ترامب يفجر قنابله والمنطقة: السعودية تدرس استراتيجيتها

يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب المساهمة في اختلال الانتظام العالمي. يضرب الجميع بالجميع، وينتظرهم يعودون إليه. اختلال على وقع أجواء حرب جديدة تلفح الشرق الأوسط وقد تمتد إلى القرن الإفريقي. حالة الاستنفار ترتفع. الضربات تعنف وتتعمق خصوصاً في اليمن ومن قبل الحوثيين ضد المملكة العربية السعودية. وما تحت هذه الحرب مشاورات بين دول عديدة حول كيفية التعامل مع التطورات، قمة أوروبية خليجية منتظرة للبحث في كيفية توفير الملاحة في البحر الأحمر، لا يمكنها أن تنجح من دون موافقة الولايات المتحدة الأميركية التي لديها شروطها، بينما هي ماضية في تقويض أوروبا وآخر ما أقدم عليه ترامب هو الإعلان عن اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتزويد السوق الأميركية بالديزل ومنح روسيا استثناءات من العقوبات. لم يتأخر ترامب بمفاجآته ففجر قنبلة جديدة يقول فيها إنه حان الوقت لأوكرانيا أن تحصل على رئيس جديد، محملاً فولوديمير زيلينسكي مسؤولية استمرار استهداف منشآت الطاقة الروسية.
ترامب وتقاسم العالم
يعود ترامب إلى ما يحبه. تقاسم العالم بين أقوياء. الأقوياء بالنسبة إليه هم روسيا والصين. مع موسكو يتقدم المسار ويحمل أوكرانيا وأوروبا مسؤولية استمرار الحرب بينما من الواضح أنه يريد الوصول إلى إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية ولو كان ذلك على حساب أوكرانيا وأوروبا ككل. أوروبا التي يعتبرها تعارضه ولم تقف معه بينما هو يسعى إلى دعم “المحافظين واليمينيين فيها”. يسعى ترامب باتفاقه مع روسيا إلى تطويق إيران أيضاً أو بالحد الأدنى سحب جزء من الدعم الروسي لها. مع الصين عُقدت قمتان حتى الآن بين ترامب وتشي جينبينغ، تريد واشنطن من بكين الوصول إلى تفاهمات وتنظيم الصراع وعدم مواصلتها تقديم الدعم لإيران في مواجهة الولايات المتحدة، حتى الآن لم يظهر ما إذا كان ترامب قد قدم لبكين أي شيء يتعلق بتايوان.
الخليج وثمن المواجهة
على مستوى المنطقة، فإن حرب الخليج تعنف. يخرج ترامب ليعلن أنه يدرس إمكانية الانضمام إلى المملكة العربية السعودية في مواجهة الحوثيين الذين يستهدفون المرافق الحيوية والمدنية خصوصاً المطارات ومنشآت النفط. لكن بالنسبة إلى ترامب لكل شيء ثمن، وهو ربما يبحث عن الثمن إما بدفع السعودية ودول الخليج إلى الانضمام إليه في حربه على إيران، أو بالدفع باتجاه الاتفاقات الإبراهيمية، وهذا ما تنتظره إسرائيل أيضاً، من دون إغفال التشاور الإسرائيلي الأميركي المفتوح والمستمر لمقاربة الملف الإيراني ودراسة الخطوات والتشاور في إمكانية العودة إلى شن حرب واسعة يتم فيها استهداف منشآت حيوية ومحطات الطاقة والكهرباء.
تنقسم الآراء وتتنوع. ولكن لا شيء مع ترامب يمكن أن يحسم. مؤشرات عودة الحرب كثيرة، قد تمتد لأيام وقد تنزلق إلى حرب طويلة. لكنها إن اندلعت قد لا تبقى محصورة بساحة واحدة بل ستشمل المنطقة كلها، وما يُراد منها هو تغيير كل موازين القوى وتوازنات الدول ومواقفها حتى هذا إن نجحت الحرب في تحقيق أهدافها. تريد الولايات المتحدة من أي حرب أن تحقق النتائج السياسية والاقتصادية مسبقاً. وهذا ما تحاول فعله اليوم مع دول الخليج ومع الأوروبيين أيضاً.
ثمة من يعتبر أن ترامب لم يسارع لمساندة السعودية مع بدء الحرب ضد الحوثيين، لأسباب عديدة بعضها سابق وآخر مستقبلي. فهو بذلك ردّ على السعودية التي رفضت الانخراط إلى جانبه في حرب إيران، كما ردّ على اتفاق بكين الذي جرى توقيعه بين الرياض وطهران برعاية صينية، علماً أنه لم يُطبَّق ولم تلتزم به إيران مطلقاً. في هذا الاتفاق كان يُفترض أن تكون الصين هي الجهة الضامنة للالتزامات وهي التي تدفع إيران وحلفاءَها إلى عدم استهداف السعودية، لكن ذلك لم يتحقق، وهذا ما تدور حوله مراجعات كثيرة خصوصاً لجهة اعتبار البعض أن السعودية اقتربت كثيراً من الصين ولم تحقق النتائج المطلوبة، ويذهب تفكير البعض أبعد من ذلك إلى حد اعتبار أن واشنطن ترد بمفعول رجعي على انخراط الرياض في تحالف دول بريكس، وبعدم مراعاتها لمطالبة الولايات المتحدة برفع نسبة إنتاج النفط ضمن منظمة أوبك بلس، ولو كان ذلك أيام الرئيس السابق جو بايدن. وأحد الأسباب المهمة أيضاً هو دفع السعودية إلى اعتماد الخيار الإبراهيمي الذي يطالب به ترامب، وترفضه السعودية لتربطه بالدولة الفلسطينية. ما تريده أميركا واضح هو إدخال إسرائيل في شراكة كاملة مع دول المنطقة أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، وهذا ما ستبحثه واشنطن من ضمن أي مشاركة لها في اليمن.
عملياً، هذا هو مسار ترامب في التعامل مع كل الملفات، هي الآلية نفسها التي يعتمدها مع الأوروبيين بشأن حرب روسيا وأوكرانيا، أو بشأن ملف غرينلاند وغير ذلك الكثير. في حربه على إيران أو احتمال انضمامه إلى الحرب في اليمن، فإن ما يريده ترامب هو نتائج سياسية كبيرة من خلال إعادة تشكيل المنطقة مع إسرائيل، والأهم يبقى السيطرة على ممرات النفط من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر، بعدما سيطر على نفط فنزويلا.
لبنان بين أوروبا وواشنطن
للمفارقة أن أوروبا التي تتعرض للتقويض من قبل ترامب تطرح نفسها للعب دور أساسي في الخليج وفي لبنان، من خلال طرح تشكيل قوة أوروبية لتبقى منتشرة في الجنوب، ومن خلال إعداد برنامج تدريب تشرف عليه جيوش أوروبية للجيش اللبناني لأجل تدريبه وتعزيز قدراته والإشراف على سحب سلاح حزب الله. هذا الدور لا تزال واشنطن ترفضه بالكامل، وتريد حصر الملف اللبناني بها وبإسرائيل، كما أن أي قوة دولية سيتم نشرها في لبنان تريدها أميركا أن تكون خاضعة للشروط الأميركية والبرنامج الذي تطرحه واشنطن.
في كل الأحوال، فإن حسم الملفات لا بد أن ينتظر تجليات وتطورات الوضع في المنطقة، واحتمالات اندلاع حرب جديدة سواء كانت قبل الانتخابات أم بعدها. وعليه فإن لبنان كما المنطقة في حالة ترقب لما ستؤول إليه التطورات والأوضاع، وترقب لمآلات الحرب وإمكانية شمولها الساحة اللبنانية أو احتمال انخراط حزب الله فيها مجدداً. في هذا السياق فإن المزيد من رسائل التهديد تصل إلى لبنان بأنه في حال قرر حزب الله الانضمام إلى أي حرب إلى جانب إيران فإن الرد الإسرائيلي سيكون عنيفاً ويشتمل على فتح جبهات باتجاه مناطق جديدة وأنه سيحمل الدولة اللبنانية مسؤولية إطلاق أي صاروخ من قبل الحزب باتجاه المستوطنات الإسرائيلية لأنه بذلك تكون الدولة اللبنانية فشلت في مهمة سحب سلاح الحزب ومنعه من استخدام صواريخه كما فشلت في امتلاك قرار الحرب والسلم.
ترامب يفجر قنابله والمنطقة: السعودية تدرس استراتيجيتها

يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب المساهمة في اختلال الانتظام العالمي. يضرب الجميع بالجميع، وينتظرهم يعودون إليه. اختلال على وقع أجواء حرب جديدة تلفح الشرق الأوسط وقد تمتد إلى القرن الإفريقي. حالة الاستنفار ترتفع. الضربات تعنف وتتعمق خصوصاً في اليمن ومن قبل الحوثيين ضد المملكة العربية السعودية. وما تحت هذه الحرب مشاورات بين دول عديدة حول كيفية التعامل مع التطورات، قمة أوروبية خليجية منتظرة للبحث في كيفية توفير الملاحة في البحر الأحمر، لا يمكنها أن تنجح من دون موافقة الولايات المتحدة الأميركية التي لديها شروطها، بينما هي ماضية في تقويض أوروبا وآخر ما أقدم عليه ترامب هو الإعلان عن اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتزويد السوق الأميركية بالديزل ومنح روسيا استثناءات من العقوبات. لم يتأخر ترامب بمفاجآته ففجر قنبلة جديدة يقول فيها إنه حان الوقت لأوكرانيا أن تحصل على رئيس جديد، محملاً فولوديمير زيلينسكي مسؤولية استمرار استهداف منشآت الطاقة الروسية.
ترامب وتقاسم العالم
يعود ترامب إلى ما يحبه. تقاسم العالم بين أقوياء. الأقوياء بالنسبة إليه هم روسيا والصين. مع موسكو يتقدم المسار ويحمل أوكرانيا وأوروبا مسؤولية استمرار الحرب بينما من الواضح أنه يريد الوصول إلى إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية ولو كان ذلك على حساب أوكرانيا وأوروبا ككل. أوروبا التي يعتبرها تعارضه ولم تقف معه بينما هو يسعى إلى دعم “المحافظين واليمينيين فيها”. يسعى ترامب باتفاقه مع روسيا إلى تطويق إيران أيضاً أو بالحد الأدنى سحب جزء من الدعم الروسي لها. مع الصين عُقدت قمتان حتى الآن بين ترامب وتشي جينبينغ، تريد واشنطن من بكين الوصول إلى تفاهمات وتنظيم الصراع وعدم مواصلتها تقديم الدعم لإيران في مواجهة الولايات المتحدة، حتى الآن لم يظهر ما إذا كان ترامب قد قدم لبكين أي شيء يتعلق بتايوان.
الخليج وثمن المواجهة
على مستوى المنطقة، فإن حرب الخليج تعنف. يخرج ترامب ليعلن أنه يدرس إمكانية الانضمام إلى المملكة العربية السعودية في مواجهة الحوثيين الذين يستهدفون المرافق الحيوية والمدنية خصوصاً المطارات ومنشآت النفط. لكن بالنسبة إلى ترامب لكل شيء ثمن، وهو ربما يبحث عن الثمن إما بدفع السعودية ودول الخليج إلى الانضمام إليه في حربه على إيران، أو بالدفع باتجاه الاتفاقات الإبراهيمية، وهذا ما تنتظره إسرائيل أيضاً، من دون إغفال التشاور الإسرائيلي الأميركي المفتوح والمستمر لمقاربة الملف الإيراني ودراسة الخطوات والتشاور في إمكانية العودة إلى شن حرب واسعة يتم فيها استهداف منشآت حيوية ومحطات الطاقة والكهرباء.
تنقسم الآراء وتتنوع. ولكن لا شيء مع ترامب يمكن أن يحسم. مؤشرات عودة الحرب كثيرة، قد تمتد لأيام وقد تنزلق إلى حرب طويلة. لكنها إن اندلعت قد لا تبقى محصورة بساحة واحدة بل ستشمل المنطقة كلها، وما يُراد منها هو تغيير كل موازين القوى وتوازنات الدول ومواقفها حتى هذا إن نجحت الحرب في تحقيق أهدافها. تريد الولايات المتحدة من أي حرب أن تحقق النتائج السياسية والاقتصادية مسبقاً. وهذا ما تحاول فعله اليوم مع دول الخليج ومع الأوروبيين أيضاً.
