“انزلاق” ضهر البيدر: سلام يخشى الـ”C-4″؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
13 تشرين الأول 2026

​واضح أنّ شحنة المتفجرات التي ضبطتها القوى الأمنية على حاجز ضهر البيدر، تتجاوز كونها صيداً أمنياً روتينياً. إنّها لغز أمني لا بدّ أن تتكشف حيثياته في الأيام المقبلة. لكنه في أي حال، يُبرز عمق الهوة بين الدولة والقوى الداعمة لها من جهة و»حزب الله» من جهة أخرى. والأنكى أنّها نبشت من أعماق الذاكرة الجمعية اللبنانية أشباح مرحلة الاغتيالات السياسية الشديدة الحساسية.

بكثير من الاهتمام، يتابع المعنيون بالأمن قيام عنصرين من «حزب الله» بنقل مئات الكيلوغرامات من المتفجرات، بينها مادة الـ«C-4» شديدة الانفجار، المادة الحصرية في «هندسة الاغتيالات» في تاريخ لبنان المعاصر، عبر شريان حيوي يربط البقاع ببيروت الكبرى. وكذلك، تفاقمت المخاوف بضبط 200 كلغ أخرى في القصر- الهرمل. وهذا القلق هو الذي دفع رئيس الحكومة نواف سلام إلى إطلاق موقفه الناري في هذه المسألة، ما يثير الخشية من أن يكون البلد على وشك الوقوع مجدداً في منطقة تماس أمني غير مسبوق، توازياً مع حال الانسداد السياسي بين قوى الداخل.

​الموقف الصادر عن سلام لم يأتِ من فراغ. فحديثه الصريح عن استرجاع ذاكرة الـ«C-4» واقترانها بالتاريخ «السيئ الذكر» للاغتيالات السياسية، يحمل إقراراً رسمياً نادراً بوجود خطر داهم يستهدف استقرار البلد. وهو فوبيا رسمية جديّة من عودة سيناريو التصفيات السياسية. فالرجل يدرك تماماً أنّ البلد الذي يعيش تحدّيات إعادة رسم الخريطة انطلاقاً من حدوده الجنوبية، ومأزق تفكيك ترسانات السلاح، ربما دخل في لحظاته الحرجة، وبات مرشحاً مجدداً لإعادة تشكيل المشهد بالدم.

​وإثارة سلام لملف الاغتيالات، في هذا التوقيت، يفتح القائمة على مصراعيها: من هم المستهدفون المحتملون… إذا كان صحيحاً الكلام على وجود نية لتنفيذ عمليات أمنية؟ هل هي القيادات الرسمية والسياسية التي تتبنّى خيار بسط سيادة الدولة وجمع السلاح وتطبيق القرارات الدولية بلا مواربة؟ هل هي ال​شخصيات الأمنية التي تتولّى إدارة الملفات الحساسة وتطبّق قرارات مصادرة السلاح غير الشرعي وحظر نقله؟ أم القضاة والشخصيات الذين يشكّلون رأس الحربة في مواجهة السلاح؟

في أي حال، ​يمثل موقف سلام، مشحوناً بمجموعة رسائل مشفّرة ومتعددة العناوين، فرضتها لحظة المكاشفة الأمنية:

ـ أولاً، هي رسالة تذكير صريحة للأميركيين، بأنّ الدولة اللبنانية ومؤسساتها المخترقة سياسياً، تخوض معركة وجودية حقيقية على الأرض. والهدف هو إفهام الإدارة الأميركية أنّ الضغط المكثف بملف «تفكيك السلاح» من دون توفير غطاء أمني وسياسي وحماية هيكلية للشرعية، قد يؤدي إلى انهيار ما تبقّى من الهيكل قبل تحقيق الأهداف المطلوبة.

ـ ثانياً، هي رسالة غير مباشرة إلى القوى العربية، والخليجية خصوصاً، لتلقّي الدعم السياسي والأمني، والتأكيد أنّ الحكومة لا تغطي السلاح غير الشرعي بل تصطدم به ميدانياً. فإبقاء لبنان أعزلَ في هذه اللحظة الحساسة، يتركه لقمة سائغة في مهبّ الفوضى والمخططات الأمنية.

ـ ثالثاً، هي إشارة واضحة إلى طهران، مفادها أنّ قواعد اللعبة القديمة المرتكزة إلى «التعايش الإجباري» بين السلاح والدولة قد انتهت، وأنّ الانكشاف الأمني والعسكري لم يعد قابلاً للتغطية بـ«بيانات إنشائية». والرسالة هنا تؤكّد أنّ استمرار نقل المتفجرات وتحريك الشبكات الأمنية الحليفة لإيران، سيضعها في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع مؤسسات الدولة اللبنانية.

في الخلاصة، إلى أين تتّجه المواجهة مع ​الدولة و«حزب الله»؟ فحادثة ضهر البيدر وما تلاها من حزم حكومي، وضعا البلد أمام منزلق خطر، وخطين متوازيين لا يلتقيان. وهذا التصادم لا يقف عند حدود السجال السياسي، بل يدفع بالبلد نحو لحظة الحقيقة: إما أن تنجح الدولة في فرض منطق المؤسسات وحظر حركة السلاح غير الشرعي كشرط لبقائها، وإما أن ينزلق البلد إلى مواجهة داخلية، تارةً عبر التفجيرات والرسائل الأمنية، وتارةً أخرى عبر خطوط تماس ميدانية وسياسية، قد تقضي على مرجعية الدولة بكاملها.

“انزلاق” ضهر البيدر: سلام يخشى الـ”C-4″؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
13 تشرين الأول 2026

​واضح أنّ شحنة المتفجرات التي ضبطتها القوى الأمنية على حاجز ضهر البيدر، تتجاوز كونها صيداً أمنياً روتينياً. إنّها لغز أمني لا بدّ أن تتكشف حيثياته في الأيام المقبلة. لكنه في أي حال، يُبرز عمق الهوة بين الدولة والقوى الداعمة لها من جهة و»حزب الله» من جهة أخرى. والأنكى أنّها نبشت من أعماق الذاكرة الجمعية اللبنانية أشباح مرحلة الاغتيالات السياسية الشديدة الحساسية.

بكثير من الاهتمام، يتابع المعنيون بالأمن قيام عنصرين من «حزب الله» بنقل مئات الكيلوغرامات من المتفجرات، بينها مادة الـ«C-4» شديدة الانفجار، المادة الحصرية في «هندسة الاغتيالات» في تاريخ لبنان المعاصر، عبر شريان حيوي يربط البقاع ببيروت الكبرى. وكذلك، تفاقمت المخاوف بضبط 200 كلغ أخرى في القصر- الهرمل. وهذا القلق هو الذي دفع رئيس الحكومة نواف سلام إلى إطلاق موقفه الناري في هذه المسألة، ما يثير الخشية من أن يكون البلد على وشك الوقوع مجدداً في منطقة تماس أمني غير مسبوق، توازياً مع حال الانسداد السياسي بين قوى الداخل.

​الموقف الصادر عن سلام لم يأتِ من فراغ. فحديثه الصريح عن استرجاع ذاكرة الـ«C-4» واقترانها بالتاريخ «السيئ الذكر» للاغتيالات السياسية، يحمل إقراراً رسمياً نادراً بوجود خطر داهم يستهدف استقرار البلد. وهو فوبيا رسمية جديّة من عودة سيناريو التصفيات السياسية. فالرجل يدرك تماماً أنّ البلد الذي يعيش تحدّيات إعادة رسم الخريطة انطلاقاً من حدوده الجنوبية، ومأزق تفكيك ترسانات السلاح، ربما دخل في لحظاته الحرجة، وبات مرشحاً مجدداً لإعادة تشكيل المشهد بالدم.

​وإثارة سلام لملف الاغتيالات، في هذا التوقيت، يفتح القائمة على مصراعيها: من هم المستهدفون المحتملون… إذا كان صحيحاً الكلام على وجود نية لتنفيذ عمليات أمنية؟ هل هي القيادات الرسمية والسياسية التي تتبنّى خيار بسط سيادة الدولة وجمع السلاح وتطبيق القرارات الدولية بلا مواربة؟ هل هي ال​شخصيات الأمنية التي تتولّى إدارة الملفات الحساسة وتطبّق قرارات مصادرة السلاح غير الشرعي وحظر نقله؟ أم القضاة والشخصيات الذين يشكّلون رأس الحربة في مواجهة السلاح؟

في أي حال، ​يمثل موقف سلام، مشحوناً بمجموعة رسائل مشفّرة ومتعددة العناوين، فرضتها لحظة المكاشفة الأمنية:

ـ أولاً، هي رسالة تذكير صريحة للأميركيين، بأنّ الدولة اللبنانية ومؤسساتها المخترقة سياسياً، تخوض معركة وجودية حقيقية على الأرض. والهدف هو إفهام الإدارة الأميركية أنّ الضغط المكثف بملف «تفكيك السلاح» من دون توفير غطاء أمني وسياسي وحماية هيكلية للشرعية، قد يؤدي إلى انهيار ما تبقّى من الهيكل قبل تحقيق الأهداف المطلوبة.

ـ ثانياً، هي رسالة غير مباشرة إلى القوى العربية، والخليجية خصوصاً، لتلقّي الدعم السياسي والأمني، والتأكيد أنّ الحكومة لا تغطي السلاح غير الشرعي بل تصطدم به ميدانياً. فإبقاء لبنان أعزلَ في هذه اللحظة الحساسة، يتركه لقمة سائغة في مهبّ الفوضى والمخططات الأمنية.

ـ ثالثاً، هي إشارة واضحة إلى طهران، مفادها أنّ قواعد اللعبة القديمة المرتكزة إلى «التعايش الإجباري» بين السلاح والدولة قد انتهت، وأنّ الانكشاف الأمني والعسكري لم يعد قابلاً للتغطية بـ«بيانات إنشائية». والرسالة هنا تؤكّد أنّ استمرار نقل المتفجرات وتحريك الشبكات الأمنية الحليفة لإيران، سيضعها في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع مؤسسات الدولة اللبنانية.

في الخلاصة، إلى أين تتّجه المواجهة مع ​الدولة و«حزب الله»؟ فحادثة ضهر البيدر وما تلاها من حزم حكومي، وضعا البلد أمام منزلق خطر، وخطين متوازيين لا يلتقيان. وهذا التصادم لا يقف عند حدود السجال السياسي، بل يدفع بالبلد نحو لحظة الحقيقة: إما أن تنجح الدولة في فرض منطق المؤسسات وحظر حركة السلاح غير الشرعي كشرط لبقائها، وإما أن ينزلق البلد إلى مواجهة داخلية، تارةً عبر التفجيرات والرسائل الأمنية، وتارةً أخرى عبر خطوط تماس ميدانية وسياسية، قد تقضي على مرجعية الدولة بكاملها.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار