الـ”C4″ في قبضة واشنطن

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
15 تشرين الأول 2026

المواجهة الداخلية بين الدولة و”الحزب” واقعة حتمًا، مهما حاول الطرفان استبعادها أو تأجيلها، لأنّ ضغوط إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، مرشّحة للتصاعد في ملف “الحزب” وسلاحه ومصادر تمويله وهيكليته العسكرية والأمنية. ويومًا بعد يوم، وجولة مفاوضات تلو أخرى، يجد لبنان الرسمي نفسه أمام خيار الالتزام الحتمي بما وافق عليه في الاتفاق الإطاري، أي نزع سلاح “الحزب”.

 

لا يمكن التعاطي مع عمليات كشف شحنات المتفجّرات الخاصّة بـ”حزب الله”، في الأيام الأخيرة، وكأنّها تمّت بمحض الصدفة أو نتيجة استفاقة مفاجئة لأجهزة الدولة اللبنانية. هناك سياق واضح لهذه العمليات، ولا بدّ من أخذه في الاعتبار. ففي الأسابيع الأخيرة، وجّهت إسرائيل ضربات إلى مناطق بقاعية عدّة، أبرزها الأحد 4 تشرين الأول الجاري، عندما شنّت هجومًا بطائرة مُسيّرة على سيارة في محيط حوش السيد علي، في قضاء الهرمل، فأصيب لبناني وخمسة سوريين. ثم أعلنت أنّ المستهدف سوري يدعى يوسف علي الحسون، وأنّه “عمل خلال العام الأخير، بتوجيه إيراني، على تنفيذ مخطّطات” استهدفت قواتها في جنوب سوريا. وأكد الجيش الإسرائيلي استمرار عملياته لتعطيل التهديدات “في مختلف الجبهات”، استنادًا إلى الاتفاق المبرم بين إسرائيل ولبنان.

وفي توقيتٍ دقيقٍ، جاء كلام وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أمس، إذ قال من لبنان: “إذا انضم “حزب الله” إلى إيران في مهاجمتنا، فسيتلقّى ضربة قاسية. وسنضم الليطاني والنبطية إلى منطقتنا الأمنية. وستتعرّض الضاحية للإخلاء، ليصبح أكثر من مليون شيعي نازحين”. وهذا الكلام يؤكّد أنّ السيناريوهات الأشدّ خطورة ما زالت واردة في أي لحظة.

في أي حال، من الواضح أنّ الإسرائيليين يتحرّكون لإنهاء وضعية التفلّت التي تشرف عليها إيران على الحدود اللبنانية – السورية، ومن خلالها ينفّذ “حزب الله” أنشطة أمنية، يشارك فيها سوريّون، وتشمل مناطق لبنانية وسورية في آنٍ معًا. وبناءً على هذه المعطيات، يُصبح منطقيًا أن تكون إسرائيل قد طلبت من واشنطن التحرّك مع الدولة اللبنانية لوقف ما يجري. بل إنّ ثمة مَن يعتقد أن واشنطن تمتلك الكثير من المعلومات أساسًا عن حراك “حزب الله” في تلك المنطقة. وهذه المسألة تبقى موضع تداول دائم في إطار لجنة مراقبة وقف النار، أو ما بقي منها فاعلًا، والتي تضمّ الجانبَيْن اللبناني والإسرائيلي بقيادة أميركية.

وفي تقدير هؤلاء، فإنّ واشنطن هي التي سارعت إلى إبلاغ الأجهزة العسكرية والأمنية اللبنانية برصد شحنات جديدة من المتفجّرات عبر الحدود، متوجّهة إلى بيروت، وهي التي طلبت من الجانب اللبناني مصادرتها وتوقيف عناصر “الحزب” وإحالتهم إلى القضاء المختصّ، فجرى التجاوب معها فورًا، التزامًا بمنطوق الاتفاق الإطاري والدور الذي تضطلع به اللجنة. وليس خافيًا أن مسار التعاون وثيق بين الأميركيين والمؤسّسات والأجهزة العسكرية والأمنية اللبنانية، ويمتدّ إلى عقود مضت.

وإذا صح هذا السيناريو، كما هو مرجح، فإنّه يعني ما يأتي:

أولًا: أنّ الشحنات التي تمّت مصادرتها أخيرًا لم تكن وحيدةً، بل سبقتها دفعات كثيرة، ربما أكبر وأخطر، ولا أحد يعرف أين استقرّت، وما هي المهمّات التي ستُستخدم فيها. وهذا يستدعي التوغّل في التحقيق مع الموقوفين وكشف الجهات التي تدير هذه العمليات وأهدافها، ومصادر الشحنات التي خُزّنت سابقًا.

ثانيًا: أنّ بعض الأجهزة الرسمية لم تكن لديها القدرة، أو ربما الإرادة، أو كلتاهما معًا، لضبط الشحنات السابقة، منعًا للاصطدام مباشرةً بـ”الحزب” أو لأسباب أخرى. وأنّ الشحنات الأخيرة لم تكن لتُصادَر لولا الضغط الأميركي الساحق.