ثمة من يعتبر أن ترامب لم يسارع لمساندة السعودية مع بدء الحرب ضد الحوثيين، لأسباب عديدة بعضها سابق وآخر مستقبلي. فهو بذلك ردّ على السعودية التي رفضت الانخراط إلى جانبه في حرب إيران، كما ردّ على اتفاق بكين الذي جرى توقيعه بين الرياض وطهران برعاية صينية، علماً أنه لم يُطبَّق ولم تلتزم به إيران مطلقاً. في هذا الاتفاق كان يُفترض أن تكون الصين هي الجهة الضامنة للالتزامات وهي التي تدفع إيران وحلفاءَها إلى عدم استهداف السعودية، لكن ذلك لم يتحقق، وهذا ما تدور حوله مراجعات كثيرة خصوصاً لجهة اعتبار البعض أن السعودية اقتربت كثيراً من الصين ولم تحقق النتائج المطلوبة، ويذهب تفكير البعض أبعد من ذلك إلى حد اعتبار أن واشنطن ترد بمفعول رجعي على انخراط الرياض في تحالف دول بريكس، وبعدم مراعاتها لمطالبة الولايات المتحدة برفع نسبة إنتاج النفط ضمن منظمة أوبك بلس، ولو كان ذلك أيام الرئيس السابق جو بايدن. وأحد الأسباب المهمة أيضاً هو دفع السعودية إلى اعتماد الخيار الإبراهيمي الذي يطالب به ترامب، وترفضه السعودية لتربطه بالدولة الفلسطينية. ما تريده أميركا واضح هو إدخال إسرائيل في شراكة كاملة مع دول المنطقة أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، وهذا ما ستبحثه واشنطن من ضمن أي مشاركة لها في اليمن.
عملياً، هذا هو مسار ترامب في التعامل مع كل الملفات، هي الآلية نفسها التي يعتمدها مع الأوروبيين بشأن حرب روسيا وأوكرانيا، أو بشأن ملف غرينلاند وغير ذلك الكثير. في حربه على إيران أو احتمال انضمامه إلى الحرب في اليمن، فإن ما يريده ترامب هو نتائج سياسية كبيرة من خلال إعادة تشكيل المنطقة مع إسرائيل، والأهم يبقى السيطرة على ممرات النفط من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر، بعدما سيطر على نفط فنزويلا.
لبنان بين أوروبا وواشنطن
للمفارقة أن أوروبا التي تتعرض للتقويض من قبل ترامب تطرح نفسها للعب دور أساسي في الخليج وفي لبنان، من خلال طرح تشكيل قوة أوروبية لتبقى منتشرة في الجنوب، ومن خلال إعداد برنامج تدريب تشرف عليه جيوش أوروبية للجيش اللبناني لأجل تدريبه وتعزيز قدراته والإشراف على سحب سلاح حزب الله. هذا الدور لا تزال واشنطن ترفضه بالكامل، وتريد حصر الملف اللبناني بها وبإسرائيل، كما أن أي قوة دولية سيتم نشرها في لبنان تريدها أميركا أن تكون خاضعة للشروط الأميركية والبرنامج الذي تطرحه واشنطن.
في كل الأحوال، فإن حسم الملفات لا بد أن ينتظر تجليات وتطورات الوضع في المنطقة، واحتمالات اندلاع حرب جديدة سواء كانت قبل الانتخابات أم بعدها. وعليه فإن لبنان كما المنطقة في حالة ترقب لما ستؤول إليه التطورات والأوضاع، وترقب لمآلات الحرب وإمكانية شمولها الساحة اللبنانية أو احتمال انخراط حزب الله فيها مجدداً. في هذا السياق فإن المزيد من رسائل التهديد تصل إلى لبنان بأنه في حال قرر حزب الله الانضمام إلى أي حرب إلى جانب إيران فإن الرد الإسرائيلي سيكون عنيفاً ويشتمل على فتح جبهات باتجاه مناطق جديدة وأنه سيحمل الدولة اللبنانية مسؤولية إطلاق أي صاروخ من قبل الحزب باتجاه المستوطنات الإسرائيلية لأنه بذلك تكون الدولة اللبنانية فشلت في مهمة سحب سلاح الحزب ومنعه من استخدام صواريخه كما فشلت في امتلاك قرار الحرب والسلم.









