ماذا بقي من ذكرى 13 تشرين سوى الجرح العميق في قلوب أهالي الشهداء؟…

الكاتب: صونيا رزق | المصدر: هنا لبنان
13 تشرين الأول 2026

أنا عسكري قمت بواجبي والعسكري لا خيار لديه وإلا يكون قد هرب أو انكفأ، لكنّي أندم على استثمارهم لدمائنا سياسيًا واستعمالنا في الصراع الماروني على السلطة، خصوصًا أن البعض زحف عند السوريين ولم يوجّه لهم أي سؤال عن العسكريين.

بعد مضيّ ستة وثلاثين عامًا على نكسة 13 تشرين 1990 لا بدّ لنا أن نشير إلى المقولة الشهيرة للشاعر محمود درويش التي تلخّص لنا نتيجة ما جرى في ذلك اليوم المشؤوم: “ستنتهي الحرب ويتصافح القادة، وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب، وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل، لا أعلم مَن باع الوطن، ولكنني رأيت مَن دفع الثمن”.

إنّها الحرب التي دفع ثمنها أبطال من الجيش اللبناني بعيدًا عن حسابات واتفاقيات القادة ومَن تسبّب بها، وتبجّح بانتصاراته الوهمية التي لم تكن سوى سراب وبطولات كلامية جفّ حبرها سريعًا وصدّقها الأغبياء فقط.

هو تاريخ حزين بالتأكيد والأفضل أن يكون يوم صلاة وليس يوم احتفال، لأنه لم يكن انتصارًا بل هزيمة مدوّية…

يوم انقلبت فيه كل المقاييس

ستة وثلاثون عامًا على تلك المعركة بين العماد ميشال عون الذي كان يترأس حينها الحكومة الانتقالية والجيش السوري، يعود بنا التاريخ إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي قلب الأوضاع رأسًا على عقب، فانقلبت معه المقاييس وكل أساليب المنطق فنضطر إلى السؤال حول الجدوى من العودة بالذاكرة إلى ذلك اليوم الذي استُجدّت فيه أوضاع لم تكن في الحسبان، فبعد كل الذي جرى ماذا بقي من تلك الذكرى سوى التمنيات بأن تكون هذه المناسبة اليوم وقفة إجلال، من أجل كل الشهداء العسكريين الذين سقطوا دفاعًا عن لبنان، ودفعوا مع العديد من المدنيين الأثمان الباهظة.

وعود بالاستبسال المزيّف!

انطلاقًا من هنا نسأل كيف يحيي مَن تسبّب بهذه الهزيمة ذكرى ذلك اليوم بالتباهي بالدفاع عن الشرعية كما يقول؟، وما الجدوى من استذكار ذلك اليوم المهين لشخصٍ وعد بالبقاء في لبنان حتى الرمق الأخير وبالاستبسال المزيّف، فيما سطّر أبطال الجيش اللبناني الملاحم فسقط العديد منهم شهداء وجرحى ومعاقين ضمن معارك ضارية بين بعبدا والحدث وبسوس وضهر الوحش ودير القلعة في بيت مري وغيرها من المناطق، فإذا بتلك الذكرى غائبة لدى المعنيين بها لأنهم لا يستحقّون تضحياتها، وموجودة فقط في أذهان أهالي الشهداء.

الثالث عشر من تشرين 1990 كان شاهدًا فقط على ما سجّله شهداء الجيش برفضهم الانحناء والاستسلام، فقاوموا بشراسة واستشهدوا حاملين معهم رايات الكرامة، لذا فليكن هذا التاريخ يوم وفاء يليق بمَن قاوم وتصدّى لجيش الاحتلال السوري.

العميد نادر: لم يتجرّأ أحد على المطالبة برفات الشهداء

وللإضاءة أكثر على مجريات تلك المعركة، يقول العميد المتقاعد جورج نادر الذي أُصيب إصابةً بليغة في ذلك اليوم لـ”هنا لبنان”: “البعض يعتبر أننا نعطي الأهمية الأكبر لذكرى 13 تشرين ونتحدث دائمًا عن شهداء تلك المعركة، في حين أنّ كل شهداء الجيش يعنون لنا الكثير من الشهيد الأول محمد زغيب الذي سقط في المالكية حتى آخر شهيد للجيش في الجنوب، لهم كل الاحترام والقيمة الأخلاقية والعسكرية والوطنية”.