ثالثًا: أوحى الموقف النّاري الذي أطلقه الرئيس نوّاف سلام، بعد مصادرة الشحنة في ضهر البيدر، بوجود مخاطر حقيقية من إمكان استخدام الشحنات الناسفة، ولا سيما “C4″، مجددًا في عمليات اغتيال داخلية. وعلى الأرجح، أراد استباق أي احتمال لتنفيذ عمليات اغتيال، وكشفه بهدف تعطيله، إذا كان جديًا.

رابعًا: لم تعد شحنات المتفجّرات ملفًا داخليًا محصورًا بين الدولة اللبنانية و”حزب الله”، بل باتت جزءًا من إشكاليّة العلاقة بين لبنان الرسمي وإسرائيل والولايات المتحدة، والصراع الكبير مع إيران وأذرعها الإقليمية؛ أي إنّها ترتبط بملف سلاح “الحزب” وهيكليّته العسكرية والأمنية. ووسط ضجيج ملف الشحنات المصادرة، جدّدت واشنطن تأكيدها، عبر الناطق باسم الخارجية، أن “على “الحزب” أن يقتنع بأنّه انتهى”.

خامسًا، وهذا هو الأهم: أنّ المواجهة الداخلية بين الدولة و”حزب الله” واقعة حتمًا، مهما حاول الطرفان استبعادها أو تأجيلها، لأنّ ضغوط إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، مرشّحة للتصاعد في ملف “حزب الله” وسلاحه ومصادر تمويله وهيكليته العسكرية والأمنية. ويومًا بعد يوم، وجولة مفاوضات تلو أخرى، يجد لبنان الرسمي نفسه أمام خيار الالتزام الحتمي بما وافق عليه في الاتفاق الإطاري، أي نزع سلاح “الحزب”، تحت طائلة التهديد الإسرائيلي عسكريًا، والتهديد الأميركي ماليًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا.

وفي نظرة موضوعية إلى الواقع، يبدو أنّ ما كان محرّمًا على الدولة القيام به قبل عام، في ملف سلاح “حزب الله” وأمواله، قد أصبح اليوم مُباحًا. وبناءً عليه، فإنّ ما يبقى محرّمًا اليوم سيصبح مباحًا بعد حين، ولا مجال لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ولذلك، الأفضل للدولة و”الحزب” حسم هذا الملف “بالتي هي أحسن”، واستباق المأزق الآتي حتمًا، وتجنّب الخسائر المتوقّعة، التي لا يمكن تقدير حجمها وأخطارها على البلد.

الـ”C4″ في قبضة واشنطن

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
15 تشرين الأول 2026

المواجهة الداخلية بين الدولة و”الحزب” واقعة حتمًا، مهما حاول الطرفان استبعادها أو تأجيلها، لأنّ ضغوط إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، مرشّحة للتصاعد في ملف “الحزب” وسلاحه ومصادر تمويله وهيكليته العسكرية والأمنية. ويومًا بعد يوم، وجولة مفاوضات تلو أخرى، يجد لبنان الرسمي نفسه أمام خيار الالتزام الحتمي بما وافق عليه في الاتفاق الإطاري، أي نزع سلاح “الحزب”.

 

لا يمكن التعاطي مع عمليات كشف شحنات المتفجّرات الخاصّة بـ”حزب الله”، في الأيام الأخيرة، وكأنّها تمّت بمحض الصدفة أو نتيجة استفاقة مفاجئة لأجهزة الدولة اللبنانية. هناك سياق واضح لهذه العمليات، ولا بدّ من أخذه في الاعتبار. ففي الأسابيع الأخيرة، وجّهت إسرائيل ضربات إلى مناطق بقاعية عدّة، أبرزها الأحد 4 تشرين الأول الجاري، عندما شنّت هجومًا بطائرة مُسيّرة على سيارة في محيط حوش السيد علي، في قضاء الهرمل، فأصيب لبناني وخمسة سوريين. ثم أعلنت أنّ المستهدف سوري يدعى يوسف علي الحسون، وأنّه “عمل خلال العام الأخير، بتوجيه إيراني، على تنفيذ مخطّطات” استهدفت قواتها في جنوب سوريا. وأكد الجيش الإسرائيلي استمرار عملياته لتعطيل التهديدات “في مختلف الجبهات”، استنادًا إلى الاتفاق المبرم بين إسرائيل ولبنان.

وفي توقيتٍ دقيقٍ، جاء كلام وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أمس، إذ قال من لبنان: “إذا انضم “حزب الله” إلى إيران في مهاجمتنا، فسيتلقّى ضربة قاسية. وسنضم الليطاني والنبطية إلى منطقتنا الأمنية. وستتعرّض الضاحية للإخلاء، ليصبح أكثر من مليون شيعي نازحين”. وهذا الكلام يؤكّد أنّ السيناريوهات الأشدّ خطورة ما زالت واردة في أي لحظة.

في أي حال، من الواضح أنّ الإسرائيليين يتحرّكون لإنهاء وضعية التفلّت التي تشرف عليها إيران على الحدود اللبنانية – السورية، ومن خلالها ينفّذ “حزب الله” أنشطة أمنية، يشارك فيها سوريّون، وتشمل مناطق لبنانية وسورية في آنٍ معًا. وبناءً على هذه المعطيات، يُصبح منطقيًا أن تكون إسرائيل قد طلبت من واشنطن التحرّك مع الدولة اللبنانية لوقف ما يجري. بل إنّ ثمة مَن يعتقد أن واشنطن تمتلك الكثير من المعلومات أساسًا عن حراك “حزب الله” في تلك المنطقة. وهذه المسألة تبقى موضع تداول دائم في إطار لجنة مراقبة وقف النار، أو ما بقي منها فاعلًا، والتي تضمّ الجانبَيْن اللبناني والإسرائيلي بقيادة أميركية.

وفي تقدير هؤلاء، فإنّ واشنطن هي التي سارعت إلى إبلاغ الأجهزة العسكرية والأمنية اللبنانية برصد شحنات جديدة من المتفجّرات عبر الحدود، متوجّهة إلى بيروت، وهي التي طلبت من الجانب اللبناني مصادرتها وتوقيف عناصر “الحزب” وإحالتهم إلى القضاء المختصّ، فجرى التجاوب معها فورًا، التزامًا بمنطوق الاتفاق الإطاري والدور الذي تضطلع به اللجنة. وليس خافيًا أن مسار التعاون وثيق بين الأميركيين والمؤسّسات والأجهزة العسكرية والأمنية اللبنانية، ويمتدّ إلى عقود مضت.

وإذا صح هذا السيناريو، كما هو مرجح، فإنّه يعني ما يأتي:

أولًا: أنّ الشحنات التي تمّت مصادرتها أخيرًا لم تكن وحيدةً، بل سبقتها دفعات كثيرة، ربما أكبر وأخطر، ولا أحد يعرف أين استقرّت، وما هي المهمّات التي ستُستخدم فيها. وهذا يستدعي التوغّل في التحقيق مع الموقوفين وكشف الجهات التي تدير هذه العمليات وأهدافها، ومصادر الشحنات التي خُزّنت سابقًا.

ثانيًا: أنّ بعض الأجهزة الرسمية لم تكن لديها القدرة، أو ربما الإرادة، أو كلتاهما معًا، لضبط الشحنات السابقة، منعًا للاصطدام مباشرةً بـ”الحزب” أو لأسباب أخرى. وأنّ الشحنات الأخيرة لم تكن لتُصادَر لولا الضغط الأميركي الساحق.

ثالثًا: أوحى الموقف النّاري الذي أطلقه الرئيس نوّاف سلام، بعد مصادرة الشحنة في ضهر البيدر، بوجود مخاطر حقيقية من إمكان استخدام الشحنات الناسفة، ولا سيما “C4″، مجددًا في عمليات اغتيال داخلية. وعلى الأرجح، أراد استباق أي احتمال لتنفيذ عمليات اغتيال، وكشفه بهدف تعطيله، إذا كان جديًا.

رابعًا: لم تعد شحنات المتفجّرات ملفًا داخليًا محصورًا بين الدولة اللبنانية و”حزب الله”، بل باتت جزءًا من إشكاليّة العلاقة بين لبنان الرسمي وإسرائيل والولايات المتحدة، والصراع الكبير مع إيران وأذرعها الإقليمية؛ أي إنّها ترتبط بملف سلاح “الحزب” وهيكليّته العسكرية والأمنية. ووسط ضجيج ملف الشحنات المصادرة، جدّدت واشنطن تأكيدها، عبر الناطق باسم الخارجية، أن “على “الحزب” أن يقتنع بأنّه انتهى”.

خامسًا، وهذا هو الأهم: أنّ المواجهة الداخلية بين الدولة و”حزب الله” واقعة حتمًا، مهما حاول الطرفان استبعادها أو تأجيلها، لأنّ ضغوط إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، مرشّحة للتصاعد في ملف “حزب الله” وسلاحه ومصادر تمويله وهيكليته العسكرية والأمنية. ويومًا بعد يوم، وجولة مفاوضات تلو أخرى، يجد لبنان الرسمي نفسه أمام خيار الالتزام الحتمي بما وافق عليه في الاتفاق الإطاري، أي نزع سلاح “الحزب”، تحت طائلة التهديد الإسرائيلي عسكريًا، والتهديد الأميركي ماليًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا.

وفي نظرة موضوعية إلى الواقع، يبدو أنّ ما كان محرّمًا على الدولة القيام به قبل عام، في ملف سلاح “حزب الله” وأمواله، قد أصبح اليوم مُباحًا. وبناءً عليه، فإنّ ما يبقى محرّمًا اليوم سيصبح مباحًا بعد حين، ولا مجال لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ولذلك، الأفضل للدولة و”الحزب” حسم هذا الملف “بالتي هي أحسن”، واستباق المأزق الآتي حتمًا، وتجنّب الخسائر المتوقّعة، التي لا يمكن تقدير حجمها وأخطارها على البلد.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار