بين اتهام عون بالتفرّد وفتح ملف الإصلاحات… هل من يتهرّب من استحقاق حصرية السلاح؟

لوحظ هذا الأسبوع عودة النقاش في الإصلاحات السياسية وفي قانون الانتخاب إلى الواجهة في مرحلة يعيش فيها لبنان واحدة من أدق محطاته السياسية والأمنية. فحين تتداخل المفاوضات الخارجية مع الصراع الداخلي على الصلاحيات، وتعود الأسئلة حول تطبيق اتفاق الطائف وبنية النظام، يصبح توقيت طرح الملفات بحد ذاته مادة للتحليل السياسي، وما إذا كان الهدف إعادة توزيع الاشتباك السياسي وتغيير جدول الأولويات وعلى رأسها قضية حصرية سلاح «حزب الله».
ففي السابع من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، أعاد رئيس مجلس النواب نبيه بري ونائبه الياس بو صعب تحريك ملف قانون الانتخاب، فيما برزت تساؤلات سياسية وإعلامية حول دوافع هذا التوقيت، في ظل استمرار المواجهة حول حصرية السلاح بيد الدولة.
وبحسب مصادر مطلعة لا يجوز أن تضيع مسألة حصرية السلاح في زحمة الملفات وفي لحظة يواجه فيها البلد استحقاقاً سيادياً لا يحتمل المزيد من التأجيل. ولا يمكن اختزال أزمة لبنان في قانون انتخاب أو في توازن الصلاحيات بين الرئاسات. فالمعضلة الأعمق تتصل بقدرة الدولة على امتلاك قرار الحرب والسلم، وبأن تكون المؤسسات الدستورية المرجعية الوحيدة للقرارات السيادية.
ومن هنا، يكتسب كلام رئيس الحكومة نواف سلام عن اتفاق الطائف دلالة خاصة. فقد شدد على «أن الطائف لم يفصل الإصلاح السياسي عن بسط سلطة الدولة وحصر القوة الشرعية بمؤسساتها»، معتبراً «أن السيادة تبقى ناقصة ما دامت قرارات الحرب والسلم والأمن الوطني تُتخذ خارج المؤسسات الدستورية».
غير أن السؤال لا يتعلق بما تقوله الحكومة فحسب، بل بما إذا كانت ستتمكن من تحويل هذه المبادئ إلى مسار تنفيذي واضح، بجدول زمني وآليات تطبيق وضمانات تحول دون بقاء حصرية السلاح شعاراً مؤجلاً. وهنا تبرز المخاوف من أن يتحول النقاش حول الإصلاحات الدستورية وقانون الانتخاب إلى مساحة جديدة للاشتباك السياسي، فيما تبقى القضية السيادية معلقة. فالإصلاح مطلوب، لكن لا ينبغي أن يصبح بديلاً من استعادة الدولة قرارها، ولا أن تتحول كثرة الملفات المفتوحة إلى وسيلة لتأجيل الملف الأكثر إلحاحاً.
وقد لوحظ في هذا الإطار، نوع من تقاطع سياسي بين رئيس الحكومة نواف سلام الذي أضاء على موضوع إلغاء الطائفية السياسية الوارد في اتفاق الطائف وبين رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أضاء على قانون الانتخاب، في وقت طرحت إطلالة الرئيس سلام عبر القناة التلفزيونية التي تتبع للرئيس بري علامات استفهام حول سبب اختيار هذه القناة للظهور الإعلامي وهل تمت بتخطيط مسبق لمخاطبة الجمهور الشيعي أم بشكل عفوي؟ وهل يُنظَر إلى هذه الإطلالة كمحاولة من سلام لاستمالة بري لمواجهة أي تهميش من قبل رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، أو للاستفادة من موقع بري لتسهيل الحوار مع «حزب الله»، أو لتأمين مظلة سياسية أوسع لحكومته بعد منح نواب كتلة «التنمية والتحرير» ثقتهم لها في آخر جلسة مناقشة.
حتى تاريخه، لا ترقى الإطلالة الإعلامية ولا زيارة مدينة النبطية إلى وجود تفاهم سياسي بين الرئيسين بري وسلام بل إلى تنسيق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. حيث أن رئيس الحكومة يحتاج إلى موقع رئيس المجلس المحوري في إدارة العمل التشريعي وفي شبكة التوازنات السياسية، وقد يلتقي الطرفان عند بعض المصالح، من دون أن يعني ذلك تطابقاً كاملاً في الرؤية أو الأهداف وخصوصاً السياسية، لو أن الرئيس سلام وجّه بعض الملاحظات أخيراً إلى «اتفاق الإطار».
من هنا، فإن القول إن سلام يتقرب من بري بهدف الحد من تفرد رئيس الجمهورية في بعض القرارات أو المفاوضات، فهو فرضية سياسية تحتاج إلى مؤشرات إضافية. فالتنسيق بين الرئاسات قد يكون جزءاً طبيعياً من إدارة الدولة، لكن تحوله إلى محور موازٍ للرئاسة أو إلى محاولة لتعديل موازين النفوذ أمر مختلف.
بالعودة إلى قانون الانتخاب، وعلى الرغم من الشوائب التي تعتريه في النظام النسبي وخصوصاً لناحية إمكانية فوز مرشح بمئات الأصوات على متن لائحة نالت أكثر من حاصل انتخابي، إلا أنه يبقى أفضل بكثير من قوانين انتخابية كانت توصف بـ«المحادل» لأنها كانت تضرب التمثيل الصحيح ولاسيما التمثيل المسيحي في العديد من الأقضية والمحافظات.
ومن المعروف أن قانون الانتخاب هو مدخل إلى تحديد الأحجام النيابية، وإعادة توزيع النفوذ، ورسم ملامح التوازنات السياسية والطائفية. وقد أدى تطبيق القانون الحالي إلى زيادة عدد نواب «القوات اللبنانية» وفوز نواب مسيحيين مستقلين بعدما كانت قوانين الانتخاب السابقة على النظام الأكثري تتسبب بخلل في التمثيل. لذلك، تتمسك «القوات» ومعها «التيار الوطني الحر» بمثل هذا القانون إلا في حال طرح قانون جديد يؤمن صحة تمثيل أفضل كالدوائر الصغرى. وتعتقد «القوات» أن فتح النقاش حول قانون الانتخاب قبل نزع سلاح «حزب الله» يطرح أسئلة مشروعة حول أهدافه وتوقيته.
والأمر نفسه ينطبق على الإصلاحات الدستورية. فلبنان لم يستكمل تطبيق جميع جوانب اتفاق الطائف، ومن بينها اللامركزية الإدارية الموسعة، ولا توجد معارضة أمام بحث موضوع الإصلاحات ولكن بعد نزع سلاح «الحزب».
يبقى الوقوف على موقع رئيس الجمهورية من هذه القضايا، في ظل رفض لاتهامه بالتفرد وهذا أمر يستوجب الاحتكام إلى الصلاحيات الدستورية لا إلى التأويلات السياسية. فرئيس الجمهورية ليس مطالباً بالتخلي عن دوره في القضايا المصيرية ولا سيما المفاوضات التي تمس سيادة لبنان ومستقبله، وإن ممارسته هذا الدور تنسجم مع الدستور والشراكة مع رئيس الحكومة. وإذا كان العماد جوزف عون رئيساً قوياً في نظر كثيرين ويمارس صلاحياته، إلا أنه بذلك لا ينتزع صلاحيات الآخرين بل على الأقل يستعيد الدور الرئاسي الذي أفقده هيبته رؤساء سابقون، وهذا ما دفع بالبطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير يطالب في ظل الوصاية السورية برئيس يعيد الهيبة إلى الرئاسة بعدما دأبت قيادات سياسية كثيرة إلى تهميش رئيس الجمهورية وتعطيل دوره.
بين اتهام عون بالتفرّد وفتح ملف الإصلاحات… هل من يتهرّب من استحقاق حصرية السلاح؟

لوحظ هذا الأسبوع عودة النقاش في الإصلاحات السياسية وفي قانون الانتخاب إلى الواجهة في مرحلة يعيش فيها لبنان واحدة من أدق محطاته السياسية والأمنية. فحين تتداخل المفاوضات الخارجية مع الصراع الداخلي على الصلاحيات، وتعود الأسئلة حول تطبيق اتفاق الطائف وبنية النظام، يصبح توقيت طرح الملفات بحد ذاته مادة للتحليل السياسي، وما إذا كان الهدف إعادة توزيع الاشتباك السياسي وتغيير جدول الأولويات وعلى رأسها قضية حصرية سلاح «حزب الله».
ففي السابع من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، أعاد رئيس مجلس النواب نبيه بري ونائبه الياس بو صعب تحريك ملف قانون الانتخاب، فيما برزت تساؤلات سياسية وإعلامية حول دوافع هذا التوقيت، في ظل استمرار المواجهة حول حصرية السلاح بيد الدولة.
وبحسب مصادر مطلعة لا يجوز أن تضيع مسألة حصرية السلاح في زحمة الملفات وفي لحظة يواجه فيها البلد استحقاقاً سيادياً لا يحتمل المزيد من التأجيل. ولا يمكن اختزال أزمة لبنان في قانون انتخاب أو في توازن الصلاحيات بين الرئاسات. فالمعضلة الأعمق تتصل بقدرة الدولة على امتلاك قرار الحرب والسلم، وبأن تكون المؤسسات الدستورية المرجعية الوحيدة للقرارات السيادية.
ومن هنا، يكتسب كلام رئيس الحكومة نواف سلام عن اتفاق الطائف دلالة خاصة. فقد شدد على «أن الطائف لم يفصل الإصلاح السياسي عن بسط سلطة الدولة وحصر القوة الشرعية بمؤسساتها»، معتبراً «أن السيادة تبقى ناقصة ما دامت قرارات الحرب والسلم والأمن الوطني تُتخذ خارج المؤسسات الدستورية».
غير أن السؤال لا يتعلق بما تقوله الحكومة فحسب، بل بما إذا كانت ستتمكن من تحويل هذه المبادئ إلى مسار تنفيذي واضح، بجدول زمني وآليات تطبيق وضمانات تحول دون بقاء حصرية السلاح شعاراً مؤجلاً. وهنا تبرز المخاوف من أن يتحول النقاش حول الإصلاحات الدستورية وقانون الانتخاب إلى مساحة جديدة للاشتباك السياسي، فيما تبقى القضية السيادية معلقة. فالإصلاح مطلوب، لكن لا ينبغي أن يصبح بديلاً من استعادة الدولة قرارها، ولا أن تتحول كثرة الملفات المفتوحة إلى وسيلة لتأجيل الملف الأكثر إلحاحاً.
وقد لوحظ في هذا الإطار، نوع من تقاطع سياسي بين رئيس الحكومة نواف سلام الذي أضاء على موضوع إلغاء الطائفية السياسية الوارد في اتفاق الطائف وبين رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أضاء على قانون الانتخاب، في وقت طرحت إطلالة الرئيس سلام عبر القناة التلفزيونية التي تتبع للرئيس بري علامات استفهام حول سبب اختيار هذه القناة للظهور الإعلامي وهل تمت بتخطيط مسبق لمخاطبة الجمهور الشيعي أم بشكل عفوي؟ وهل يُنظَر إلى هذه الإطلالة كمحاولة من سلام لاستمالة بري لمواجهة أي تهميش من قبل رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، أو للاستفادة من موقع بري لتسهيل الحوار مع «حزب الله»، أو لتأمين مظلة سياسية أوسع لحكومته بعد منح نواب كتلة «التنمية والتحرير» ثقتهم لها في آخر جلسة مناقشة.
حتى تاريخه، لا ترقى الإطلالة الإعلامية ولا زيارة مدينة النبطية إلى وجود تفاهم سياسي بين الرئيسين بري وسلام بل إلى تنسيق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. حيث أن رئيس الحكومة يحتاج إلى موقع رئيس المجلس المحوري في إدارة العمل التشريعي وفي شبكة التوازنات السياسية، وقد يلتقي الطرفان عند بعض المصالح، من دون أن يعني ذلك تطابقاً كاملاً في الرؤية أو الأهداف وخصوصاً السياسية، لو أن الرئيس سلام وجّه بعض الملاحظات أخيراً إلى «اتفاق الإطار».
من هنا، فإن القول إن سلام يتقرب من بري بهدف الحد من تفرد رئيس الجمهورية في بعض القرارات أو المفاوضات، فهو فرضية سياسية تحتاج إلى مؤشرات إضافية. فالتنسيق بين الرئاسات قد يكون جزءاً طبيعياً من إدارة الدولة، لكن تحوله إلى محور موازٍ للرئاسة أو إلى محاولة لتعديل موازين النفوذ أمر مختلف.
بالعودة إلى قانون الانتخاب، وعلى الرغم من الشوائب التي تعتريه في النظام النسبي وخصوصاً لناحية إمكانية فوز مرشح بمئات الأصوات على متن لائحة نالت أكثر من حاصل انتخابي، إلا أنه يبقى أفضل بكثير من قوانين انتخابية كانت توصف بـ«المحادل» لأنها كانت تضرب التمثيل الصحيح ولاسيما التمثيل المسيحي في العديد من الأقضية والمحافظات.
ومن المعروف أن قانون الانتخاب هو مدخل إلى تحديد الأحجام النيابية، وإعادة توزيع النفوذ، ورسم ملامح التوازنات السياسية والطائفية. وقد أدى تطبيق القانون الحالي إلى زيادة عدد نواب «القوات اللبنانية» وفوز نواب مسيحيين مستقلين بعدما كانت قوانين الانتخاب السابقة على النظام الأكثري تتسبب بخلل في التمثيل. لذلك، تتمسك «القوات» ومعها «التيار الوطني الحر» بمثل هذا القانون إلا في حال طرح قانون جديد يؤمن صحة تمثيل أفضل كالدوائر الصغرى. وتعتقد «القوات» أن فتح النقاش حول قانون الانتخاب قبل نزع سلاح «حزب الله» يطرح أسئلة مشروعة حول أهدافه وتوقيته.
والأمر نفسه ينطبق على الإصلاحات الدستورية. فلبنان لم يستكمل تطبيق جميع جوانب اتفاق الطائف، ومن بينها اللامركزية الإدارية الموسعة، ولا توجد معارضة أمام بحث موضوع الإصلاحات ولكن بعد نزع سلاح «الحزب».
يبقى الوقوف على موقع رئيس الجمهورية من هذه القضايا، في ظل رفض لاتهامه بالتفرد وهذا أمر يستوجب الاحتكام إلى الصلاحيات الدستورية لا إلى التأويلات السياسية. فرئيس الجمهورية ليس مطالباً بالتخلي عن دوره في القضايا المصيرية ولا سيما المفاوضات التي تمس سيادة لبنان ومستقبله، وإن ممارسته هذا الدور تنسجم مع الدستور والشراكة مع رئيس الحكومة. وإذا كان العماد جوزف عون رئيساً قوياً في نظر كثيرين ويمارس صلاحياته، إلا أنه بذلك لا ينتزع صلاحيات الآخرين بل على الأقل يستعيد الدور الرئاسي الذي أفقده هيبته رؤساء سابقون، وهذا ما دفع بالبطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير يطالب في ظل الوصاية السورية برئيس يعيد الهيبة إلى الرئاسة بعدما دأبت قيادات سياسية كثيرة إلى تهميش رئيس الجمهورية وتعطيل دوره.