وأشار إلى أنّ ذكرى 13 تشرين حملت معها الاستثمار السياسي والانتصار المزيّف لدى البعض، في حين أنّها أكبر هزيمة لنا في التاريخ، فالبعض يحتفل بالنصر ويقيم الاحتفالات فيما الحقيقة مغايرة تمامًا، لدينا 125 عسكريًا سقطوا شهداء في المعركة من ضمنهم 6 ضباط، و33 عسكريًا يُعتبرون من المفقودين بينهم 4 ضباط، ومنذ ذلك الحين لم يتجرّأ أحد على المطالبة بهم لدى حافظ وبشار الأسد، وانطلاقًا من هنا أذكّر هؤلاء بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن في العام 2019 عن استعادة رفات زخاريا باومل بعملية استخباراتية، شاركت فيها روسيا وجرى استخراج الجثة من مخيم اليرموك في سوريا، كما أعلن عن استعادة رفات تسفيكا فيلدمان في أيار 2025 في عملية عسكرية واستخباراتية خاصة، نفّذها الجيش الإسرائيلي والموساد في العمق السوري، كذلك استُعيدت رفات يهودا كاتس في آب 2025 بعد سلسلة عمليات أمنية استمرت لأكثر من 4 عقود، لكن لم تستعد إسرائيل جثة الطيّار رون أراد وما زال مصير رفاته مجهولًا، مع العلم أنّ قضيته شهدت محاولات عديدة من ضمنها عملية إنزال جوّي في آذار الماضي في بلدة النبي شيت البقاعية، استهدفت القوة مقبرة في البلدة وقامت بنبشها للاشتباه بوجود رفاته فيها، لكن العملية فشلت في العثور على أي أثر أو أدلة تتعلق بالطيّار.

المسؤول عن سقوط الشهداء ما زال يتباهى بالنصر

وتابع العميد نادر: “هذه دولة تحترم تضحيات عسكرييها فيما عندنا لا يتجرّأ أحد في الحديث عنهم، واصفًا ذلك بالمُخجل والمُعيب، إذ لا أحد يشعر بأسى هذه القضية سوى مَن عاشها ودفع أثمانها، فنحن مَن أغمضنا عيون رفاقنا الشهداء وأخذناهم إلى المستشفيات، وأكثر ما يؤلمنا حين نلتقي بأمهاتهم وأهلهم أننا نشعر بالأسى الشديد حين نسأل عن الحقيقة ولا أحد يجيبنا، فأين دُفنوا وماذا حلّ بالمفقودين في سوريا؟، الكل يعرف الحقيقة ولا ينطق بها، وأين المسؤول عن كل هؤلاء الشهداء والمفقودين الذي ما زال يتباهى لغاية اليوم بالانتصارات الكاذبة؟”.

استثمار سياسي لدماء العسكريين

وردًّا على سؤال حول مدى وجود ندم لدى العميد نادر لأنه شارك في معركة 13 تشرين، أجاب: “بالتأكيد لا أندم فأنا عسكري قمت بواجبي والعسكري لا خيار لديه وإلا يكون قد هرب أو انكفأ، لكنّي أندم على استثمارهم لدمائنا سياسيًا واستعمالنا في الصراع الماروني على السلطة، خصوصًا أن البعض زحف عند السوريين ولم يوجّه لهم أي سؤال عن العسكريين، وليسامح الله كل مَن تسبّب في إراقة نقطة دماء من كل عسكري”.
وختم نادر: “نقيم كعسكريين متقاعدين عند السادسة من مساء اليوم الثلاثاء قداسًا لراحة أنفس شهداء 13 تشرين في كنيسة الصعود – الضبية”.

ماذا بقي من ذكرى 13 تشرين سوى الجرح العميق في قلوب أهالي الشهداء؟…

الكاتب: صونيا رزق | المصدر: هنا لبنان
13 تشرين الأول 2026

أنا عسكري قمت بواجبي والعسكري لا خيار لديه وإلا يكون قد هرب أو انكفأ، لكنّي أندم على استثمارهم لدمائنا سياسيًا واستعمالنا في الصراع الماروني على السلطة، خصوصًا أن البعض زحف عند السوريين ولم يوجّه لهم أي سؤال عن العسكريين.

بعد مضيّ ستة وثلاثين عامًا على نكسة 13 تشرين 1990 لا بدّ لنا أن نشير إلى المقولة الشهيرة للشاعر محمود درويش التي تلخّص لنا نتيجة ما جرى في ذلك اليوم المشؤوم: “ستنتهي الحرب ويتصافح القادة، وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب، وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل، لا أعلم مَن باع الوطن، ولكنني رأيت مَن دفع الثمن”.

إنّها الحرب التي دفع ثمنها أبطال من الجيش اللبناني بعيدًا عن حسابات واتفاقيات القادة ومَن تسبّب بها، وتبجّح بانتصاراته الوهمية التي لم تكن سوى سراب وبطولات كلامية جفّ حبرها سريعًا وصدّقها الأغبياء فقط.

هو تاريخ حزين بالتأكيد والأفضل أن يكون يوم صلاة وليس يوم احتفال، لأنه لم يكن انتصارًا بل هزيمة مدوّية…

يوم انقلبت فيه كل المقاييس

ستة وثلاثون عامًا على تلك المعركة بين العماد ميشال عون الذي كان يترأس حينها الحكومة الانتقالية والجيش السوري، يعود بنا التاريخ إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي قلب الأوضاع رأسًا على عقب، فانقلبت معه المقاييس وكل أساليب المنطق فنضطر إلى السؤال حول الجدوى من العودة بالذاكرة إلى ذلك اليوم الذي استُجدّت فيه أوضاع لم تكن في الحسبان، فبعد كل الذي جرى ماذا بقي من تلك الذكرى سوى التمنيات بأن تكون هذه المناسبة اليوم وقفة إجلال، من أجل كل الشهداء العسكريين الذين سقطوا دفاعًا عن لبنان، ودفعوا مع العديد من المدنيين الأثمان الباهظة.

وعود بالاستبسال المزيّف!

انطلاقًا من هنا نسأل كيف يحيي مَن تسبّب بهذه الهزيمة ذكرى ذلك اليوم بالتباهي بالدفاع عن الشرعية كما يقول؟، وما الجدوى من استذكار ذلك اليوم المهين لشخصٍ وعد بالبقاء في لبنان حتى الرمق الأخير وبالاستبسال المزيّف، فيما سطّر أبطال الجيش اللبناني الملاحم فسقط العديد منهم شهداء وجرحى ومعاقين ضمن معارك ضارية بين بعبدا والحدث وبسوس وضهر الوحش ودير القلعة في بيت مري وغيرها من المناطق، فإذا بتلك الذكرى غائبة لدى المعنيين بها لأنهم لا يستحقّون تضحياتها، وموجودة فقط في أذهان أهالي الشهداء.

الثالث عشر من تشرين 1990 كان شاهدًا فقط على ما سجّله شهداء الجيش برفضهم الانحناء والاستسلام، فقاوموا بشراسة واستشهدوا حاملين معهم رايات الكرامة، لذا فليكن هذا التاريخ يوم وفاء يليق بمَن قاوم وتصدّى لجيش الاحتلال السوري.

العميد نادر: لم يتجرّأ أحد على المطالبة برفات الشهداء

وللإضاءة أكثر على مجريات تلك المعركة، يقول العميد المتقاعد جورج نادر الذي أُصيب إصابةً بليغة في ذلك اليوم لـ”هنا لبنان”: “البعض يعتبر أننا نعطي الأهمية الأكبر لذكرى 13 تشرين ونتحدث دائمًا عن شهداء تلك المعركة، في حين أنّ كل شهداء الجيش يعنون لنا الكثير من الشهيد الأول محمد زغيب الذي سقط في المالكية حتى آخر شهيد للجيش في الجنوب، لهم كل الاحترام والقيمة الأخلاقية والعسكرية والوطنية”.

وأشار إلى أنّ ذكرى 13 تشرين حملت معها الاستثمار السياسي والانتصار المزيّف لدى البعض، في حين أنّها أكبر هزيمة لنا في التاريخ، فالبعض يحتفل بالنصر ويقيم الاحتفالات فيما الحقيقة مغايرة تمامًا، لدينا 125 عسكريًا سقطوا شهداء في المعركة من ضمنهم 6 ضباط، و33 عسكريًا يُعتبرون من المفقودين بينهم 4 ضباط، ومنذ ذلك الحين لم يتجرّأ أحد على المطالبة بهم لدى حافظ وبشار الأسد، وانطلاقًا من هنا أذكّر هؤلاء بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن في العام 2019 عن استعادة رفات زخاريا باومل بعملية استخباراتية، شاركت فيها روسيا وجرى استخراج الجثة من مخيم اليرموك في سوريا، كما أعلن عن استعادة رفات تسفيكا فيلدمان في أيار 2025 في عملية عسكرية واستخباراتية خاصة، نفّذها الجيش الإسرائيلي والموساد في العمق السوري، كذلك استُعيدت رفات يهودا كاتس في آب 2025 بعد سلسلة عمليات أمنية استمرت لأكثر من 4 عقود، لكن لم تستعد إسرائيل جثة الطيّار رون أراد وما زال مصير رفاته مجهولًا، مع العلم أنّ قضيته شهدت محاولات عديدة من ضمنها عملية إنزال جوّي في آذار الماضي في بلدة النبي شيت البقاعية، استهدفت القوة مقبرة في البلدة وقامت بنبشها للاشتباه بوجود رفاته فيها، لكن العملية فشلت في العثور على أي أثر أو أدلة تتعلق بالطيّار.

المسؤول عن سقوط الشهداء ما زال يتباهى بالنصر

وتابع العميد نادر: “هذه دولة تحترم تضحيات عسكرييها فيما عندنا لا يتجرّأ أحد في الحديث عنهم، واصفًا ذلك بالمُخجل والمُعيب، إذ لا أحد يشعر بأسى هذه القضية سوى مَن عاشها ودفع أثمانها، فنحن مَن أغمضنا عيون رفاقنا الشهداء وأخذناهم إلى المستشفيات، وأكثر ما يؤلمنا حين نلتقي بأمهاتهم وأهلهم أننا نشعر بالأسى الشديد حين نسأل عن الحقيقة ولا أحد يجيبنا، فأين دُفنوا وماذا حلّ بالمفقودين في سوريا؟، الكل يعرف الحقيقة ولا ينطق بها، وأين المسؤول عن كل هؤلاء الشهداء والمفقودين الذي ما زال يتباهى لغاية اليوم بالانتصارات الكاذبة؟”.

استثمار سياسي لدماء العسكريين

وردًّا على سؤال حول مدى وجود ندم لدى العميد نادر لأنه شارك في معركة 13 تشرين، أجاب: “بالتأكيد لا أندم فأنا عسكري قمت بواجبي والعسكري لا خيار لديه وإلا يكون قد هرب أو انكفأ، لكنّي أندم على استثمارهم لدمائنا سياسيًا واستعمالنا في الصراع الماروني على السلطة، خصوصًا أن البعض زحف عند السوريين ولم يوجّه لهم أي سؤال عن العسكريين، وليسامح الله كل مَن تسبّب في إراقة نقطة دماء من كل عسكري”.
وختم نادر: “نقيم كعسكريين متقاعدين عند السادسة من مساء اليوم الثلاثاء قداسًا لراحة أنفس شهداء 13 تشرين في كنيسة الصعود – الضبية”.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار