطس 2026 مؤشرات على هذا الدور من خلال اختبار أول عملية دفع دولية عبر شبكة “فيزا” في سورية، بالتعاون مع فرنسبنك وشركة “بايميرا”. ويرى التقييم أن هذه الخطوة تعكس إمكانية مساهمة المؤسسات المصرفية اللبنانية في تطوير البنية المالية السورية وربطها بالشبكات المالية العالمية، مع ضرورة الالتزام بالمتطلبات الرقابية والاستفادة من الدروس التي أفرزتها الأزمة المصرفية اللبنانية.
في الختام، يشدد التقييم على أن معالجة ملف الودائع السورية في لبنان لا يمكن فصلها عن الأزمة المصرفية اللبنانية الأوسع، فيما يتعين على المصارف السورية الإفصاح عن خسائرها المرتبطة بلبنان ضمن ميزانياتها. وتخلص إلى أن التقارب السياسي بين البلدين يشكل عاملًا مهمًّا في تطوير العلاقات الثنائية، لكنه يحتاج إلى أطر مؤسسية واضحة لمعالجة الملفات العالقة، وتعزيز الحوكمة، واستعادة الثقة، بما يتيح بناء علاقة مالية ومصرفية أكثر استقرارًا وتوازنًا بين لبنان وسورية.
العلاقة المالية بين لبنان وسوريا من التعاون السياسي والاقتصادي إلى حل أزمة المصارف والودائع

أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت تقييم حالة بعنوان “العلاقة المالية بين لبنان وسورية: من التعاون السياسي والاقتصادي إلى حلّ أزمة المصارف والودائع”، يتناول مسار العلاقات المالية بين البلدين، من سنوات التعاون الاقتصادي إلى تداعيات الأزمة المصرفية اللبنانية على الاقتصاد السوري، لا سيما في ما يتعلق بالودائع السورية العالقة في المصارف اللبنانية، وانكشاف المصارف السورية على القطاع المصرفي اللبناني.
يوضح تقييم الحالة أن اعتماد الاقتصاد السوري، طوال عقود، على القطاع المصرفي اللبناني جعل تداعيات الأزمة المالية اللبنانية، التي بدأت في عام 2019، تمتد إلى سورية، من خلال تجميد ودائع وانكشاف عدد من المصارف السورية على المصارف اللبنانية. ويستعرض حجم الودائع السورية العالقة في لبنان والتقديرات المتباينة بشأنها، إضافة إلى التحديات التي تواجه إعادة بناء العلاقات المالية والمصرفية بين البلدين في ظلّ الإصلاحات التي تشهدها سورية ومساعيها إلى الانفتاح الاقتصادي.
ويشير التقييم إلى أن نجاح التعاون المالي والمصرفي في المرحلة المقبلة يتطلب معالجة الملفات التي خلّفتها أزمة 2019 المصرفية، وتعزيز الحوكمة واستعادة الثقة في القطاعين الماليين. ويؤكد في هذا السياق، أن التقارب السياسي بين البلدين، على الرغم من أهميته، لا يكفي وحده لإرساء علاقة مالية ومصرفية جديدة، ما لم تُعالَج الملفات العالقة التي خلّفتها الأزمة المصرفية اللبنانية.
ويرصد التقييم التطورات الأخيرة في العلاقات الثنائية، منذ اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق في 9 أيار/ مايو 2026، وصولًا إلى إعلان وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط في 23 أيلول/ سبتمبر 2026، بدء مراجعة أكثر من أربعين اتفاقًا وبروتوكولًا مشتركًا، وذلك بعد إنشاء اللجنة العليا اللبنانية-السورية المشتركة وإطلاق مجلس أعمال مشترك.
ويلفت التقييم إلى أن لبنان أدّى تاريخيًّا دور الوسيط المالي للاقتصاد السوري، وهو دور تعزّز بعد عام 2011 مع فرض العقوبات الدولية على سورية. إلا أن التطورات الأخيرة، وفي مقدمها رفع الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصادية في أيار/ مايو 2025 وإنهاء الولايات المتحدة الأميركية برنامج العقوبات الشامل على سورية، قد يؤديان إلى تراجع اعتماد دمشق على مرفأ بيروت والمصارف اللبنانية.
وبحلول أيلول/ سبتمبر 2012، وفق التقييم، كانت ستة بنوك تابعة لمصارف لبنانية أو مرتبطة بها من أصل 20 مصرفًا عاملًا في سورية، تمتلك 114 فرعًا، أي أكثر من خُمس شبكة الفروع المصرفية، فيما شكّلت رساميلها 16.2 في المئة من إجمالي رساميل القطاع المصرفي السوري. وبلغت أصولها المجمعة ذروتها في عام 2010 عند 376.1 مليار ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 8 مليارات دولار.
ومع اندلاع الأزمة المالية في لبنان في عام 2019، تحوّل هذا الترابط المصرفي إلى مصدر للخسائر. كما يوضح التقييم أن مصرف سورية المركزي ألزم المصارف التجارية، في أيلول/ سبتمبر 2025، بالاعتراف الكامل بانكشافاتها على النظام المالي اللبناني، وتكوين مؤونات كاملة، وتقديم خطط لإعادة الهيكلة خلال ستة أشهر.
وبحسب تصريحات أدلى بها حاكم مصرف سورية المركزي السابق في تشرين الأول/أكتوبر 2025، تجاوزت انكشافات المصارف التجارية السورية على لبنان 1.6 مليار دولار. ويعادل هذا المبلغ نحو ثلث إجمالي ودائع هذه المصارف، التي قدّرتها وكالة “رويترز” بنحو 4.9 مليارات دولار، استنادًا إلى التقارير المالية لعام 2024 للمصارف التجارية الأربعة عشر. وأوضح تقييم الحالة أن هذه النسبة لا تعني أن ثلث ودائع هذه المصارف موجود في لبنان.
وفي ما يتعلق بحجم الودائع السورية العالقة في لبنان، يشير التقييم إلى عدم وجود بيانات رسمية منشورة تفصل الودائع بحسب جنسيات أصحابها، الأمر الذي أدى إلى تفاوت كبير في التقديرات، حيث تتراوح التقديرات بين نحو 3 مليارات دولار، وفق رئيس لجنة الرقابة على المصارف السابق سمير حمود، و8 إلى 10 مليارات دولار وفق مصادر مصرفية لبنانية، فيما تصل تقديرات منسوبة إلى مصادر في النظام السوري السابق، إلى ما بين 20 و60 مليار دولار. ويعزو التقييم هذا التباين إلى اختلاف تعريف «الأموال السورية» والطرائق المعتمدة في احتسابها.
ويحدد التقييم ثلاثة تحديات أساسية أمام إعادة بناء العلاقة المالية بين البلدين. يتمثل التحدي الأول في متطلبات رسملة المصارف السورية المرتبطة بلبنان والمساهمين اللبنانيين فيها، وما تفرضه من خيارات صعبة بين دعم استثماراتهم في سورية ومعالجة أوضاعهم المالية في لبنان.
أما التحدي الثاني فيتعلق بتنظيم مستوى الانفتاح وشروط الترخيص والامتثال في سورية، في ظل منافسة متوقعة من مصارف خليجية تتمتع برسملة أكبر، الأمر الذي قد يزيد صعوبة المنافسة أمام المصارف اللبنانية. ويتمثل التحدي الثالث في عودة الطلب على الخدمات المصرفية وتحسن مستويات الدخل والائتمان داخل السوق السورية.
في المقابل، يرى تقييم الحالة أن مساعي سورية إلى إعادة بناء قطاعها المالي والانفتاح مجددًا على النظام المصرفي العالمي، تتيح للبنان فرصة لأداء دور مهم، من خلال نقل خبراته المهنية والتقنية في مجالات الامتثال وإدارة المخاطر وأنظمة الدفع والتمويل التجاري.
وفي هذا الإطار، برزت في آب/أغسطس 2026 مؤشرات على هذا الدور من خلال اختبار أول عملية دفع دولية عبر شبكة “فيزا” في سورية، بالتعاون مع فرنسبنك وشركة “بايميرا”. ويرى التقييم أن هذه الخطوة تعكس إمكانية مساهمة المؤسسات المصرفية اللبنانية في تطوير البنية المالية السورية وربطها بالشبكات المالية العالمية، مع ضرورة الالتزام بالمتطلبات الرقابية والاستفادة من الدروس التي أفرزتها الأزمة المصرفية اللبنانية.
في الختام، يشدد التقييم على أن معالجة ملف الودائع السورية في لبنان لا يمكن فصلها عن الأزمة المصرفية اللبنانية الأوسع، فيما يتعين على المصارف السورية الإفصاح عن خسائرها المرتبطة بلبنان ضمن ميزانياتها. وتخلص إلى أن التقارب السياسي بين البلدين يشكل عاملًا مهمًّا في تطوير العلاقات الثنائية، لكنه يحتاج إلى أطر مؤسسية واضحة لمعالجة الملفات العالقة، وتعزيز الحوكمة، واستعادة الثقة، بما يتيح بناء علاقة مالية ومصرفية أكثر استقرارًا وتوازنًا بين لبنان وسورية.









